ميساج

لماذا لا تستقيم معظم الأحزاب والنقابات؟

  1. سؤال يبدو في ظاهره بسيطًا، ولا يحتاج إلى كثير من التنظير أو الغوص في الكتب والمراجع، لأن الجواب حاضر في الواقع اليومي، ومكشوف في الممارسة، ومفضوح في النتائج.
    وهو سؤال لا علاقة له – كما قد يُروَّج – بالاختلاف في البرامج، أو بتباين المرجعيات الإيديولوجية، أو بتناقض الشعارات السياسية والنقابية. فهذه كلها واجهات، غالبًا ما تُستعمل للتجميل لا للإصلاح.
    الحقيقة أبسط وأخطر في الآن ذاته:
    لأن من يقودون الأحزاب والنقابات هم من يصنعون من سيخلفونهم.
    وهنا تكمن العلّة.
    فالقيادي الذي تلطخت يداه بالفساد، أو تواطأ مع العبث، أو راكم الامتيازات على حساب القيم، لا يمكن – بحكم المنطق والأخلاق – أن يفرز قيادة نزيهة أو صادقة.
    ذلك أن منطق الفساد لا يُنتج إلا ما يشبهه، ولا يثق إلا في من يضمن له الاستمرار والحماية.
    القيادي الفاسد لا يبحث عن الأصلح،
    بل يبحث عن الأكثر طواعية،
    ولا ينتقي الأكفأ،
    بل ينتقي الأكثر استعدادًا للصمت والتبرير.
    لأن خلف كل زعيم فاسد ملفات ثقيلة،
    وخلف كل مرحلة قيادية مشبوهة آثارًا لا يراد لها أن تُفتح،
    ولا بد لهذه الملفات من حضن دافئ،
    وعقول متواطئة،
    وألسنة مدرَّبة على النسيان،
    حتى تبقى في الظل… إلى أن تذوب.
    وهكذا تتحول القيادة من مسؤولية أخلاقية إلى آلية دفاع ذاتي،
    ومن خدمة للصالح العام إلى شبكة أمان شخصية.
    إن عقلية الزعيم الفاسد لا ترى في النزاهة قيمة،
    ولا في الاستقامة رهانًا،
    بل تعتبر الفساد خيارًا عمليًا،
    وتراه شرطًا للبقاء،
    وضمانة للاستمرار،
    وسلاحًا وقائيًا ضد المحاسبة.
    لذلك تُصاغ القيادات البديلة على المقاس،
    وتُصقل بعناية،
    ويُدرَّب “الفاسد الواعد” على أصول اللعبة:
    متى يصمت،
    ومتى يهاجم،
    ومتى يساوم،
    وكيف يبرر ما لا يُبرَّر.
    في هذا المناخ، يصبح الصالح عنصرًا مزعجًا،
    والنزيه خطرًا محتملاً،
    والمستقيم تهديدًا حقيقيًا للمنظومة.
    فتُغلق الأبواب في وجهه،
    ويُشيطن،
    ويُهمَّش،
    أو يُدفع إلى الهامش حتى يملّ وينسحب.
    والنتيجة؟
    إعادة إنتاج نفس الوجوه، بنفس العقليات، بنفس الأعطاب.
    قيادات تتغير أسماءها، لكن لا تتغير طبائعها.
    خطابات تتبدل لهجتها، لكن لا يتبدل جوهرها.
    ومؤسسات تُستعمل كوسائط للتموقع، لا كفضاءات للإصلاح.
    لهذا لا تستقيم معظم الأحزاب والنقابات،
    لا لأن الفكرة فاسدة،
    بل لأن من استحوذوا عليها أفرغوها من معناها،
    وحولوها من أدوات نضال إلى أدوات حماية،
    ومن مدارس للتأطير إلى أسواق للمصالح.
    وما لم يُكسر هذا المنطق،
    وما لم يُربط العمل الحزبي والنقابي بالمحاسبة الحقيقية،
    وما لم يُفتح الباب أمام قيادات نظيفة لا تخاف الضوء،
    فإن الحديث عن الإصلاح سيبقى مجرد شعار،
    وسيظل الفساد يعيد إنتاج نفسه… بأسماء جديدة.
    بقلم: بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى