كتاب البديل

هل صحيح أن الإعلام هو وسيلة لنشر الكذب وليس الحقيقة والمعلومة الصحيحة؟

بقلم : د. عبد اللطيف سيفيا

هل صحيح أن الإعلام هو وسيلة لنشر الكذب وليس الحقيقة والمعلومة الصحيحة؟ …كما قالت “شامة درشول” في إحدى تصريحاتها الاخيرة ، وأن الحقيقة لدى الاستخبارات التي تزود الصحافة بما يخدم مصالحها فقط وليس بما يخدم المواطنين ؟
سؤالك مهم، ويمسّ موضوعًا حساسًا يتعلق بالثقة في الإعلام.
و هل القول أن الإعلام وسيلة لنشر الكذب فقط هو تعميم مبالغ فيه ؟

هل يمكن أن يكون الإعلام منحازًا أو مضلِّلًا؟
نعم، في بعض الحالات ، بعض وسائل الإعلام قد تكون مملوكة لجهات سياسية أو اقتصادية تؤثر على خطها التحريري.
قد يتم انتقاء المعلومات أو طريقة عرضها بما يخدم أجندة معينة.ففي أوقات الحروب أو الأزمات، تلعب الدعاية دورًا واضحًا.
أحيانًا تعتمد الصحافة على مصادر رسمية (ومنها أجهزة استخبارات)، وهذه المصادر قد تقدم معلومات تخدم مصالحها.

لكن السؤال الاهم هو هل كل الإعلام كاذب؟.

بطبيعة الحال لا. هناك صحافة استقصائية تكشف الفساد حتى عندما يكون ضد مصلحة السلطة ، كما أن هناك مؤسسات إعلامية مستقلة تحاول الالتزام بالمعايير المهنية ، بالإضافة إلى منصات تدقيق الحقائق التي تكشف التضليل، سواء جاء من حكومات أو جهات أخرى.
لكن إلى أي حد يمكن الوثوق بالإعلام أو اعتباره منحازا أو مضللا ، ووسيلة لنشر الكذب فقط؟ أم أن الأمر اكثر تعقيدا مما نظن ؟

أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن وهي في غاية الأهمية وتمسّ موضوعًا حساسًا يتعلق بالثقة في الإعلام الذي يعتبر آلية جبارة وأداة ذات حدين إن تشبع أحدهما بالسم جعل مصير الشعوب والامم في خطر العاهات المستديمة والعجز أو النهاية المشؤومة .

لكن ، لتجاوز كل الشكوك والشوائب في مثل هذه الأوضاع والحالات لابد من اتباع طريقة عملية وبسيطة تساعد على التمييز بين الخبر المهني والخبر الموجَّه.

كيف نميّز بين الخبر الموجَّه والمهني؟

أولا لابد من الفصل بين “الخبر” و”الرأي” فالخبر المهني ينقل وقائع مدعومة بمصادر ، أما بانسبة للرأي فهو يحتوي على تحليل، أحكام، أو عبارات عاطفية … بحيث إذا وجدت كلمات مثل: خيانة، كارثة، بطولي، مؤامرة كبرى، فضيحة مدوية… غالبًا هناك شحنة عاطفية.
كما يجب الانتباه للمصدر ، فلابد أن نسأل عمن يملك الوسيلة الإعلامية ، وإن كان لديها تاريخ من المصداقية ، وهل الخبر منشور في أكثر من وسيلة مستقلة
إذا كان الخبر موجودًا في مصدر واحد فقط، فيجب الحذر ، وهل هناك أكثر من جهة مُستشهَد بها؟
فالخبر المهني عادة ينقل عن أكثر من مصدر ، ويذكر كلمات وجملا مؤكدة صحتها حسب المصدر مثل “قالت مصادر مطلعة” لكن الأفضل أن يحددها ، أما الخبر الموجَّه فغالبًا ما يعتمد على مصدر واحد غير واضح ، أو ينقل تصريحًا رسميًا دون أي تحقق أو تعليق آخر ، كما يجب مراقبة التوقيت ، فأحيانًا يتم تسريب ، والأمثلة كثيرة في ذلك .
كما أن الثقة في الإعلام قد تنعدم لأسباب متعددة وعندما تتكرر التجربة لسنوات ، يتحول الأمر من شكّ عابر إلى فقدان ثقة عميق ، وهذا شيء طبيعي جدًا.

 

كيف نفرق بين أنواع الإعلام ؟

لكن أحيانًا المشكلة ليست في أن “كل الإعلام كاذب” حسب مواقف العديد من المتتبعين ، بل يعود ذلك إلى تلك التجربة إن كانت مع نوع معيّن من الإعلام.
وهناك فرق بين”إعلام رسمي” يخضع للسلطة و”إعلام حزبي” يخدم توجّهًا و”إعلام تجاري” يبحث عن الإثارة والمشاهدات ، و”إعلام استقصائي مستقل” وهو الأقل عددًا والأصعب بقاءً.
كما أن المتتبع إن كان لسنوات يتابع مصادر من نفس البيئة السياسية أو الجغرافية، فمن الطبيعي أن يرى نمطًا متكررًا من التضليل أو الانتقاء.

من الاكثر عرضة وتأثرا بهذا الوضع ؟

فلنعمل ، مثلا ، على تحليل تجربة ما ، لمهتم ما ، بالشأن الإعلامي من الجانب النفسي والمنطقي ، بحيث عندما يتكرر أمامه ، تضخيم حدث ما ثم يتبيّن عكسه ، تجاهل أخبار مهمة ، قلب الضحية إلى متهم ، تناقض الروايات مع الواقع الذي يعيشه ، فالعقل يبدأ ببناء قناعة راسخة بأن الإعلام لا يقول الحقيقة ، وهذا دفاع ذهني لحماية النفس من الخداع.
لكن الخطر هنا هو أنه عندما تتكرر التجربة لسنوات وفي مواقف متعددة ، فيسود الشك والريبة وتتراجع الثقة والمصداقية في المنتوج الإعلامي ، لدى ذوي المستوى الثقافي والوعي الإعلامي المكتسب لمناعة قادرة على التمييز والتحليل ورصد الخلل ، عكس أولئك الذين لا يتوفرون على هذه الإمكانيات بل يتصفون بالعامية والمستوى الثقافي الضعيف هم الذين يبقون عرضة لتبعات هذا التدني والالتفاف والتمويه الإعلامي المقصود فيباتون لقمة سائغة لمخططاته وأهدافه وتطلعاته .

 

تأثير هذا الوضع على انطباع المواطنين :

 

لكن الخطير هنا هو أن هذا الامر جعل عينة ممن هم على مستوى معين من الوعي والدراية تكون أكثر غضبا وفقدانا للثقة ويترسخ فيها المزيد من الحذر ، خاصة بعد ظهور حقائق صادمة تؤكد حقارة المسؤولين في جميع المجالات كالصحة مثلا من خلال التلاعب بالأوبئة والاتجار في الأدوية ، وكذلك في السياسة حيث تم تدمير دول وتحطيم أنظمة ، مثلما حدث بالعراق وليبيا واليمن وكيانات أخرى عديدة … وكشف الخلل في أنظمة مالية عالمية وانهيار اقتصادات رائدة كاقتصاد اليابان مثلا والأزمة الخانقة التي عاشتها اليونان والارجنتين وبعض الدول الأوروبية التي هي في حافة الانهيار والضياع كفرنسا التي أصبحت تتخبط في عدة مشاكل مختلفة ومتنوعة يمكن أن تسوقها إلى الفقر والتراجع عن مكانتها الريادية … بالإضافة الى السياسات التي يتم نهجها من قبل الدول العظمة في السعي إلى تغيير الجغرافية السياسية العالمية والامثلة في ذلك كثيرة كالسودان وعدد من الدول الافريقية التي تستفحل فيها التطاحنات والانقسامات ، وما يتم من تربصات قصد الاستحواذ على الثروات الناذرة لدول كثيرة بالغصب ، ناهيك عما يرتكب من استغلال بشع وجرائم بطرق وحشية وسادية قوية في حق الانسانية والاتجار في المخدرات وفي البشر وأرواح الناس ، وخير دليل على ذلك جرائم جزيرة إبستين ، وما خفي أعظم ، هذه الجزيرة الشيطانية الخطيرة التي انفضح أمرها مؤخرا بتورط العديد من الشخصيات البارزة والنافذة في العالم والتي كان لها وزن ثقيل ماديا ومعنويا ، ليخبرنا الزمن بما لم يكن في الحسبان ولم يخطر على بال بشر… إنها صدمة العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين فعلا ، والتي سجلت بمداد الخزي والعار وتميزت بأبشع صور الوحشية والاستغلال والهمجية في حق الإنسانية والتي تم التستر عنها وإحاطتها بحماية كبيرة لوقت طويل بفعل فاعل ، فذهب ضحيتها العديد من الأبرياء ومنهم الأطفال الصغار والأجنة والشباب …

