الحلقة السادسة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الأطفال… ضحايا الكبار
تنشر السلسلة يوميا بجريدة العلم الورقية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة السادسة
الأطفال… ضحايا الكبار
الأطفال لا يختارون العالم الذي يولدون فيه، ولا القواعد التي تُفرض عليهم، ولا الأخطاء التي يدفعون ثمنها. ومع ذلك، غالبًا ما يكونون أول من يدفع الفاتورة حين يختلّ ميزان الكبار. في الشارع، في المدرسة، وفي البيت، تتشكّل ملامح طفولة مُثقلة بأعباء لم تُصمَّم لأعمارهم.
الطفولة ليست مرحلة عمرية فقط، بل حالة أمان. وحين يغيب هذا الأمان، تتحوّل الطفولة إلى عبء، لا إلى مساحة نمو. نرى ذلك حين يُجبر طفل على النضج المبكر، أو حين يُحمَّل ما لا يحتمل من توقعات، أو حين يُترك لمصيره في فضاءات لا ترحم.
في الشارع، يظهر الوجه الأقسى لهذه المأساة. أطفال يعملون بدل أن يتعلّموا، أطفال يتسوّلون بدل أن يلعبوا، أطفال يتعلّمون لغة البقاء قبل لغة القيم …
هؤلاء لا “يختارون” الشارع؛ الشارع هو الذي يبتلعهم حين تفشل كل شبكات الحماية. الشارع يُربّي بسرعة، ولكل تربيته الخاصة.. لكنه يُربّي على القسوة. يُعلّم الحذر بدل الثقة، ويُعلّم المراوغة بدل الصدق ، ويُعلّم القوة بدل الرحمة.
وحين يعود هؤلاء الأطفال إلى المجتمع، نتساءل باستغراب: لماذا الغضب؟ لماذا العنف؟ بينما الإجابة كانت مكتوبة على الرصيف.
في المدرسة، تتّخذ المأساة شكلًا أقل وضوحًا، لكنه لا يقلّ أثرًا. اكتظاظ يُهمّش الفرد، مناهج تُحمِّل الذاكرة أكثر مما تُنمّي الفهم، تقويم يُقيس الرقم وينسى الإنسان.وحين يفشل الطفل، يُصنَّف سريعًا، بدل أن يُفهم سياقه المدرسة التي لا ترى الطفل كاملًا، تُنتج تعلّمًا ناقصًا.والتعليم الذي لا يُراعي الفروق، يُحوّل بعض الأطفال إلى “مشاكل” بدل أن يراهم إمكانات.كم من طفل فقد ثقته بنفسه لأن أحدًا لم يُنصت؟، وكم من موهبة انطفأت لأن التقييم كان أعمى؟.
أما البيت، الذي يُفترض أن يكون الملاذ، فقد يتحوّل أحيانًا إلى مصدر ضغط ( التوقعات العالية، المقارنات المستمرة، الخلافات غير المُدارة ..). حين يُصبح البيت ساحة توتر، يفقد الطفل مرجعه الآمن. فالعنف داخل البيوت لا يكون دائمًا جسديًا.هناك عنف بالكلمة، عنف بالتجاهل، بالصمت الطويل).هذه الأشكال تُراكم أثرها ببطء، لكنها تترك ندوبًا عميقة في الذاكرة العاطفية.
في رمضان، شهر الرحمة، يُفترض أن نعيد النظر في علاقتنا بالأطفال : كيف نُكلّمهم حين نتعب؟، كيف نضبط غضبنا حين نُستفَزّ؟، كيف نُفسّر لهم العالم بدل أن نُحمّلهم ذنوبه؟.هذه الأسئلة هي جوهر التربية في هذا الشهر.
الأطفال لا يحتاجون إلى آباء وأمهات مثاليين،بل إلى بالغين واعين. واعين بأنهم يُربّون بسلوكهم قبل كلماتهم ، وبأن الاعتذار ليس ضعفًا، بل درسًا،وبأن الإصغاء ليس ترفًا، بل ضرورة.
حين يفشل الكبار في إدارة خلافاتهم، يدفع الأطفال الثمن ، وحين يُؤجَّل الإصلاح، تتأجّل الطفولة. وحين نُبرّر التقصير بالظروف، نُراكم الخسارة على الأضعف.
في الفضاء العام، يُهمَّش صوت الطفل. لا يُستشار، ولا يُؤخذ رأيه، ولا يُرى تأثير القرارات عليه. ومع ذلك، هو أول من يتأثر بها. نذكر منها قرارات (السكن،النقل،التعليم، الاقتصاد). فالطفل حاضر في النتائج لكنه غائب في النقاش.
رمضان يعلّمنا التخفّف، وهذا يشمل التخفّف من إسقاطاتنا على الأطفال. أن نُخفّف عنهم ضغط أن يكونوا نسخة من أحلامنا المؤجّلة، أن نسمح لهم بالخطأ والتعلّم،أن نمنحهم الوقت بدل الاستعجال. حماية الطفولة ليست شأنًا أسريًا فقط، بل مسؤولية مجتمعية. من حقه، حضن أسري دافئ، مدرسة عادلة، شارع آمن، إعلام مسؤول، وسياسات تُراعي الهشاشة.
كلها عناصر تُحدّد شكل الطفولة. حين نرى طفلًا غاضبًا، فلنسأل أنفسنا: ما الذي حُرِم منه؟. وحين نرى طفلًا منسحبًا، فلنسأل: من تجاهله؟. الأعراض لا تأتي من فراغ؛ هي رسائل.
الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يكون في الشعارات، بل في الطفولة
في حماية الوقت، وفي صون الكرامة، وفي فتح الفرص . كل درهم يُهدر هنا، سيُدفَع أضعافًا لاحقًا.
رمضان ليس موسم العطف العابر، بل فرصة لبناء حسّ دائم بالمسؤولية
أن نُعيد النظر في لغتنا مع الأطفال، وفي توقعاتنا منهم ، وفي المساحات التي نمنحهم إيّاها.
فالأطفال ضحايا الكبار، حين يخطئ الكبار ولا يُصلحون، حين يُقصّرون ولا يعترفون، وحين يُحمّلون الصغار ما لا يحتملون.
وحين يختار الكبار أن يكونوا أرحم،أصدق، وأكثر وعيًا، نُعيد للطفولة حقّها في أن تكون… طفولة



