ميساج

صرخة في وجه الفيضان… وفي وجه من صنعه

جاء غيث السماء و غابت إغاثة الارض

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

هذه ليست صرخة ماء…
بل صرخة دم، وصرخة بيوت سقطت فوق أحلام ساكنيها،
وصرخة أمهات ابتلعت السيول أسماء أبنائهن قبل أجسادهم.

الفيضانات لم تكن قَدَرًا أعمى فقط،
بل كانت نتيجة تراكم أخطاء بشرية،
وصمتٍ طويل، وتدبيرٍ مُهترئ، وضميرٍ غارق قبل الطرقات.

لأن السماء تمطر… لكن الأرض خُذلت
المطر نعمة،
لكن حين تتحول النعمة إلى نقمة
فاعلم أن الخلل ليس في الغيوم،
بل في من ترك الأودية بلا حماية،
وفي من سمح بالبناء في مجاري السيول،
وفي من وقّع الرخص دون دراسات،
وفي من حوّل التخطيط إلى ورق، والوقاية إلى شعارات.

لأن الأودية اغتُصبت
أودية كانت تتنفس،
تحولت إلى إسمنت،
إلى تجزئات سكنية عشوائية،
إلى مشاريع بلا قنوات تصريف،
فانتقم الماء حين ضاق به المجرى.

لأن البنية التحتية خائنة
قنوات صرف مسدودة،
بالوعات غائبة أو مكسورة،
طرقات بلا ميول هندسية،
وسدود لم تُصن،
ومجاري لم تُنقّ،
وكأن السيول لا تزورنا إلا مرة في ألف عام!

لأن الفساد أسرع من السيول
حين تُسرق ميزانيات الوقاية،
وتُغش الأشغال،
وتُسند الصفقات بلا مراقبة،
فلا تلوموا المطر…
لوموا من حوّل المال العام إلى قبر جماعي.

لأن التحذير غائب… والإنقاذ متأخر
لا إنذارات مبكرة،
لا إخلاء استباقي،
لا توعية للسكان،
ولا خطط طوارئ حقيقية.
وحين تقع الكارثة…
تبدأ الكاميرات، وتنتهي المسؤوليات.

لأن الإنسان آخر ما يُحسب له حساب
قُتل الناس،
انهدمت البيوت،
ضاع العمر في دقائق،
ثم قيل: قضاء وقدر.
نعم، قدر…
لكن قدر ساهم الإنسان في صناعته.

هذه صرخة وليست خطبة
صرخة تقول:

لا للبناء في مجاري الأودية

لا للتخطيط المرتجل

لا لسرقة ميزانيات الوقاية

لا لصمت المسؤولين بعد الكارثة

نعم للمحاسبة قبل التعويض

نعم للوقاية قبل البكاء

الفيضان لم يقتل وحده…
الذي قتل هو الإهمال،
والجشع،
والاستهتار بأرواح الناس.

رحم الله الضحايا…
ولعن الله كل من كان سببًا في موتهم،
بفعلٍ أو بتوقيع…
أو بصمت.

بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى