بين خطاب الإنجاز وواقع الانتظار… أين الخلل؟

بقلم : بوشعيب حمراوي
لم يعد الخلاف حول النوايا،في معظم المجتمعات الحديثة. بل حول النتائج. المسؤولون والمنتخبون يؤكدون، بلا استثناء تقريبًا، أنهم يؤدون مهامهم بتفانٍ وشرف ونزاهة، وأنهم يعملون ليل نهار من أجل رفاه الشعوب وتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ العدالة الاجتماعية وتعزيز جودة الخدمات. خطاب متماسك، منضبط، مليء بالمصطلحات الإيجابية، يصعب الطعن فيه من حيث الشكل. فمن نحن حتى نكذّبهم؟ لم يُعفَ أغلبهم، لم يُستبدَلوا، لم تُفتح في حقهم محاكمات، ولم تُوجَّه إليهم إدانات. كثير منهم يتقلدون المناصب منذ سنوات، وبعضهم منذ عقود، يتنقلون بين المسؤوليات كما ينتقل الموظف بين المكاتب، في مسار مهني مستقر يُفترض أنه دليل كفاءة. إذن، وفق هذا المنطق،
لا خلل في الأشخاص.
لكن السؤال لا يتعلق بالأشخاص، بل بالنتائج
غير أن المشكلة لا تكمن في كثرة التصريحات ولا في وفرة الخطط، بل في المسافة الفاصلة بين ما يُقال وما يُلمس. فالأعمال التي يتغنى بها المسؤولون والمنتخبون، والتي تُقدَّم في صورة إنجازات كبرى وتحولات نوعية، لا تظهر على أرض الواقع إلا بشكل باهت أو جزئي، وأحيانًا لا تظهر مطلقًا. قد تُنجز مشاريع، نعم، لكن أثرها يظل محدودًا، أو غير منصف في توزيعه، أو غير كافٍ لتلبية مطالب الشعوب المتزايدة. تُعلن برامج إصلاح، لكن نتائجها لا تعكس حجم الوعود. تُرصد ميزانيات، لكن المواطن لا يشعر بأن حياته اليومية أصبحت أسهل أو أكثر كرامة. هنا لا يتعلق الأمر بإنكار كل جهد، بل بالتساؤل حول فعاليته وعدالته واستدامته. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد المخططات المعلنة، بل بمدى تحسن شروط العيش الفعلية، وبقدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظارات الناس لا الاكتفاء بإدارتها لغويًا وإعلاميًا.
التربية و التعليم والصحة والبيئة والإعلام ..نماذج أكثر وضوحا
في قطاع التربية والتعليم مثلًا، تؤكد التقارير الرسمية أن الإصلاحات مستمرة، وأن البرامج تتطور، وأن المناهج تُحدّث، وأن الاستثمار في الرأسمال البشري أولوية وطنية. من الميثاق الوطني للتربية والعليم، إلى المخطط الاستعجالي، فالرؤية الاستراتيجيى (2015/2030)، فالمخطط العشري للتعليم الأولي، فرؤيى الحكومة الحالية (2022/2026)…. من المدارس الجماعاتية إلى مدارس الريادة .. ومن التعريب إلى الفرنسة إلى الأنجلزة…
تبدو الصورة في الخطاب مشرقة إلى حد أن التعليم يكاد “يرقص بألف خير”، والتربية “تضرب له البندير” احتفالًا بالنجاحات المعلنة. غير أن الواقع يقدّم مشاهد أخرى: تلاميذ لا لغة لهم. لا يفهمون ما يُدرَّس لهم، نسب مرتفعة من التنمر والغش، انتشار لآفات الإدمان في محيط المؤسسات، شباب يتغذّون أكثر على القاذورات الرقمية من تغذّيهم على المعرفة الرصينة. ومع ذلك، غالبًا ما يُختزل الخلل في سلوك التلاميذ أنفسهم، في بيئتهم، في “جيلهم المختلف”، وكأن المنظومة التربوية بكاملها مجرد متفرج بريء.
نفس المفارقة تتكرر في قطاع الطفولة. تُعقد الندوات حول حماية القاصرين، وتُطلق الاستراتيجيات متعددة السنوات، وتُرفع شعارات الإدماج والرعاية الاجتماعية. لكن في الأزقة والبنايات المهجورة نجد أطفالًا مشرّدين، يتعلمون قسوة الشارع قبل أن يتعلموا حروف المدرسة، يصقلون انحرافاتهم، ويضاعفون إدمانهم، ويوسّعون دوائر رفقائهم في العتمة. ومع ذلك، يُنظر إليهم غالبًا باعتبارهم “حالات فردية”، أو “انحرافات معزولة”، لا باعتبارهم نتيجة لسياسات ناقصة أو غير مكتملة الأثر.
نأتي إلى الصحة، فنجد نفس الثنائية. المستشفيات تُبنى، الأجهزة تُقتنى، الخطط الوطنية تُعلن، والأرقام الرسمية تتحدث عن توسع التغطية وتحسن المؤشرات. لكن المواطن، حين يحتاج خدمة صحية عاجلة، يصطدم بطوابير الانتظار، أو نقص الموارد البشرية، أو تفاوت الجودة بين المناطق. هنا أيضًا لا أحد ينكر وجود “بعض الصعوبات”، لكنها تُقدَّم دائمًا باعتبارها استثناءات في مسار ناجح، لا أعراضًا لمشكلة أعمق.
وفي البيئة، تُعلن مشاريع الاستدامة، وتُنظَّم الأيام التحسيسية، وتُوقَّع الاتفاقيات الدولية، بينما تستمر مظاهر التلوث، ويستمر استنزاف الموارد، وتبقى الفجوة قائمة بين النصوص الجميلة والممارسات اليومية.
الإعلام بدوره ينقسم أمام هذه الصورة المزدوجة. جزء منه يتبنى خطاب المسؤولين، ينقل التصريحات كما هي، يعيد إنتاج لغة الإنجاز، ويُطمئن الرأي العام بأن كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح. وجزء آخر يلتقط صراخ الناس، يسلط الضوء على المعاناة اليومية، وينقل قصص الانتظار والإحباط. وبين الخطابين، يبقى المواطن حائرًا: هل يعيش في بلد التقارير أم في بلد الشارع؟
المفارقة الكبرى أن الجميع، نظريًا، يعمل من أجل الجميع. المسؤول يؤكد أنه يخدم الشعب، والمنتخب يقول إنه يمثل الإرادة الشعبية، والمؤسسات تتحدث عن القرب من المواطن. ومع ذلك، لا يلمس المواطن دائمًا أثرًا ملموسًا يوازي حجم الخطابات والرؤى والمخططات. هنا يبرز السؤال البسيط الذي يبدو معقدًا: إذا كان الجميع يقوم بعمله بإخلاص، وإذا كانت الخطط مدروسة، وإذا كانت الميزانيات مرصودة، فأين يضيع الأثر؟
ربما الخلل لا يكمن في غياب الجهد، بل في غياب المساءلة الفعلية المرتبطة بالنتائج. ربما يكمن في ثقافة إدارية ترى أن إطلاق المشروع أهم من قياس أثره، وأن الإعلان عن الخطة أهم من تقييمها بصرامة، وأن البقاء في المنصب علامة استقرار لا علامة ركود. وربما يكمن في دائرة تنموية مغلقة، يتناوب عليها نفس الفاعلين، يعيدون إنتاج نفس الأساليب، بينما تتغير الأجيال وتتبدل التحديات.
نعم، المجتمع ضحية حين لا تتطابق الوعود مع الواقع، وحين يطول الانتظار دون نتائج واضحة. لكن السؤال الأكثر إرباكًا هو هذا: أليست هذه القيادات قد خرجت من رحم هذا المجتمع نفسه؟ أليست هي نتاج ثقافته، وتعليمه، ومنظومته القيمية؟ إذا كان المجتمع يشتكي من قياداته، فهل يشتكي في العمق من نفسه أيضًا؟
الخلل، إذن، ليس في طرف واحد. ليس في المواطن وحده، ولا في المسؤول وحده، بل في العلاقة بينهما، في منظومة تُجيد تبرير ذاتها أكثر مما تُجيد مراجعة أخطائها، وفي مجتمع يطالب بالتغيير لكنه أحيانًا يتسامح مع إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الأساليب.
ويبقى السؤال مفتوحًا، لا للسخرية فقط، بل للمراجعة الصادقة: كيف ننتقل من مرحلة إعلان الجودة إلى مرحلة قياس أثرها؟ وكيف نكسر دائرة الخطاب المطمئن حين لا يوازيه واقع مطمئن؟ لأن التنمية ليست ما يُكتب في التقارير، بل ما يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بتخوين أحد ولا بنفي وجود أي جهد، بل بإعادة تعريف معنى المسؤولية. فالخطابات مهما بلغت بلاغتها لا تُطعم جائعاً، والتقارير مهما ازدانت بالأرقام لا تُصلح مدرسة منهكة، والمخططات مهما طالت عناوينها لا تُقنع شاباً فقد ثقته في المستقبل. إن الفجوة بين القول والفعل لا تُردم بالشعارات، بل بالمحاسبة والشفافية وقياس الأثر الحقيقي لكل سياسة وكل مشروع.
نعم، المجتمع قد يكون ضحية لوعود لا تكتمل، ولمشاريع لا تبلغ مداها، ولمسارات إصلاح تتوقف في منتصف الطريق. لكن السؤال الأعمق يبقى مطروحاً: أليست هذه القيادات نفسها قد خرجت من رحم هذا المجتمع؟ أليست هي نتاج منظومته التعليمية والسياسية والثقافية؟ إذا كان الواقع لا يرضينا، فهل نملك الشجاعة للاعتراف بأن الخلل ليس في الأشخاص فقط، بل في البنية التي تعيد إنتاجهم؟
إن الخروج من دائرة التنمية المغلقة لا يبدأ بتغيير الخطاب، بل بتغيير قواعد اللعبة: ربط المنصب بالنتيجة، وربط القرار بالأثر، وربط الثقة بالمحاسبة. أما غير ذلك، فسيبقى مجرد دوران جديد في نفس الحلقة، حيث يتغير الكلام… ويبقى الواقع كما هو.