تأثير التلاعب بالأحداث والوقائع على الانسان :

فعندما يعيش الانسان في مثل هذه الاوضاع غير المرضية التي لا تستقر على رأي صائب ومعلومة صادقة ومطمئنة ، ويرى حروبًا ، انهيارات اقتصادية ، فضائح أخلاقية ، وتناقضًا بين الخطاب والقيم المعلنة… فمن الطبيعي أن يشعر بصدمة عميقة وفقدان ثقة وعدم الاحساس بالاستقرار والطمأنينة ، نظرا للتلاعب بالأحداث والوقائع التي تصبح وقائع حقيقية وتاريخية ، وليست أوهامًا ، والمؤسف هو انخراط مؤسسات محسوبة على خدمة الصالح العام والإنسانية كالدول والحكومات والأنظمة بمباركة المؤسسات الإعلامية التي عوض أن تتخذ موقفا حياديا وتسعى إلى خدمة الناس والدفاع عنهم وتنوير عقولهم ، فإنها فضلت الاصطفاف إلى جانب من يسخرها في قضاء مصالحه الخاصة المادية أو السياسية أو الإديولوجية وغير ذلك منبطحة لاهتة نحو تحقيق أهدافها المختلفة وخاصة منها المادية … متناسية دورها الحقيقي ومسؤوليتها الإنسانية المثلى ، مع عدم التعميم .
كما أنه من الطبيعي بعد كل هذا الزخم من الأحداث والمواقف التي عايشناها وهذا الزمن الذي سايرناه ، أن نرى بأن الخطاب يتغير ، لكن المصالح تبقى جاثمة على قلوب الناس ، كما أن الوجوه تتبدل لكن البنية العميقة للسلطة متشابهة ويستمر سلطانها وجبروتها ، والشعارات الأخلاقية تُستخدم أحيانًا كغطاء لقرارات مصلحية ، حسب استنتاج يصل إليه كثير من الناس الذين تابعوا الإعلام لعقود ، خصوصًا من عاشوا تحولات كبرى “حروب، أزمات مالية، ثورات، فضائح سياسية”.

 

الفرق بين فرضيتي “السلطة بطبيعتها تميل لحماية مصالحها” و”كل ما يحدث هو نتيجة تخطيط واعٍ مركزي شامل”:

وللتوضيح فقط يمكن أن نقول بأن هناك فرق بين قول أن “السلطة بطبيعتها تميل لحماية مصالحها” ، وهذا توصيف واقعي تاريخيًا ، وبين قول”كل ما يحدث هو نتيجة تخطيط واعٍ مركزي شامل” ، وهذا افتراض يحتاج أدلة محددة في كل حالة.
فالأنظمة السياسية والاقتصادية غالبًا تعمل بمنطق المصالح، لكنها أيضًا تعاني من صراعات داخلية ، فشل إداري ، قرارات قصيرة النظر ، أخطاء بشرية جسيمة ، تنافس بين أجنحة ، أحيانًا ما يبدو “مؤامرة ضخمة” يكون مزيجًا من طمع،سوء تقدير ، تضارب مصالح ، أخطاء متراكمة ، وهذا لا يبرئ أحدًا لكنه يغير طبيعة التفسير.

موقع صحافتنا من ذلك وتأثيره على حياة المواطن

وهذا ما ينطبق على منظومة الصحافة والإعلام والنشر في جميع البلدان التي تقاربنا في التوجه والتنظيم والمرامي القريبة والبعيدة وبحكم الوسائل والآليات المتبعة والطرق المباشرة في مناولة العمل الذي نراه يحصد نتائج هزيلة وغير مرضية ولا تساير طموحات البلاد التي انطلقت منذ أكثر من عقدين في في الاستشراف نحو تنمية شاملة تليق بمركزها الإقليمي و الدولي الجديد ، ولا تسير ومجالات كثيرة تمكنت من بلوغ الذروة ، بل قبعت في محيطها الضيق وفضلت البقاء في العتمة حتى لا ينفضح أمرها وخير دليل على ذلك ، ما تعيشه منظومة الصحافة والإعلام والنشر على مستوى القمة بمجلسها الوطني من عبث ووغوص في الخروقات اللاأخلاقية وتدني المستوى المهني وعدم المشروعية والتسلط والغوغائية وعدم تحمل المسؤولية ، الأمر الذي انعكس على مستوى الصحافة الوطنية المتدنية والباهتة التي لم تعد تشفي غليل المواطن المغربي في مسايرة الأحداث بصفة عامة ، واكتفت بالخوض في الخزعبلات والتفاهات والمتردية والنطيحة وما أكل الضبع …. وإن لازلنا نتذكر قول الملك الراحل الحسن الثاني ، تغمد الله روحه بالرحمة والمغفرة ، حين قال عن جيراننا الشرقيين ” لكي يعلم الناس مع من حشرنا الله في الجوار ” فيمكن أن نعيدها وبصيغة أخرى توافق حالتنا نحن كإعلاميين غيورين على هذا البلد العزيز ، ويحز في نفسنا ما يكرسه علينا مسؤولونا بصاحبة الجلالة السلطة الرابعة ، ونقول في حقهم ” ليعلم الناس والمسؤولون الكبار مع من حشرنا الله في هذه المنظومة الإعلامية” التي عوض أن تقوم بكل ما في وسعها لترفع من مستوى الصحافة والوعي الوطني ، اتجهت نحو ممارسة سياسة الأرض المحروقة التي أتت على اليابس والأخضر والشجر والطير والحجر . الامر الذي يستدعي الجدية في تسليم المناصب والمسؤوليات والاعتماد على الكفاءات في ذلك ، واعتماد طرق ووسائل تمكن من فرز الطاقات التي يمكن الاعتماد عليها في القيام بواجبها على أحسن وجه وتشجيعها وتحفيزها لترفع من مردوديتها وتبدع في عملها وليس اتباع المحاباة وإسناد المناصب لمن هم ليسوا أهلا لها لان فاقد الشيء لا يعطيه وكل ما يبني على باطل فسيكون باطلا ويعطي نتائج سلبية وربما كارثية كما هو الحال الآن .

خاتمة

فاتقوا الله فينا وفي هذا الوطن العزيز أيها المسؤولون ، وعودوا إلى الصواب ولا تتنكروا للجميل ، فنحن كلنا فداء لهذا البلد ووجب علينا أن نكون كالبنيان المرصوص نشد بعضنا بعضا حتى نتمكن من الاتحاد لأن في الاتحاد قوة ، وبقوتنا وعزمنا يمكن ان نساهم في رفعة الوطن وخدمته شعبا وملكا ومؤسسات … ولا عزاء لمن لا يستحضر إيثار بلاده والتضحية من أجلها وحب الخير لها والافتخار بها والاعتزاز بالانتماء إليها … وللحديث بقية …

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى