ميساج

نعيب نساءنا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

على هامش اليوم العالمي للمرأة والفتاة في مجال العلم (11 فبراير)

بقلم : بوشعيب حمراوي

يحلّ الحادي عشر من فبراير من كل سنة، حاملاً معه أحد أرقى المعاني الكونية المرتبطة بالإنصاف والعدالة المعرفية، إنه اليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجال العلوم. غير أن هذا اليوم، على أهميته الرمزية و الإستراتيجية، يمرّ في الغالب مرورًا باهتًا داخل الفضاء العمومي المغربي، في مفارقة صارخة مع واقعٍ نسائيٍّ مثقلٍ بالتضحيات، ومع طاقات علمية نسوية أثبتت حضورها وكفاءتها رغم كل أشكال الإقصاء الصامت والمعلن.

إنه يوم لا يُفترض أن يكون احتفالًا عابرًا أو مناسبة بروتوكولية، بل محطةً للمساءلة: مساءلة المجتمع، والمؤسسات، والخطاب الثقافي والديني والقانوني، حول موقع المرأة والفتاة في معادلة العلم والمعرفة، وحول الفجوة المؤلمة بين التكريم الموسمي والعنف البنيوي اليومي.

من المدرسة إلى الجامعة… تفوقٌ يُقابَل بالتقزيم

تبدأ حكاية الفتاة المغربية مع العلم مبكرًا، داخل الأقسام الدراسية الأولى، حيث تُظهر التلميذة المغربية انضباطًا، ونضجًا، وقدرة على التحصيل والتركيز، تجعلها في كثير من الأحيان في صدارة النتائج. هذا التفوق لا ينقطع في التعليم الثانوي ولا في الجامعة، بل يتعزّز داخل الشعب العلمية والتقنية والطبية والهندسية، وفي مسارات البحث والتكوين المهني والتقني. والمعطيات والأرقام داخل المدارس والثانويات والجامعات ومراكز التكوين المهني والعالي بالمغرب، تؤكد سنويا تفوق التلميذات والطالبات والمتدربات على نظرائهم الذكور. وهيمنتهن على المراكز الأولى. لكن تلك الأرقام والمعطيات لا نجد لها مقابل منصفا في سوق الشغل والإبداع و التموقع الوطني والدولي.

هذا المسار العلمي، الذي يفترض أن يُقابَل بالاحتضان والدعم، يصطدم بثقافة مجتمعية مزدوجة. حيث تسود ثقافة تُصفّق للمرأة المتفوقة حين تكون «استثناءً»، لكنها تُضيّق عليها حين تطمح إلى القيادة، أو القرار، أو البحث المتقدم. وكأن العقل النسائي مقبول ما دام في موقع الإنجاز الصامت، ومرفوض حين يطالب بحقه في الريادة.

المرأة العالِمة… بين الإنتاج العلمي والعنف الرمزي

حين تلج المرأة المغربية عالم المهنة العلمية والتربوية، تتجسّد في الأستاذة، والمكوِّنة، والباحثة، والطبيبة، والمهندسة. تُنتج المعرفة، وتؤطّر الأجيال، وتشتغل في ظروف شاقة، بإمكانيات محدودة، وأجور غير منصفة أحيانًا، ومسؤوليات أسرية مضاعفة. ورغم ذلك، تظلّ المرأة المغربية عرضة لعنفٍ رمزيٍّ متواصل.

تشكيك في كفاءتها، واستخفاف بإنجازاتها، وإقصاء من مواقع القرار العلمي. وتحميلها عبء التوفيق المستحيل بين النجاح المهني والواجب الأسري.وهو عنف لا يقلّ خطورة عن العنف الجسدي، لأنه يُفرغ التفوق العلمي من قيمته الاجتماعية، ويُحوّل الإنجاز إلى عبء بدل أن يكون مصدر تمكين.

أيام عالمية للتكريم… وأيام واقعية للإقصاء

المفارقة المؤلمة، هي أن المرأة تُحاصر داخل روزنامة مزدحمة بالأيام الوطنية و العالمية: اليوم العالمي للمرأة ( ثامن مارس)، و اليوم الوطني للمرأة (عاشر أكتوبر)، واليوم العالمي للفتاة ( 11 أكتوبر)، واليوم العالمي للمرأة القروية (15 أكتوبر)، واليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجال العلوم (11 فبراير)، اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء (25 نونبر). اليوم العالمي للأرامل ( 23 يونيو)، واليوم العالمي للأمهات ( 13 ماي).

لكن ماذا يتغير فعليًا بعد انقضاء هذه الأيام؟، غالبًا لا شيء. تُرفع الشعارات، تُنظَّم الندوات، تُوزَّع الشهادات، ثم تعود المرأة إلى واقعها المثقل بالعنف، والتهميش، والإقصاء، خصوصًا في القرى والمناطق الهشة، حيث تُحرَم الفتاة من التمدرس، وتُدفع إلى سوق الشغل الهش، أو إلى خدمة البيوت، أو إلى الحقول، في صمتٍ اجتماعيٍّ وإعلاميّ على المطالب النسوية الحقيقية. .

الفتاة القروية… الضحية المنسية خارج خطاب العلم

حين نتحدث عن المرأة والفتاة في مجال العلوم، لا يمكن القفز على مأساة الفتاة القروية، التي تُقصى من المدرسة قبل أن تكتشف معنى المختبر، ومن التكوين قبل أن تعرف معنى البحث العلمي.
فتاة تُدان مرتين ، مرة بالفقر ومرة بالأنوثة. فتُجرَّد من طفولتها، ومن حقها في التعلم، وتُدفع إلى أعمال شاقة، أو إلى خدمة غير إنسانية، في غياب حماية قانونية حقيقية، وتواطؤ اجتماعي صامت، يُحوّل الضحية إلى مذنبة. كيف يمكن الحديث عن نساء في العلوم، بينما آلاف الفتيات يُحرَمن من أبسط شروط الولوج إلى المدرسة؟. وأي احتفاء هذا، إذا كان العقل النسائي يقبر في القرى قبل أن يُزهِر؟.

بين تأويل النصوص وشرعنة الإقصاء

لا يمكن تجاهل دور بعض القراءات الذكورية المتعسفة للنصوص الدينية والقانونية، التي تُسخَّر لتبرير إقصاء المرأة، والتقليل من قدراتها العقلية، وحصرها في أدوار نمطية.قراءات انتقائية، تُجزّئ النص، وتُفرغه من مقاصده الإنسانية، وتحوّل الدين من رسالة كرامة وعدل إلى أداة تسلّط وتقزيم.وهو ما يجعل معركة المرأة في مجال العلوم ليست معركة كفاءة، بل معركة وعي وتأويل وثقافة.
إن الاحتفاء باليوم الدولي للمرأة والفتاة في مجال العلوم لا ينبغي أن يكون تكرارًا لمهزلة التكريم الموسمي، بل مدخلًا حقيقيًا إلى عدالة معرفية تقتضي ضمان الولوج العادل للفتاة إلى التعليم والعلوم منذ الطفولة، وحماية الفتاة القروية من الاستغلال والإقصاء، وتمكين المرأة العالِمة من البحث والقيادة والقرار، ومحاربة الصور النمطية والعنف الرمزي، وربط التنمية العلمية بالإنصاف الجندري الحقيقي. لأن كل عقل نسائي مُهمَّش هو خسارة وطنية، وكل فتاة حُرِمت من العلم هي مشروع ضياع،وكل امرأة عالِمة مُحتضَنة هي استثمار في مستقبل المغرب.
في 11 فبراير، لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة الاعتراف، بأن المرأة المغربية أثبتت كفاءتها ، وأن الذي يتأخر هو إنصافها.

كفاءة المرأة أمام تسلط الرجل

في كل مرة يُطرح فيها سؤال كفاءة المرأة المغربية، سواء في العلم أو البحث أو القيادة أو الإبداع، يتكرّر السلوك نفسه: محاكمة النتائج دون مساءلة الشروط، وإدانة النساء بدل تفكيك المنظومة التي حكمت عليهن مسبقًا بالهامش. نُطالب المرأة بالعطاء الكامل، بينما نُقزّم حضورها، ونُضيّق على اختياراتها، ونفرض عليها وصايات عرفية وثقافية وقانونية تُكبّل طموحها قبل أن يبلغ عتبة الإنجاز. نُحمّلها مسؤولية الإخفاقات، في حين نتجاهل أن البيئة التي تنشأ فيها الفتاة المغربية، داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام، ما تزال في كثير من الأحيان بيئة طاردة، لا حاضنة.
أسَرٌ تُقيّد أحلام البنات بدعوى الخوف و السمعة ، مؤسسات تعليمية تفتقر إلى مرافق تراعي خصوصية الفتيات، فضاءات عمومية لا توفّر الأمان، وسياسات عمومية تُراكم الشعارات أكثر مما تُراكم الفرص. ثم نتساءل، بكل بساطة مُخلة، عن سبب عدم بروز المرأة في مواقع البحث المتقدم والابتكار والقيادة العلمية. إن ما يواجهه العقل النسائي المغربي ليس نقصًا في الذكاء أو الكفاءة، بل سيلًا من التمييز الصامت: تشكيك دائم في الأهلية، استخفاف بالإنجاز، تسويغ للإقصاء بتأويلات دينية أو عرفية مبتورة، وإصرار على احتكار القرار بدعوى الرشد و القوامة . ومع ذلك، تُصرّ المرأة المغربية على الحضور، وتفرض ذاتها في مجالات العلم والمعرفة والتكوين، رغم غياب الإنصاف، ورغم عنف رمزي يُحوّل التفوق إلى استثناء، والنجاح إلى عبء. والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بجرأة هي أننا كثيرًا ما نُعيب نساءنا، لا لقصور فيهن، بل لأننا لم نتحرّر بعد من عقدة التفوق الذكوري، ولم نُنجز المصالحة الضرورية مع منطق المساواة الذي يفرضه العقل والعلم والتاريخ. فليس للمرأة المغربية عيب في كفاءتها أو طموحها، وإنما العيب في منظومة تُطالبها بالنتائج، وتبخل عليها بالفرص.
نعيب نساءنا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى