
لا أصرخ،
لكن جدراني شاهدة،
لا أتكلم كثيرًا،
لكنني أحفظ أكثر مما يُقال،
وأبوابي تعرف من دخل بتفويض،
ومن فُرض باسم الشرعية.
وُلدتُ في بناية أنيقة،
واجهة راقية ،
في حي راق.
فضاء جميل،
ومكاتب تُوحي بالهيبة
لكن أحدًا لم يسأل، يومها،

أسئلة كثيرة ظلت بدون ردود …
هل أُسِّستُ على اختيار؟
أم شُيِّدتُ فوق فراغ؟
هل وُلدتُ على أساسٍ سليم؟
أم شُيّدتُ فوق فراغٍ قانونيٍّ مُقلق؟
واجهة تُوحي بالاستقلال،
لكن أحدًا لم يطرح السؤال الجوهري :
هل أُسِّستُ بإرادة المهنة
أم بترتيب فوقيٍّ مُسبق؟
منذ بدايتي،
كانت الشرعية معطوبة .
منذ اللحظة الأولى،
كنتُ أشعر أن شيئًا ما مختلّ .
اللجنة التي تولّت ولادتي
تحدثت باسم شرعية تفتقدها ،
هيئات ارتدت زيفا زي الأكثر تمثيلية
في غياب انتخابات مهنية لقطاعي الصحافة والنشر
فسألتُ – وأنا بعدُ فكرة على الورق :
من انتخب من؟
من صوّت على من ؟
وأين الأثر؟
بُنيتُ على افتراض،
والافتراض صار مؤسسة،
والمؤسسة تحولت سلطة
تتحدث باسم مهنة
لم تُدلِ برأيها.
نظمت الانتخابات،
تحت إشراف لجنة مطعون فيها.
أفرزت سبعة صحفيين ومثلهم ناشرين
ثم جاءت التعيينات .
سبعة أسماء أخرى من خارج القطاعين
ضمنهم صحفي و ناشر أسقطتهما التمثيلية المزعومة
داخلي توقّع القرارات،
وتنطق باسم الصحفيين،
دون أن يكون للصحفيين،
حق السؤال.
رأيتُ، بصمت الجدران،
جمعيات ترتدي جلباب النقابة،
تفاوض،
وتقرر،
وتدّعي التمثيل،
وأنا أعرف، بحكم ما يُفترض أن أكونه،
أن الجمعية ليست نقابة،
وأن التمثيل لا يُستعار،
ولا يُمنح بالتراضي
انتهت ولايتي.
وكان يفترض أن أغلق للتجديد والتأهيل.
لكنهم أبقوني مفتوحا بالمؤقت.
بلجنة مؤقتة ،
قيل: لتصريف الأعمال .
لكن المؤقت طال،
والتمديد تكرر،
والاستثناء صار قاعدة.
لم تعد اللجنة تُدبّر فقط،
بل بدأت تُقرّر،
وتُعيد رسم مستقبل المهنة،
وكأن الزمن بلا سقف،
وكأن الشرعية،
تفصيل قابل للتأجيل .
في تلك المرحلة،
بدأتُ أُثقل كاهل الصحفي
أكثر مما أحميه.
بطاقة تُجدد كل سنة،
شروط لا علاقة لها بالأخلاقيات،
أسئلة عن الأجور،
ووثائق عن CNSS
كأنني تحولت،
من حارس للحرية
إلى مفتش إداري
يُراقب بدل أن يحمي ،
ونسيتُ،
أو جرى تذكيري بالنسيان،
أن دوري ليس محاسبة الصحفي
على وضعيته الاجتماعية،
بل حماية المهنة،
وأخلاقياتها،
وحريتها،
واستقلالها .
ثم جاء القانون الجديد …
قيل إنه إصلاح .
لكن كثيرين رأوه،
محاولة ترقيع
لبناء متصدع ،
مرّ القانون بالأغلبية العددية،
لكن روحه بقيت معلّقة
بين منطق القوة
ومنطق الشرعية .
وهنا،
لم يعد الاعتراض مهنيًا فقط .
مرّ المشروع داخل البرلمان
بأصوات الأغلبية الحكومية،
رغم اعتراضات واسعة،
ورغم التحفظات المهنية والدستورية .
وحين استعصى على المعارضة
التصدي لمنطق العدد،
اختارت طريقًا آخر :
اللجوء إلى المحكمة الدستورية .
لا لإبداء رأي سياسي،
بل للطعن في مدى احترام النص
لروح الدستور،
ولمبدأ التنظيم الذاتي،
ولاستقلال مهنة
لا تعيش إلا بالحرية .
ذلك الطعن،
لم يكن مناورة،
بل اعترافًا صريحًا
بأن المعركة لم تعد داخل القاعة البرلمانية،
بل في عمق الشرعية الدستورية .
في تلك اللحظة،
انسحبت الهيئات المهنية والنقابية،
واحدة تلو الأخرى ،
لا هروبًا،
بل رفضًا لأن تكون
شاهد زور.
في مؤسسة لا تمثلها.
أنا المجلس الوطني للصحافة…
وأعرف أن اسمي صار مرادفًا للأزمة،
لا لأن الصحافة أزمة،
بل لأن شرعيتي نفسها صارت موضع سؤال .
أزمة شرعية؟
نعم …
لأني لم أعد أستطيع أن أُقنع أحدًا
بأنني وُلدتُ من رحم الاختيار الحر .
كلما نطق اسمي في اجتماع أو بيان،
ارتفعت الأسئلة بدل الثقة :
من فوضك؟
من انتخبك؟
ومن منحك حق التحدث باسم المهنة؟
ثم جاء القانون 25.26
كأنه محاولة لترميم تصدعاتي بالإسمنت التشريعي .
قيل إنه إصلاح،
لكن كثيرين رأوه إعادة ترتيب للهيكل،
دون معالجة العطب في الأساس .
مرّ القانون بالأغلبية العددية،
لكن روحه ظلت معلّقة،
بين منطق القوة
ومنطق الشرعية .
وهكذا،
انكشفت الأزمة كاملة :
أزمة شرعية،
أزمة تمثيلية،
وأزمة استقلال .
كيف أكون تنظيمًا ذاتيًا،
وأنا وُلدتُ خارج الإرادة الحرة للمهنة؟
وكيف أكون مستقلًا،
وأنا أُدار بمنطق التمديد والوصاية؟
اليوم،
حين يُقال :
يجب إغلاقي
لأنني لا أصلح كبناية حاضنة ،
فالمقصود ليس الحجر،
بل المرحلة ،
إغلاق وهم،
لفتح أفق جديد
تبدأ فيه الحكاية بتحديد الشركاء المهنيين،
وإبعاد الجمعيات غير المهنية،
وإجراء انتخابات مهنية،
قبل إعداد مسطرة انتخاب أعضاء المجلس.
للمرور من التمثيلية الحقيقية،
ومن الاستقلال الناقص إلى الاستقلال التام
عن الحكومة،
وعن كل نفوذ .
أنا المجلس الوطني للصحافة …
وأقولها باعتراف أخير :
إما أن يعاد تأسيسي،
على أساس ديمقراطي سليم،
أو أبقى مجرد بناية،
تُؤجِّل الانهيار .
فما بُني على باطل
لا يُصلحه التمديد،
ولا تُنقذه الأغلبية،
بل يُعاد بناؤه
أو يُترك للتاريخ،
كي يحكم .
الرسالة واحدة،
لا يمكن المشاركة،
في مؤسسة لا تمثل السلطة الرابعة
انكشفت الحقيقة كاملة
أزمة شرعية،
أزمة تمثيلية،
وأزمة استقلال .
كيف أكون مستقلًا
وأنا محاط بتوازنات مفروضة؟
كيف أكون تنظيمًا ذاتيًا
وأنا وُلدتُ خارج الإرادة الحرة للمهنة؟
اليوم.
حين يُقال :
يجب إغلاق بناية المجلس الوطني للصحافة،
أفهم المعنى جيدًا .
لا أحد يريد هدم الجدران،
بل يريد هدم الوهم .
إغلاق مرحلة،
بُنيت على فراغ،
وفتح أخرى..
يجب إعادة تأسيسي
على أساس ديمقراطي سليم،
فبقائي هكذا ليس حماية للصحافة،
بل إطالة لعمر الأزمة .
أزمة لا يُصلحها التمديد،
ولا تُنقذها القوانين،
هل يُعاد بنائي من جديد ؟
أو أترك لأسقط ؟
بلا كرامة …
بقلم : بوشعيب حمراوي



