ميساج

هكذا تكلم قائد مشجعي منتخب الكونغو الديمقراطية

 

أنا… المشجّع الكنغولي التمثال
اسمي لا يهم .
في المدرجات لا تُنادى الأسماء
تُـنادى القلوب .. حيث الشغف
منذ زمن، وأنا أؤمن أن التشجيع ليس صراخًا فقط
ليس قفزًا، ولا طبولًا، ولا حناجر مبحوحة .
التشجيع قبل كل هذا … موقف.
فكرتي لم تولد في ملعب،
بل جاءتني في ليلة صامتة،
ليلة كنت فيها وحيدًا،
أمام صورة قديمة معلّقة على جدار غرفتي :
صورة الزعيم الخالد باتريس لومومبا.
كان ينظر إليّ بعينين لا تصرخان،
لكنّهما تأمران .
سألت نفسي :
ماذا لو دخل لومومبا الملعب؟
كيف سيشجّع؟
هل سيغنّي؟
هل سيقفز؟
لا …
سيقف .
فقط يقف .
حينها فهمت كل شيء .
أنا لا أبتكر حركة من فراغ،
أنا أجسّد تمثال الزعيم الخالد
الذي يزيّن بلادي،
واقفًا، شامخًا،
رافعًا يده إلى الأمام،
كأنه يحرس الذاكرة،
ويُذكرنا بأن الحرية لا تُصفَّق لها
بل تُحمل وقوفًا.

 


قلت لنفسي :
إذا كان التمثال ثابتًا في ساحة الوطن،
فلماذا لا أنقله إلى ملاعب المغرب؟
لا من حجر ولا من برونز،
بل من لحم وذاكرة ووجدان.
في تلك الليلة قررت :
سأكون واقفًا.
سأرفع يدي إلى الأمام،
لا تحيّةً لأحد، بل قَسَمًا .
سأحمل صورته،
لا كذكرى،
بل كشاهد.
إن كانوا يلعبون من أجل الفوز،
فأنا سأقف من أجل ألا ننسى
لماذا نلعب أصلًا.
من مباراة إلى أخرى،
منذ أول مباراة لمنتخب وطني،
دخلت الملعب مبكرًا.
اخترت مكاني بعناية .
وقفت .
رفعت يدي .
ثبّتُّ قدميّ في الأرض كأنهما جذور.
في البداية ضحك البعض،
وقال آخرون: هذا مجنون.
لكن مع مرور الدقائق،
بدأ الصمت ينتقل .
كاميرات… عيون… همس .
كنت أسمع الهتافات من حولي،
لكنني كنت في مكان آخر .
كنت مع الزعيم،
مع خطاباته،
مع لحظة خيانته،
مع رصاص الغدر .
كنت أقول في داخلي :
أنا لا أشجّع لاعبين فقط …
أنا أحرس ذاكرة .
أكشف ذاكرة..
للناس ..كل الناس
لم أعد فردًا وسط الجمهور،
بل صرتُ، دون قرار،
رئيس وفد المشجّعين،
وقائدهم في المدرجات،
تتقدّمني النظرات قبل الصفوف،
وتلتفّ حولي القلوب قبل الأعلام .
بين المباريات،
في الفندق، في الطريق، في الحافلة، هنا وهناك،
كان جسدي يتعب،
لكن الفكرة كانت أقوى .
ظهري يؤلمني،
وقدماي تحترقان،
لكن كلما فكرت في الجلوس
رأيت صورته أمامي …
فأصمد من جديد .
سألني طفل :
– لماذا لا تجلس؟
أجبته :
… لأن من جلسوا كثيرًا
سرقوا منا الوطن.
مباراة وطني الأخيرة
كانت الأصعب .
مباراة خروج المغلوب.
لم تكن منصفة لي ولا لوطني،
لكن الكرة مملوءة بالهواء.
لا تؤمن بالعواطف .
دخلت الملعب وقلبي أثقل من كل المباريات السابقة .
وقفت .
رفعت يدي .
وصورة الزعيم معقودة فوق صدري،
هكذا أردتها… وشاحًا .
المباراة كانت طويلة و قاسية
توتر .
فرص ضائعة .
دقائق تمرّ كأنها سنوات .
كنت أقاوم التعب،
أقاوم الخوف،
أقاوم فكرة الهزيمة .
وكنت أقول في سري :
حتى إن خسرنا …
سأبقى واقفًا .
ثم جاءت الدقيقة التي لا تُنسى .
هجمة خاطفة .
كرة عابرة .
تسديدة …
وهدف في مرمى بلدي
يخطف فرحتي .
لم أصرخ .
لم أبكِ فورًا .
شعرت فقط أن شيئًا انكسر .
اهتزّ عقلي وقلبي .
سمعت الفرح من جهة،
وسقط الصمت عليّ كحائط .
حاولت أن أبقى واقفًا .
أقسم أنني حاولت .
لكن قدميّ خانتاني .
ظهري انحنى .
يدي التي كانت مرفوعة سقطت ببطء ..
سقطتُ على ظهري،
حتى يسلم الزعيم،
ويبقى قويًا فوق صدري .
حملتُ أكثر مما يحتمله جسد واحد .
بكيت،
لا على الإقصاء فقط،
بل على وطنٍ لم يكتمل حلمه،
على زعيمٍ قُتل واقفًا،
وعلى مشجّعٍ حاول أن يشبهه… فسقط .
بعد كل شيء،
حملني بعض المشجّعين .
قالوا: لقد فعلت ما يكفي .
لكنهم لا يعلمون أنني
لم أفعل إلا واجبي.
اليوم، وأنا أروي هذه القصة،
أعلم شيئًا واحدًا :
قد يسقط الجسد،
لكن الرسالة لا تسقط .
غدًا، في ملعب آخر،
وفي بطولة أخرى،
وفي بلد أخر،
سأعاود الوقوف .
وإن خانتني صحّتي،
سيقف شخص ما …
بدلًا مني .
يرفع يده ..
ويحمل صورة الزعيم .
وحينها سأبتسم،
وأقول في سري :
لم أكن وحدي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى