الفكر العربي المناسباتي يقتل التنمية

بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست أزمة التنمية في العالم العربي أزمة موارد ولا نقص ذكاء، بقدر ما هي أزمة عقلٍ لا يُحسن الاشتغال خارج منطق (المناسبة). عقلٌ لا يبني ولا يُراكم، لا يخطط ولا يستبق، بل ينتظر دائمًا حدثًا، يومًا عالميًا، ذكرى وطنية، صدمة خارجية، أو ضغطًا أجنبيًا، حتى يتحرك… ثم ما يلبث أن يعود إلى سباته العميق.
العقل العربي (في عمومه لا في كل استثناءاته ) لا يشتغل بمنطق العمل الدائم، ولا بالبرامج المتواصلة، ولا بالمخططات القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى. إنه عقل ردّ الفعل لا الفعل، عقل الاستجابة لا المبادرة، عقل الانفعال لا الاشتغال الهادئ العميق. لذلك تظل القضايا المصيرية معلّقة، وتظل التنمية مؤجلة، وتظل الحلول مؤقتة، وتكثر الرؤى والمخططات الوهمية التي تنبت كالفطر هنا وهناك.
نحن نعرف ما يجب أن نناقشه، ونعرف ما يجب أن نُعالج، ونعرف ما يهدد مجتمعاتنا اليوم وغدًا وبعد غد، لكننا نؤجل التفكير فيه إلى أن يطرحه (الغريب)، أو تفرضه (المناسبة)، أو تذكرنا به منظمة دولية، أو تقرير أجنبي، أو كارثة، أو فضيحة، أو حدث دموي.
نُظهر اهتمامنا بالمرأة حين يحل اليوم العالمي للمرأة، فنغرق في الخطب، والبلاغات، والندوات، والشعارات، ثم نغلق الملف إلى السنة المقبلة . نهتم بالبيئة عندما يأتي يوم البيئة، فننظم حملات رمزية، ونزرع شجرة أمام الكاميرات، ثم نعود إلى تلويث الهواء والماء والتربة دون أي إحساس بالمسؤولية.
نرفع شعارات الصحة عند حلول أيامها، والتعليم عند مناسباته، والشباب عند أعياده، والطفولة عند تواريخها… وكأن القضايا الإنسانية ملفات موسمية، لا شؤونًا يومية تمس حياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم.
حتى القضايا الكبرى، القضايا المصيرية التي تخص الشعوب العربية جمعاء، لا تُطرح للنقاش الدائم، ولا تخضع لتفكير جماعي مستمر، ولا تُبحث بعمق من أجل إيجاد حلول وبدائل وإنصاف تاريخي وحضاري. نتعامل معها بمنطق العاطفة المؤقتة، لا بمنطق العقل الاستراتيجي.
فلسطين، مثلًا، قضية عادلة ومركزية، لكننا لا نتذكرها إلا عندما يسقط فلسطيني برصاص الاحتلال، أو يقع عدوان، أو يُقصف حي، أو تُدنّس مقدسات. ننتفض في وقفات ومسيرات، نوقّع عرائض، نكتب بيانات غاضبة، نملأ مواقع التواصل، ثم… نعود إلى صمتنا.
لا نقاشًا دائمًا، لا تفكيرًا عميقًا في أدوات الدعم الحقيقي، لا مراجعة مستمرة للخطاب، لا بناءً لوعي استراتيجي طويل النفس. القضية تتحول إلى موجة عاطفية، لا إلى مشروع تحرري متواصل.
ملفات الوحدة الترابية، وأمن الشعوب، واستقرار الدول، والتحديات الجيوسياسية، والاستفزازات التي تتعرض لها الأنظمة العربية، لا تناقش باستمرار داخل المجتمعات، ولا حتى داخل دواليب القرار لدى كثير من المسؤولين. كأن الأمن والاستقرار لا يُصانان إلا عند وقوع الخطر، وكأن التفكير الاستباقي ترفٌ لا حاجة له.
حتى الشأن الديني، وهو من أخطر وأهم الملفات، لا يُناقش إلا بشكل موسمي أو انفعالي. الإسلام واحد، والقرآن واحد، نصًّا وحرفًا وترتيبًا، عند كل العرب والمسلمين، لكننا لم ننجح في التوافق على ما هو الأهم .
تركنا (دستور الدنيا)، وانشغلنا بصراعات هامشية، وبأحاديث يدور حولها جدل واسع، وبخلافات مذهبية مزمنة، بدل العودة إلى الجوهر: القيم، المقاصد، العقل، العمل، والعدل.
ابتعدنا عن لغة القرآن العربية الأصيلة، وعن روحه الجامعة، وعن دعوته الواضحة إلى التفكر والتفكير، وإعمال العقل، وبناء الإنسان. صرنا نُكثر من (العنعنة)، ونُقلّل من الفهم، ونُراكم الخلاف، ونُفرّغ الدين من دوره الحضاري، ونحوله إلى طقوس موسمية.
حتى شهر رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر القيم، والتقشف، والتكافل، والعمل، صار شهر احتكار السلع، وشهر تزويق الموائد، وشهر الاستهلاك المفرط.
صار شهر الإلهاء الجماعي، حيث تُعدّ له برامج خاصة، وأفلام، ومسلسلات، وبرامج ترفيهية، وتُصرف عليه أغلفة مالية ضخمة، ثم يدخل الإعلام العربي في سبات بقية السنة، وكأن الوعي لا يُنتج إلا في رمضان، وكأن العقل العربي لا يستيقظ إلا ثلاثين يومًا.
برامج رمضان، في جوهرها، ليست سوى ردود على ملفات كان يمكن (بل كان يجب ) التطرق إليها باستمرار، بهدوء، وبعمق، وبنفس طويل. لكنها تُحشر في شهر واحد، وتُستهلك بسرعة، ثم تُنسى.
وهكذا تتحول الأيام الوطنية والدولية إلى مناسبات للتذكير، لا إلى محطات للتقييم والمراجعة والبناء. تتحول إلى واجهات، لا إلى مسارات. إلى ضجيج مؤقت، لا إلى فعل دائم.
إن التنمية لا تُبنى بالعقل المناسباتي، ولا تُصنع بالشعارات الموسمية، ولا تتحقق بردود الفعل. التنمية تحتاج عقلًا يشتغل كل يوم، وبرامج لا تنام، ومؤسسات تفكر قبل أن تقع الكارثة، ومجتمعات تناقش قضاياها باستمرار، لا عند الطوارئ فقط.
ما لم يتحرر العقل العربي من منطق “المناسبة”، وما لم يتحول من عقلٍ ينتظر الحدث إلى عقلٍ يصنعه، ومن عقلٍ يردّ إلى عقلٍ يخطط، فإننا سنظل ندور في الحلقة نفسها: غضب مؤقت، اهتمام عابر، ثم سبات طويل… وتبقى التنمية حلمًا مؤجلًا .
عقدة الشرعية القادمة من الخارج
في السياق نفسه، يبرز خللٌ عميق آخر لا يقل خطورة، يتمثل في ارتهان الوعي العربي لما يأتي من الخارج، وكأن القضايا لا تكتسب شرعيتها إلا إذا نُطِق بها بلسان أجنبي، أو وُضِعت في تقرير دولي، أو تَبَنّاها مسؤول غربي، أو روّجت لها هيئة حقوقية أو منصة إعلامية خارجية. فحديث العربي عن أزمته ليس هو حديث الأجنبي عنها؛ حديث العربي غالبًا يُتَّهم بالمبالغة، أو بالتسييس، أو بالتشويش، أو حتى بالخيانة، بينما يُستقبل حديث الأجنبي – عن القضية نفسها – بالإنصات، والتداول، والاهتمام، وأحيانًا بالذعر. الأسوأ من ذلك أن ما يُطرح خارجيًا يُتبنّى داخل الشعوب العربية بسرعة لافتة، حتى وإن كان مجتزأً، أو منحازًا، أو مبنيًا على معطيات مغلوطة، بل حتى وإن كان كذبًا صريحًا. تتلقفه النخب، وتعيد ترويجه، وتتعامل معه كحقيقة نهائية، فقط لأنه قادم من (هناك)، من الخارج الذي ما زال يحظى بهالة زائفة من المصداقية المطلقة. وكم من قضايا أُثيرت داخليًا، ونوقشت لسنوات من طرف مثقفين، وفاعلين، وصحافيين، ونشطاء، ولم تجد آذانًا صاغية، بل جوبهت بالتجاهل أو القمع أو التقزيم، ثم ما إن تُطرح القضية نفسها في تقرير أجنبي أو تصريح دولي حتى تهرول السلطات داخل تلك الدول إلى فتح الملفات، وتشكيل اللجان، وإطلاق التحقيقات، وكأن المشكلة لم تكن موجودة قبل أن تُختم بختم الخارج. هنا لا يعود الخلل في غياب المعرفة، بل في غياب الثقة في الذات، وفي تقديس النظرة الخارجية، وفي عجز العقل العربي عن الإيمان بأن تشخيصه الداخلي، إن كان صادقًا ومسؤولًا، أحق بالإنصات من أي قراءة مستوردة. وهذا الارتهان لا يقتل فقط السيادة الرمزية، بل يُفرغ المجتمعات من قدرتها على الإصلاح الذاتي، ويجعلها تعيش دائمًا تحت وصاية نظر الآخر، لا تحت حكم عقلها وضميرها.



