تفريخ الجمعيات الحقوقية: حين يتحول الدفاع عن الإنسان إلى تجارة

لم يعد العمل الحقوقي، في كثير من تجلياته الراهنة، ذلك الفعل النبيل المرتبط بالدفاع الصادق عن كرامة الإنسان، ولا تلك الرسالة التطوعية التي تقوم على المعرفة القانونية، والاستقلالية الأخلاقية، والالتزام المبدئي. فقد أفرز الواقع المغربي، خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بـ تفريخ الجمعيات الحقوقية، جمعيات ترفع شعارات كبرى، بينما تمارس في العمق سلوكات تسيء إلى حقوق الإنسان أكثر مما تخدمها.
حقوقيون بلا قانون… ولا دستور
المفارقة الصادمة أن عدداً غير قليل من أعضاء هذه الجمعيات لا يفقهون شيئاً في القانون، ولا يملكون الحد الأدنى من المعرفة الدستورية التي تخول لهم الحديث باسم الحقوق والحريات. يكتبون بلاغات وبيانات بلغة إنشائية، مليئة بالتهويل والخلط، تفتقد للدقة القانونية، وتغيب عنها المراجع، وتقوم في الغالب على السماع والانطباع لا على التحقيق والمعاينة.
الحق في الدفاع عن الحقوق لا يعني الحق في الجهل بالقانون، ولا يمنح صاحبه صكاً أخلاقياً للادعاء والافتراء، فالنضال الحقوقي مسؤولية معرفية قبل أن يكون موقفاً خطابياً.
بلاغات للبيع… وحقوق للمقايضة
الأخطر في هذه الظاهرة هو تحول البلاغ الحقوقي إلى سلعة، والبيان إلى أداة ابتزاز. بلاغات تُكتب لتلميع مسؤول، أو مؤسسة، أو فاعل عمومي، مقابل مال أو مصلحة أو وعد، وبلاغات أخرى تُشهر في وجه من يرفض “الدخول في الصفقة”.
هنا لا يعود الضحية محور الاهتمام، بل يصبح مجرد وسيلة. وتتحول المعاناة الإنسانية إلى ورقة ضغط، تُستعمل حيناً وتُهمَل حيناً آخر، حسب ميزان الربح والخسارة.
تمجيد ما هو واجب أصلاً
من أكثر مظاهر العبث الحقوقي انتشاراً، إصدار بيانات تشيد بـ“الخدمات الجليلة” التي قدمها هذا المسؤول أو ذاك، مع أن تلك الخدمات تدخل صلب مهامه الأصلية، ويتقاضى عنها راتباً شهرياً وتعويضات من المال العام.
الأصل في العمل الحقوقي هو المساءلة لا التطبيل، والمرافعة عند التقصير لا التصفيق عند القيام بالواجب. فالحقوقي الحقيقي لا يكتب بيان شكر لأن الإدارة قامت بما هو مفروض عليها قانوناً، بل يرفع صوته حين لا تقوم به.
تضليل الرأي العام وتخريف الحقائق
كثير من هذه الجمعيات تساهم، عن قصد أو جهل، في تضليل الرأي العام، عبر تضخيم وقائع، أو تحريف أحداث، أو تقديم روايات ناقصة وموجهة. وهو سلوك لا يخدم لا الحقيقة ولا الضحية، بل يربك المجتمع، ويفقد الثقة في الخطاب الحقوقي برمته.
الحقوقي ليس صانع إشاعة، ولا متعهد صراخ، بل شاهد مسؤول، ينقل الوقائع كما هي، لا كما يريدها أن تكون.
بين حقوقيين صادقين وانتهازيين متسلقين
لا يمكن إنكار وجود جمعيات حقوقية جادة، وحقوقيين نزهاء، يعملون في صمت، ويدفعون من وقتهم وجهدهم ومالهم الخاص دفاعاً عن المظلومين، دون انتظار مقابل. لكن المؤسف أن هذه الفئة باتت محاصَرة بسلوكيات الغالبية التي تسعى لخدمة أهداف شخصية، مالية ومصلحية، تحت غطاء حقوق الإنسان.
الخلط بين الفئتين يضر بالجميع، ويُفقد العمل الحقوقي مصداقيته ورمزيته.
التقرب من النفوذ وركوب الأمواج
من سمات هذا “الحقوقي المناسباتي” سعيه الدائم للتقرب من أصحاب النفوذ والمسؤولية، وركوب كل موجة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو إنسانية. لا حباً في الناس، ولا دفاعاً عن حقوقهم، بل بحثاً عن فرصة، أو امتياز، أو موقع، أو دعم.
ومعظم هؤلاء، paradoxically، بلا عمل قار، ولا مداخيل مالية واضحة المصدر، ما يجعل العمل الحقوقي عندهم بديلاً عن الشغل، لا امتداداً للقناعة.
الإساءة للضحية… الحلقة الأضعف
بلغ الانحراف بالبعض حد التجهم في وجه المواطن، والتعامل معه بفوقية، بل واتهامه أو التخلي عنه حين لا يخدم أجندتهم. مع أن المواطن، في كل الحالات، هو الحلقة الأضعف، والمفروض دعمه ومؤازرته إن كان مظلوماً، أو توعيته وتوجيهه إن كان مخطئاً في مساره أو في الجهة التي قصدها.
العمل الحقوقي ليس محكمة، ولا سلطة، ولا وساطة مدفوعة الأجر، بل فعل إنساني أخلاقي قبل كل شيء.
إفساد المجال الحقوقي وضرب حقوق الإنسان
بهذه الممارسات، لا تسيء هذه الجمعيات فقط إلى نفسها، بل تفسد المجال الحقوقي ككل، وتضرب صورة حقوق الإنسان في المغرب، وتمنح الذرائع لكل من يريد التشكيك في جدية المطالب الحقوقية الحقيقية.
خلاصة
إن إصلاح العمل الحقوقي يمر عبر:
إعادة الاعتبار للمعرفة القانونية.
ترسيخ أخلاقيات التطوع والاستقلالية.
الفصل الواضح بين الحقوقي والمنفعي.
مساءلة الجمعيات قبل مساءلة المؤسسات.
حماية المواطن من المتاجرة بمعاناته.
فالحقوق لا تُدافع عنها بالابتزاز، ولا تُصان بالجهل، ولا تُخدم بالمصالح الضيقة، بل بالصدق، والمعرفة، والجرأة، والنزاهة.



