ميساج

انتبهوا ..طفولة على هامش الوطن

أنا… طفل من الشارع

 

أنا… طفل من الشارع
اسمي؟
لا أدري…
ربما نسيته، أو نسيني من كانوا ينادونني به يوماً.
كل ما أعرفه أنني أستيقظ قبل الشمس،
ليس لأنني نشيط،
بل لأن البرد يعضّ جسدي الصغير،
ولأن الشارع لا يرحم من يتأخر عن وجعه.
أفتح عينيّ على سقف من سماء بلا رحمة،
أمدّ يدي أبحث عن شيء دافئ… فلا أجد غير الهواء،
وأشمّ رائحة لا أعرف إن كانت رائحة المدينة
أم رائحة أجسادنا التي تعلّمت النوم واقفة.

أنا طفل…
لكنهم يقولون إنني أفكر كالكبار،
لأنني عرفت الجوع قبل أن أعرف الحروف،
وعرفت الخوف قبل أن أعرف اللعب،
وعرفت الحيلة قبل أن أعرف الحلم.
الشارع… أبي وأمي
حين غادرتُ البيت،
لم يكن ذلك هروباً،
بل كان انسحاباً صامتاً من حرب لا أفهمها.
أبي كان غائباً حتى وهو حاضر،
وأمي كانت تبكي أكثر مما تبتسم،
وحين كثر الصراخ،
قررتُ أن أبحث عن مكان لا صوت فيه إلا صمتي.
في الشارع،
تعلمت كيف أمدّ يدي دون أن أنكسر،
وكيف أبتسم وأنا جائع،
وكيف أضحك كي لا أبكي.
علّمتني الأرصفة كيف أعدّ السيارات،
وكيف أميّز بين من ينظر إليّ بعين إنسان،
ومن يراني مجرد عائق في الطريق.
روائح لا تُنسى
رائحة البلاستيك المحروق،
رائحة “السيلسيون”،
رائحة الزجاجات التي نستنشق منها النسيان…
لا أعرف أسماء هذه الأشياء،
لكنها تجعل رأسي يسبح،
وتُبعد عني البرد والجوع…
قليلاً فقط،
ثم تعيدني أكثر تعباً.
نضحك كثيراً،
نصرخ، نغني، نركض،
ثم نسقط فجأة،
كأننا دمى انقطعت خيوطها.

 

على طريق الجبال
أحياناً نذهب بعيداً…
إلى الطرق المؤدية للجبل،
حيث تمر السيارات مسرعة،
وحيث نقف نحن صغاراً
نلوّح بأيدينا المرتجفة.
نرقص “أحيدوس” دون موسيقى،
نقرع الهواء بدل الطبول،
نبتسم للسائقين،
ونتوسل دون كلام.
نفرح حين تتوقف سيارة،
وحين يمد أحدهم يده،
نفرح أكثر لو قال لنا:
“الله يحفظكم”.
بعضنا لا يعرف حتى كيف يهرب من العجلات،
بعضنا يسقط…
ولا يقوم.

قالوا لي: ستدخل مركزاً
قالوا إنهم سيحمونني،
قالوا إن هناك سريراً،
وطعاماً،
ومدرسة…
دخلت،
فوجدت أطفالاً أكبر مني،
غاضبين، خائفين،
بعضهم ضرب،
وبعضهم بكى حتى جفّت دموعه.
لم أفهم لماذا نحن هنا،
ولماذا نُعامل كأننا مذنبون،
رغم أننا لم نسرق سوى طفولتنا الضائعة.

قالوا لي: “اصبر”…
لكن الصبر يحتاج أماً،
وأنا لا أعرف أين أمي.
أنا لست رقماً
أنا لست ملفاً،
ولا حالة اجتماعية،
ولا رقماً في تقرير.

أنا طفل…
أريد مدرسة لا تطردني،
وطبيباً لا يخاف مني،
ومعلماً لا يضربني،
ووطناً لا ينساني.
أريد أن أنام دون خوف،
وأن أستيقظ دون جوع،
وأن أصدق أن لي مستقبلاً
غير هذا الرصيف البارد.

رسالتي إليكم
لا تتركونا وحدنا،
لا تجعلوا الشارع يربينا،
ولا تسمحوا للقسوة أن تصبح قانوننا.
نحن لا نحتاج صدقة،
نحتاج حضناً،
قانوناً عادلاً،
ومدارس تحمينا لا تطردنا،
ومجتمعاً يرى فينا أبناءه… لا عبئه.

أنا طفل الشارع،
لكنني أحلم أن أكون
طفل الوطن.
أنا… طفل يركض كي لا يُؤكل
في المدينة،
لا يشبه الليلُ الليل،
ولا يشبه النهارُ النهار.
الأزقة هنا ضيقة،
لكن الخوف أوسع منها بكثير.
الجدران تنظر إليّ،
والنوافذ تراقبني دون أن تفتح،
والطرقات تحفظ خطاي أكثر مما تحفظ اسمي.

أنا طفل…
لكنني تعلّمت رياضة الهروب قبل أن أتعلم القراءة.
أهرب من اللصوص الذين يرون فيّ فريسة سهلة،
وأهرب من المنحرفين الذين يبتسمون كثيراً قبل أن يؤذوا،
وأهرب من عصابات لا تسأل عن العمر ولا عن البراءة.
أعرف كيف أركض دون صوت،
وكيف أختبئ خلف الحاويات،
وكيف أغيّر طريقي فجأة
حتى لا يتبعني أحد.
أجري…
لا لأفوز،
بل لأبقى حيّاً.

حين يصبح الخوف رفيقك
في الليل،
تتحول المدينة إلى وحش ضخم،
يبتلع من لا يعرف زواياه.
أنام بعين واحدة،
والأخرى تحرس قلبي.
أحسب خطواتي،
وأعد أنفاسي،
وأرتجف كلما سمعت وقع حذاء خلفي.
أخاف من اللص،
وأخاف من المنحرف،
وأخاف حتى من رجل الأمن أحياناً…
ليس لأنني مذنب،
بل لأنني تعبت من الشرح،
ومن رفع يدي،
ومن سماع السؤال ذاته:
“شنو كتدير هنا؟”
أنا لا أعرف أين أكون،
لأن لا أحد قال لي يوماً:
“هنا مكانك”.

أحياء الهامش… مدارس بلا جدران
في الأحياء الهامشية،
نتعلم كل شيء… إلا الطمأنينة.
نتعلم كيف نميز بين الخطر والأخطر،
وكيف نختفي حين تشتد العيون قسوة.
هنا،
الضوء قليل،
والضحك نادر،
والأحلام تُسرق قبل أن تكبر.
نلعب فوق القمامة،
ونتقاسم الخوف كما نتقاسم الخبز،
نضحك أحياناً…
كي لا نموت قهراً.
أخاف من الدفء البشري
الغريب أنني أخاف من الدفء…
لأنني لا أعرفه.
حين يقترب أحد بلطف،
أرتبك،
أشكّ،
أبحث عن مخرج.
الحنان يؤلمني،
لأنه يذكرني بما لم أعرفه،
وبما كنت أستحقه ولم أحصل عليه.
تعلمت أن أكون قاسياً،
لأن القسوة درع،
والضعف في الشارع جريمة.
أنا لست مجرماً… أنا متعب
لم أولد هكذا،
لم أختر هذا الطريق،
ولم أوقّع عقد الضياع.
أنا نتيجة إهمال،
نتاج صمت طويل،
وخطأ كبير اسمه:
“ترك الطفل وحده”.
أنا لا أطلب المستحيل،
فقط أريد أن أُعامل كإنسان،
أن أُرى…
أن أُسمَع…
أن أُحضن دون خوف.
رسالة أخيرة
لا تخافوا مني…
أنا أخاف أكثر.
لا تطاردوني…
دلّوني فقط على طريق آمن.
لا تحاسبوني ككبار…
فأنا طفل،
ضائع بين شارع وقلب مكسور.
إن أنقذتم طفلاً اليوم،
فقد أنقذتم وطناً غداً.

بقلم: بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى