الاسرة و الطفلميساج

الحلقة السابعة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان :الكلمة الطيبة… صدقة منسية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة السابعة
الكلمة الطيبة… صدقة منسية

نُقلّل كثيرًا من شأن الكلمة، مع أنها أول ما نمنحه للآخرين، وآخر ما يظلّ عالقًا في الذاكرة. نتصوّر أن العطاء يكون بالمال أو بالفعل الملموس، وننسى أن الكلمة نفسها صدقة؛ قد ترفع إنسانًا أو تكسره، تُرمّم جرحًا أو تُعمّقه، تُشيّد علاقة أو تهدمها. الكلمة الطيبة ليست زينة لغوية، بل موقف أخلاقي.
في حياتنا اليومية، تتسرّب القسوة عبر الألفاظ قبل الأفعال. كلمة تُقال على عجل، نبرة مُحتقِرة، تعليق ساخر، أو صمت جارح. كلّها أشكال خطاب تُصيب الآخر في كرامته. وحين تتكرّر، تُصبح ثقافة، وتُنتج مجتمعًا عالي الحساسية، سريع الاشتعال.
رمضان يُعيد الاعتبار للصمت المُفكّر، وللكلمة الموزونة. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل تهذيب للسان. واللسان بوابة القلب؛ إن استقام، استقام كثير مما بعده. لذلك لم تكن الكلمة الطيبة تفصيلًا في منظومة القيم، بل ركيزة.
الكلمة الطيبة لا تعني المجاملة الزائفة، ولا تزيين الخطأ. تعني الصدق بلطف، والنقد باحترام، والاختلاف بأدب. تعني أن نُراعي أثر ما نقول، لا أن نُطلقه ثم نُحمّل الآخر مسؤولية التلقّي. الفرق هنا بين حرية التعبير ومسؤولية التعبير.
نرى أثر الكلمة في البيت قبل أي مكان آخر. نرى أثرها في طفل تُقال له عبارة تشجيع في الوقت المناسب، فيزدهر، وطفل تُلاحقه كلمات التقليل، فينكمش. فالألفاظ التي نختارها في التربية ليست عابرة؛هي بذور هوية في العمل، تُحدّد الكلمة مناخ المؤسسة، وعندما يختار المسؤول لغة الاحترام، يرتفع الأداء. وإذا اختار لغة التوبيخ، يسود الخوف. النتائج قد تتشابه على المدى القصير، لكن الأثر الإنساني مختلف جذريًا. الأداء الذي يُبنى على الإهانة هشّ، ويكلف أكثر مما يُنتج.
في الفضاء العام، تتحوّل الكلمة إلى سلاح.عناوين تُؤجّج، تعليقات تُحرّض،خطابات تُقسّم .. فحين تغيب الكلمة الطيبة، يعلو الضجيج، وتضيع الحقيقة. فالكلمة مسؤولة عن تشكيل المزاج العام بقدر ما هي ناقلة للمعلومة.
رمضان يضعنا أمام امتحان اللسان: هل نُخفّف حدّة الكلام؟، هل نُمسك عن الإيذاء اللفظي؟، هل نختار كلماتنا كما نختار طعامنا؟.
التهذيب هنا ليس رقابة خارجية، بل انتباه داخلي، والكلمة الطيبة أيضًا ليست دائمًا كلامًا كثيرًا. أحيانًا تكون صمتًا في وقته، أحيانًا تكون جملة قصيرة تُقال بإخلاص،وأحيانًا تكون اعتذارًا يُعيد التوازن.
فالقيمة ليست في نبرة النطق أو طريقة التحرير، بل في الصدق. في زمن السرعة، صارت الكلمات تُكتب بلا تفكير، وتُنشر بلا مراجعة. مواقع التواصل زادت من هذا التسارع؛ نكتب ونحن غاضبون، ونعلّق ونحن مستفزّون. ثم ننسى أن ما نكتبه يبقى، وأن الأثر لا يزول بحذفٍ متأخّر. الكلمة الطيبة تُنقذ علاقات من الانهيار، تُخفّف سوء الفهم ، تفتح باب الحوار، وتُعيد الاعتبار للإنسانية وسط الخلاف. هي ليست ضعفًا، بل ذكاء اجتماعي.
في المقابل، الكلمة الخبيثة تُراكم العداوات ، تُحوّل الاختلاف إلى خصومة، وتجعل الجسور محترقة. وحين نبحث عن حلّ، لا نجد طريقًا للعودة.لأن كثير من القطيعة تبدأ بكلمة واحدة لم تُحسب.
رمضان ليس موسم الكلام المعسول، بل موسم المسؤولية اللغوية. أن نسأل أنفسنا قبل أن نتكلم. هل ما سنقوله ضروري؟، هل هو صحيح؟، هل سيُضيف خيرًا؟.هذه الأسئلة البسيطة تُعيد ضبط البوصلة.
الكلمة الطيبة صدقة منسية لأننا اعتدنا قياس الخير بما نراه، لا بما نُحدِثه. لكن كم من كلمة طيبة غيّرت يومًا كاملًا لإنسان؟ وكم من كلمة قاسية أفسدت أيامًا؟ الأثر غير مرئي، لكنه حقيقي.
في الأزمات، تظهر قيمة الكلمة أكثر.حين يتألّم الناس، يحتاجون خطابًا يُطمئن لا يُرعِب، يفسّر لا يُضلّل ، يُوحّد لا يُقسّم.اللغة هنا ليست وسيلة، بل مسؤولية أخلاقية.
التربية على الكلمة الطيبة تبدأ من القدوة . حين يرى الأبناء الكبار يختلفون باحترام، يتعلّمون الأدب. وحين يرون السخرية والاستهزاء، يتعلّمون القسوة. فالكلمة تُربّي، شئنا أم أبينا.
رمضان يعلّمنا الاقتصاد في الرغبة، وهذا يشمل رغبة الكلام. فليس كل ما يُقال يجب أن يُقال،وليس كل ما نعرفه يجب أن نُعلنه . الحكمة ليست كتمانًا للحقيقة، بل حُسن توقيت.إذا أردنا مجتمعًا أقل عنفًا، فلنبدأ باللغة ، وإذا أردنا بيوتًا أهدأ، فلنبدأ بالكلمات، وإذا أردنا اختلافًا صحيًا، فلنبدأ بالاحترام. الكلمة الطيبة لا تُغيّر العالم وحدها، لكنها تُمهّد الطريق.
رمضان لا يطلب منا صيام اللسان شهرًا، ثم إطلاقه بلا ضابط بقية العام
يطلب منا أن نتعلّم كيف نتكلم، ومتى، ولماذا.. وحين ننجح في ذلك، تكون الكلمة صدقة جارية. الكلمة الطيبة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة إنسانية.
ومن أحسن اختيار كلماته، أحسن اختيار طريقه إلى الناس وإلى نفسه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى