نبض الشارع

الرواج التجاري والاقتصادي بمدينة بنسليمان معطل حتى إشعار أخر ..

انتشرت الأبواق...وغابت الأسواق .. ونحن على ابواب الشهر الفضيل

بقلم : بوشعيب حمراوي

اختلالات بنيوية تُضعف الدورة المالية وتُنهك القدرة الشرائية

يشكّل الرواج التجاري والاقتصادي العمود الفقري لأي مدينة، إذ يقاس به نبض الحياة اليومية، وقوة الدورة المالية، وقدرة الساكنة على الاستهلاك والإنتاج في آن واحد. غير أن المتتبع لوضعية الرواج الاقتصادي بمدينة بنسليمان يلاحظ بوضوح أن المدينة تعيش اختلالات عميقة ومتراكمة، ان على مستوى البنية المنعدمة او التنظيم والمراقبة اللازمين. اختلالات جعلت من حركتها التجارية موسمية وهشة، ومن دورتها المالية الشهرية دورة مبتورة لا تكتمل داخل المجال المحلي.

بنسليمان : بنية اجتماعية هشة ومدخول محدود

تعتمد الغالبية الساحقة من ساكنة بنسليمان على وظائف وأعمال ذات مداخيل ضعيفة أو متوسطة، سواء تعلق الأمر بالموظفين، أو العمال، أو المهنيين الصغار، أو التجار البسطاء. ويُسجَّل أن جزءًا كبيرًا من هذه الأنشطة غير منظم، متشابه، أو مؤقت، ما يفاقم هشاشة الدخل ويجعل القدرة الشرائية محدودة وغير مستقرة.
هذه الوضعية تنعكس مباشرة على حجم الاستهلاك، إذ تصبح الأسر أكثر حذرًا، وتؤجل النفقات، وتقتصر على الضروريات، وهو ما يضعف الطلب الداخلي ويخنق الرواج التجاري المحلي. كما تضعف ثقة المستهلك في التاجر والمهني و .

غياب أسواق حضرية حقيقية و اسواق القرب يفرز غلاء غير مبرر

في ظل غياب أسواق قارة ومنظمة لبيع الخضر والفواكه والمواد الأساسية، يجد المستهلك نفسه رهينة عرض محدود ومضاربات غير مراقبة. فعدد من السلع غير المسعّرة رسميًا تُباع داخل المدينة بأثمنة تفوق نظيرتها في مدن مجاورة، كما أن بعض المواد المسعّرة التي لا تحمل ثمن البيع للعموم تعرف تلاعبًا واضحًا وزيادات غير مبررة.
هذا الواقع لا يرهق جيوب المستهلكين فقط، بل يفرز شعورًا عامًا بعدم الإنصاف، ويُضعف الثقة في السوق المحلية، ويشجع على التوجه نحو الاستهلاك خارج المدينة، بما يحمله ذلك من نزيف مالي إضافي.
.
تجارة عابرة تستنزف الاقتصاد المحلي

من المظاهر اللافتة كذلك أن الأسواق غير المهيكلة، مثل “جوطية الأحد” أو “جوطية الأربعاء قرب السينما”، إضافة إلى العربات المتنقلة التي تنتشر بعشوائية ، يهيمن عليها في الغالب باعة ومزودون من خارج المدينة، بل أحيانًا من خارج الإقليم..

وهذا يعني، اقتصاديًا، أن الجزء الأكبر من الأموال المتداولة لا يعاد استثماره محليًا، بل يُرحَّل إلى خارج بنسليمان، فتُفرَّغ المدينة من فرص تدوير المال داخل نسيجها التجاري والاجتماعي، ويُحرم التجار والمهنيون المحليون من الاستفادة الحقيقية من الرواج.

نهاية الشهر… ركود خانق للجميع

مع حلول النصف الثاني من كل شهر، يتراجع الرواج بشكل حاد، فتتضرر الأسر بسبب محدودية السيولة، ويتضرر التجار والمهنيون بسبب ضعف الإقبال. إنها حلقة مفرغة: مستهلك عاجز عن الشراء، وتاجر عاجز عن البيع، واقتصاد محلي يدور في دائرة الركود بدل النمو.

حين تتوقف الدورة المالية عن الدوران

الاقتصاد المحلي لا ينتعش إلا إذا دارت الأموال داخل المدينة نفسها. حين يصرف المواطن درهمه عند الخضار أو العطار أو بائعي اللحوم و الفواكه،… ينبغي أن ينتقل جزء من هذا الدرهم إلى البقال، ثم إلى الحلاق وبائع الملابس و.. ثم إلى مهني او خدماتي آخر داخل نفس المجال الترابي. هكذا فقط تُبنى دورة مالية سليمة، ويستفيد الجميع، وينتعش السوق، وتُخلق فرص الاستقرار.
أما حين تتسرّب هذه الأموال إلى خارج المدينة، فإن القلوب – كما يقول المثل الشعبي – تتوقف عن الدوران داخل الجسد المحلي، فيضعف الاقتصاد، ويبهت الأمل في تنمية حقيقية.

إن إنعاش الرواج التجاري والاقتصادي ببنسليمان لا يمر  عبر النوايا الحسنة، بل يتطلب رؤية محلية واضحة: تنظيم الأسواق، إحداث أسواق مركزية وأسواق قرب حقيقية مناسبة للسلع والخدمات المعروضة. حماية المستهلك، دعم التجار والمهنيين المحليين وضمان بقاء الدورة المالية داخل المدينة. فالتنمية ليست شعارات، بل سياسات عملية تجعل الدرهم يدور بين أبناء وبنات المدينة، لا أن يهاجر مع أول فرصة.

المراقبة الإدارية غير كافية 

وإذا كانت المراقبة الإدارية تشكّل أداة أساسية في ضبط الأسعار وجودة السلع المعروضة، فإنها وحدها تبقى غير كافية ما لم تُدعَّم بحلول بنيوية ودائمة. فالسؤال الجوهري الذي يطرحه السليمانيون اليوم تعدى المطالبة بديمومة لجان المراقبة. بل أساسًا: لماذا لا تتوفر مدينة بنسليمان على أسواق تليق بساكنتها؟ ولماذا يُترك مجال الاحتكار مفتوحًا أمام فئات تتحكم في العرض والأسعار دون حسيب أو رقيب؟
يتساءل المواطنون كذلك عن أسباب السماح لتجار من خارج الإقليم بممارسة تجارة عشوائية داخل المدينة، وفرض أثمنة تفوق أحيانًا تلك المعمول بها حتى في أسواق الجملة بالمدن المجاورة، في غياب أي توازن أو حماية حقيقية للتاجر المحلي والمستهلك معًا. كما يطرح الشارع بإلحاح ملف المشاريع المؤجلة، وعلى رأسها سوق الجملة للخضر والفواكه والمجزرة الإقليمية، باعتبارهما رافعتين أساسيتين لضبط السلسلة التجارية من المنبع إلى المستهلك.
ولا يقل عن ذلك أهمية مطلب تنظيم ومراقبة أثمنة سوق البيض والدجاج، بما فيها الدجاج الرومي، التي تعرف تقلبات حادة وغير مبررة، تُثقل كاهل الأسر وتُربك السوق المحلية. فالتنمية التجارية لا تُختزل في حملات ظرفية، بل في إرساء بنية سوقية عادلة، شفافة، ومنظمة، تُنهي منطق الفوضى، وتعيد الثقة، وتُحقق التوازن بين حق التاجر في الربح وحق المواطن في سعر معقول وجودة مضمونة.

إن مدينة بنسليمان، ومعها الإقليم، لم تعد في حاجة إلى حلول ترقيعية أو إجراءات موسمية، بقدر ما هي في حاجة ماسّة إلى أمن صحي وغذائي حقيقي، يضمن للمواطن حقه في العلاج وحقه في توفر سلع آمنة، وأسعار عادلة، وأسواق منظمة تحفظ كرامته وتحمي صحته. فالأمن الغذائي لم يعد ترفًا، بل شرطًا من شروط الاستقرار الاجتماعي، والأمن الصحي لم يعد شعارًا، بل مسؤولية جماعية تتقاسمها كل الجهات المعنية.
إنها لحظة الاختيار بين استمرار الفوضى أو بناء منظومة تجارية تحمي الإنسان قبل الربح، وتضع صحة المواطن فوق كل اعتبار… ولكم الخط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى