كتاب البديل

محمد عزيز  الوكيلي : قراءة في الورقة التقنية لمشروع الحكم الذاتي

 

يمكن القول بدايةً إن الورقة أو المسودة التي قدمها المغرب في الاجتماع الذي احتضنته السفارة الأمريكية بمدريد، تمتح بعض خطوطها الكبرى من الأنظمة الأساسية لأقاليم الحكم الذاتي في تجارب الدول الأوروبية، وبالتالي تأطيره “القانوني/الدستوري”، الذي يبدو محكماً لأنه مبني على تجارب واقعية ناجحة.

الأمر الثاني المثير للانتباه في هذا المشروع، أنه شكّل إطاراً مهيكَلاً، وبالتالي تطبيقياً بكل دلالات هذا الاصطلاح، وليس مجرد فكرة نظرية قد يخالفها أو يدحضها الواقع بتعقيداته المتوقَّعة، والتي إذا لم تنشأ من تلقاء ذاتها فإن الطرفين الخصمين المعلومين قد يثيرانها من باب العرقلة والتمطيط، وأقصد النظام الجزائري وصنيعته البوليساريو، لأنهما معا سيصعب عليهما الانخراط في الحلول الواقعية المعروضة فوق طاولة المباحثات بسهولة، وبحسن نية… وربما يبذلان كل ما في وسعها لإطالة المباحثات وتعطيلها بقدر الإمكان، وتجاربهما في هذا الاتجاه أتت أكلها لفترة تزيد على خمسين سنة !!

في المُحَصِّلة الثالثة، حرصت ورقة المشروع، التي استهلكت أربعين صفحة، على تبيان اختصاصات كل من السلطة المركزية وسلطات إقليم الحكم الذاتي، فضلا عن مبدأٍ لا يقبل المزايدة، وهو أن “كل ما سكت عنه النظام الأساسي للحكم الذاتي فهو تلقائيا من اختصاصات السلطات المركزية وصلاحياتها المحفوظة لها بقوة القانون”.

في المستوى الرابع، وفي الإطار التنظيمي سالف الإشارة، تكون صلاحيات الدولة المركزية كالتالي:

1- الدفاع الوطني؛
2- الأمن الإستراتيجي؛
3- السياسة الخارجية؛
4- التمثيل الدبلوماسي؛
5- العملة الوطنية ومسكوكاتها وأوراقها النقدية؛
6- الجنسية والتجنيس؛
7- رموز السيادة؛
8- السلطة القضائية العليا وتوجهاتها الرئيسية؛
9- عدم جواز إخضاع هذه الصلاحيات، كلاًّ أو بعضاً، لأي شكل من أشكال التفويض أو التفويت… “فما لله لله، وما لقيصر فهو لقيصر”.

في المستوى الخامس من هذا الترتيب الموضوعي، تأتي صلاحيات سلطات إقليم الحكم الذاتي، الشبيهة إلى حدود قصوى بنظام الجهوية المتقدمة، أو المُوَسَّعة، وهي على التوالي:

1- إعداد التراب؛
2- التخطيط الاقتصادي؛
3- السياسات الاجتماعية؛
4- الصحة والتعليم والسكنة والبيئة؛
5- الصناعة والسياحة؛
6- الصيد البحري؛
7- الماء والطاقة؛
9- النهوض بالثقافة.

يلاحظ أن هذه الصلاحيات تكاد تكون متطابقة مع صلاحيات التنظيم الجهوي الموسَّع، مما سييسّر تحقيق مطلب الاندماج السريع والفعّال لإقليم الحكم الذاتي في علاقاته بالسلطة المركزية للمملكة من جهة، وبالجهات الآخذة منذ الآن في التكيف مع وضعها الجديد، المتمثِّل في صيغتها الإدارية والترابية والتدبيرية الأكثر استقلالية، من جهة ثانية.

بيد أن هناك محدّدات أساسية ينبغي التقيد بها من لدن إقليم الحكم الذاتي، وهي على الخصوص،:

* الولاء الكُلّي لدستور المملكة، بما يجعل إقليم الحكم الذاتي والمكوّنات الأخرى الجهوية على قدم المساواة أمام سلطة المركز. وهذا يقتضي المزيد من التوسيع لصلاحيات الجهات واختصاصات مجالسها حتى يتحقق التوازن المطلوب بين كل مكونات الدولة المغربية بلا استثناء أو إقصاء. وهذا من شأنه أن يضع على عاتق السلطات المركزية أعباءً ومسؤولياتٍ أثقل وأوسع مما كان لديها قبل التطبيق الموشك لهذا المشروع.

* حفاظ الدولة المركزية على صلاحيات التوقيف أو التجميد المؤقت لبعض الصلاحيات المسندة لإقليم الحكم الذاتي، كما بالنسبة للجهات، عندما يقع مساس بالأمن أو النظام العام، أو عندما تطرأ ظروف فيها خطورة على وحدة الدولة وأمنها واستقرارها…

* إقصار التمثيل البرلماني لدى إقليم الحكم الذاتي على غرفة واحدة، ولكنها مزدوجة التركيب والاختصاصات، تتكون من ممثلين منتخبين بالاقتراع العام، وأعضاء آخرين معينين من لدن رؤساء القبائل، وبذلك يراعي هذا التنظيم التركيبة الاجتماعية والإثنية والاعتبارات القبلية، التي مازالت غالبة في أقاليمنا الجنوبية، أما اختصاصاته فمماثلة لاختصاصات البرلمان لدى المركز، بحيث يمارس سلطاته التشريعية كاملة.

* بالنسبة للتمثيل النسوي ببرلمان الحكم الذاتي يتم تحديد كوطة في مرحلة انتقالية كما في المركز، في انتظار التكريس الكلي لمبدأ المناصفة في جميع دواليب المملكة ومؤسساتها… مع استمرار نواب إقليم الحكم الذاتي كباقي نواب الجهات في التمتع بعضوياتهم في برلمان المركز من أجل ضمان إسهامهم في صياغة التشريعات والقرارات الكبرى للمملكة.

* تكون المحاكم وهيئاتها من الدرجتين الأولى والثانية فحسب، بمعنى الابتدائي والاستئنافي، مع بقاء سلطة القضاء العالى لدى محكمة النقض، ويكون الجميع تحت إمرة المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

* جلالة الملك هو من يعين رئيس الحكومة لدى إقليم الحكم الذاتي، ويسهر هذا الأخير على تدبير السلطة التنفيذية وإعمال الخطط الإنمائية في مختلف القطاعات.

* وأخيرا تتكون ميزانية إقليم الحكم الذاتي من الضرائب العقارية، ورسوم استغلال الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى حصة معيّنة من العائدات الوطنية الذي يكون مصدرها هذا الإقليم.

خلاصة القول، إن التطبيق الفعلي والفعال لمبدأ الجهوية الموسعة سيسهّل، إلى أقصى الحدود، تعامل السلطة المركزية وإقليم الحكم الذاتي مع بعضهما البعض في إطار توازن جهوي يرعى المصلحة العليا للوطن، دون إغفال الخصوصيات الطبيعية والبيئية والإثنية والثقافية لكل مكوِّنٍ من هذه المكوِّنات… والخيرُ كلُّ الخيرِ في الأفق الواعد !!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى