الجدلية عند محمد عزيز الوكيلي: “المغرب الإفريقي”.. أو “إفريقيا المغربية”… أيهما أجدر بالتّحقُّق ؟!
محمد عزيز الوكيل
المعادلة الجدلية في العنوان أعلاه تُسائل، من جهة، “الواقع الإفريقي في العقل الجمعي بالمملكة المغربية”، بعد عودتها إلى بيتها الإفريقي سنة 2017 واضعةً بذلك حدّا لسياسة المقعد الفارغ؛
وتُسائل من جهة ثانية، وبالمقابل، “الواقع المغربي في العقل الجمعي الإفريقي”، على ضوء ما يقدمه المغرب لإفريقيا منذ بدايات تلك العودة من خدمات وإسهامات، ومن بين ذلك، الدفعة الرياضية والإعلامية التي جعلت من إفريقيا وكرة القدم بها ولاعبيها، في هذا المجال الرياضي، قِبلةً للإعلام العالمي، ولكل رياضيي العالم وسُياحه ورجال أعماله ومُغامِريه، إذ أنّ كل هؤلاء صاروا يذكرون إفريقيا دونما الاقتصار على استحضار غاباتها الاستوائية، أو استنطاق مغامرات “السَّفاري” التي كانت تجذب المولعين منهم بقنص وحوشها دون غيرهم من سياح العالم المتقدم !!
لقد جعل المغرب من إفريقيا باستضافته للدورة الخامسة والثلاثين لبطولة الأمم الإفريقية في كرة القدم، بتلك الطريقة المغربية الفريدة، الوِجْهَةَ العالميةَ المفضلةَ طيلة الشهر الذي استغرقته منافسات هذه البطولة، سواء بالقدوم إلى فضاءات البطولة مباشرةً، أو بزيارتها بواسطة الوسائل الإفتراضية والرقمية، يؤكد ذلك، الزخم غير المسبوق من وكالات الأنباء وقنوات التلفزيون الأرضية والفضائية المُغطّية للحدث، والأعداد الخاصة في المجلات الرياضية العالمية، المتخصصة، وكذلك كبار المستشهرين والشركاء الذين احتضنوا هذه الدورة أو ساهموا في فعالياتها إعلامياً وتسويقياً !!
ويكفي أن هذه البطولة، بالذات، حققت للاتحاد الإفريقي لكرة القدم زيادة في المداخيل المالية تعدّت نسبة 90%، وهذه نسبة قياسية وخيالية تصعُب مقارنتُها مع الدورات السابقة بلا استثناء، كما صبّت في الخزينة العامة المغربية حسب آخر الإحصاءات المالية ما يزيد على مليار وخمسمائة مليون أورو، من مداخيلَ تشمل السياحة الرياضية والثقافية، والفنادق، ووسائل النقل، والمطاعم، ومختلف الأسواق العصرية والتقليدية !!
لن أعود في هذا المقال إلى ما قدمه المغرب سواء على مستوى البنيات الأساسية، أو على صعيد الملاعب العالمية، ولا حتى على مستوى كرم الضيافة وحُسن الوفادة، وظاهرة العناية المفرطة بالوفود، لاعبين ومرافقين وجماهيرَ وإعلاميين… وإنما سأكتفي بالإجابة على السؤال المومَئِ إليه في العنوان أعلاه، والذي جعل من إفريقيا مركزاً للاهتمام العالمي في أوساط لم تكن تذكر هذه القارة إلا مقرونة بالبؤس والفقر والتهميش، جنباً إلى جنب مع ذِكر طبيعتها الغنية والمتنوعة وغاباتها وثرواتها الطبيعية وخيراتها الباطنية من المعادن الثمينة والنادرة…
حسناً… كانت هذه “إفريقيا المغربية” التي شكّل المغرب خلال هذه التظاهرة عنوانَها الذهبي المضيء بلا منازع؛ فماذا عن “المغرب الإفريقي” في المخيال الإفريقي، والذي عاد إلى قارته بعد طول غياب، ليحملَها معه إلى الأمام وإلى أعلى؟..
لقد عرّت التظاهرةُ الرياضيةُ ذاتُها أشكالاً وعَيِّنات إفريقية كان المغرب يعتقد أننا قطعنا معها وتركناها وراءنا. ذلك أنها فجّرت من جديد تناقضات هذه القارة، التي وصلت إلى درجة من الفصام في شخصيتها، جعلت دولا كبرى، وريادية، من أفراد أسرتها، مثل مصر والسنغال ونيحيريا تتقمص أدواراً متنكِّرة وحاقدة، بل ماكرة وعدائية، اتضح مع مرور أيام هذه البطولة أنها ترمي إلى الإضرار بالمغرب، وبسمعة المغرب، بل وتحاول بث الفتنة في علاقاته بإخوته من الأفارقة الحكماء، لا لشيء سوى لأن المغرب أسرع في تقدمه وتطوره وريادته، فاكتشفت تلك الدول أمامه وبالمقارنة معه ضُعفَها وهَوانَها، وجمودَها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي… وبدلاً من التأسّي بتجربته من أجل اللحاق به، طفقت في الكيد له والسعي في وضع الحصى والأشواك في طريقه كما هو عادةً دأبُ الفاشلين !!
لم أكشف سرّاً لأنني سمّيت من بين تلك الدول مصر والسنغال، اللتان صنّفهما المغرب الرسمي والمدني في خانة الأشقاء الرئيسيين، بالإضافة بطبيعة الحال إلى خصومنا التاريخيين، الجزائر وجنوب إفريقيا، وإلى شرذمات أخرى من المستعمرين السابقين الحاقدين في كل من إسبانيا وفرنسا، من الذين ساءهم أن يتحقق في المغرب في مضمار البنيات الرياضية والسياحية الأساسية ما باتوا يخسرونه سنة بعد أخرى، وخاصةً بعد أن سَدّت بلدانٌ إفريقية غيرُ قليلةٍ في وجوههم خزائن ثرواتها، التي ظلت تتعرّض للنهب الفرنسي والإسباني والأوروبي الممنهج حتى بعد نيلها لاستقلالها السياسي المفترَى عليه !!
هذا، إذَنْ، هو الوجه البشع الذي أماطت عنه اللثام دول إفريقية أضحت تُشعرنا بنوع من الغربة في قارتنا، حتى أن بعض الأصوات، وما أكثرها، داخل المغرب وفي بعض البلدان الشقيقة ذاتها، بدأت تحثنا على البحث عن وسيلة من الوسائل تجعلنا نحوّل انتماءنا من الفضاء الإفريقي إلى نظيره الأوروبي، تحت ذريعة أن المغرب تخطى الواقع الإفريقي في ارتقائه المتنامي والمتزايد، بدءاً بمجال رياضة كرة القدم، ثم امتداداً إلى مجالات اقتصادية كثيرة لا تنتمي للجنس الإفريقي، كالريادة في السياحية، وفي صناعة السيارات، وفي صناعات أخرى مستقبلية كالرقائق، وكالصناعات العسكرية الثقيلة، ونظيرتها فائقة التطور، فضلا عن مخزوناته المُهوِلة من الفوسفات المشبَّع باليورانيوم عالي الجودة، ومن معادن أخرى ثمينة وباهظة ونادرة مثل الكوبالت، والليثيوم، وغاز الهيليوم، ومثل الذهب والفضة والحديد والنحاس… وفضلاً كذلك عن تزايد الوزن المغربي في مجال الأمن الغذائي العالمي، بامتلاكه ناصية صناعة الأسمدة الأكثر جودة على الصعيد العالمي، والمستخرجة والمتحوّلة من الفوسفات ذاته، مما يجعل بلادنا ممسكة بمفاتيح الأمن الغذائي بلا منافس أو منازع !!
كل هذا جعل إفريقيا تعرّي سوءات بعض أنظمتها، بعد طول اختباء وراء شعارات الأخوة ووحدة الجغرافيا والتاريخ والانتماء !!
فهل يُبادر المغرب فعلاً، ويشرع في دراسة إمكانيات الانضمام إلى مجموعة دول الشمال، موليا ظهره لأساسه الإفريقي، مستحضرين في ذلك مقولة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني بالغة الحِكمة: “المغرب شجرة باسقة جذرها في إفريقيا وفرعها في أوروبا”؟!
لا أعتقد أنّ ذلك محتمَل، لا في المدى القريب ولا المتوسط… أما المدى البعيد فقَدَرُه عند علاّم الغيوب… عجبي!!!
______________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.

