الحلقة الثامنة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : رمضان والغلاء… من يدفع الثمن؟

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة الثامنة
رمضان والغلاء… من يدفع الثمن؟
كلما أقبل رمضان، عاد السؤال نفسه بحدّة أكبر: لماذا ترتفع الأسعار؟ ومن يدفع الثمن الحقيقي؟
ليس الغلاء في حدّ ذاته ظاهرة جديدة، لكن ما يرافقه في هذا الشهر يكشف اختلالًا أعمق في منظومة القيم والسوق معًا. فالمفترض أن يكون رمضان شهر تضامن وتخفّف، فإذا به يتحوّل عند فئات واسعة إلى موسم ضغط واستنزاف.
الغلاء لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بالأثر. حين ترتفع أسعار المواد الأساسية، لا يشعر الجميع بالألم نفسه. هناك من يضبط ميزانيته، ومن يؤجّل كمالياته، ومن يُغيّر عادات استهلاكه. لكن هناك أيضًا من لا يملك هامشًا للمناورة. هؤلاء هم من يدفعون الثمن كاملًا: الأسر الهشّة، العمّال ذوو الدخل المحدود، الأرامل، المتقاعدون، والطلبة…
رمضان يُضاعف الحاجة،الاستهلاك يزيد ، الالتزامات الاجتماعية تتكاثر، ومتطلبات المائدة تتضخّم، أحيانًا بدافع العادة أكثر من الحاجة. وفي هذا السياق، يتحوّل الغلاء من ضغط اقتصادي إلى اختبار أخلاقي.
السوق، من حيث المبدأ، تحكمه آليات العرض والطلب. لكن حين يتحوّل الطلب إلى ذريعة للمضاربة، ويغيب الضمير التجاري، يصبح السوق أداة ابتزاز. الزيادة هنا لا تكون مبرَّرة بالكلفة، بل بالرغبة في الربح السريع. وهذا ما يجعل الغلاء في رمضان مختلفًا: غلاء موسمي بلا مبرّر أخلاقي.
من يدفع الثمن؟. هل تدفعه الأم التي تُعيد حساباتها عند كل زيارة للسوق ، أم يدفعه الأب الذي يُخفي قلقه كي لا يُقلق أبناءه، أم يدفعه الطفل الذي يسمع كلمة “لا” أكثر مما اعتاد.هذه الكلفة غير مكتوبة في الفواتير، لكنها حاضرة في البيوت.
رمضان يُفترض أن يُخفّف من الاستهلاك، لا أن يُضخّمه. لكن ثقافة المظاهر قلبت المعادلة. موائد عامرة تتجاوز الحاجة، وشراء بدافع الخوف من النقص، لا بدافع التخطيط. ومع هذا السلوك، يُغذّي المستهلك (دون قصد) حلقة الغلاء. الغلاء ليس مسؤولية طرف واحد. هناك مضارب يستغل الظرف، وهناك مراقبة ضعيفة أو متأخرة. وهناك مستهلك يُسهم بسلوكه غير الرشيد. التشخيص الصادق لا يكتفي باتهام جهة واحدة، بل يرى ضرورة تشخيص سلسلة المسؤوليات.
رمضان يضع الدولة أمام اختبار الحكامة. هل تتدخّل في الوقت المناسب؟، هل تحمي القدرة الشرائية للفئات الضعيفة؟، هل تُفعّل المراقبة بصرامة؟.فالأسواق لا تُنظَّم بالبلاغات وحدها، بل بالفعل الميداني
لكن رمضان يضع المجتمع أيضًا أمام اختبار التضامن. فهل نُراعي غيرنا في الشراء؟،هل نُخفّف الطلب حين نرى الضغط؟، هل نُقاوم ثقافة التبذير؟.
التضامن ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكًا يُمارس، والغلاء في رمضان يكشف فجوة بين الخطاب والواقع. نسمع كثيرًا عن القيم، ونرى في السوق عكسها.نسمع عن الرحمة، ونرى استغلال الحاجة . هذه الفجوة تُنتج شعورًا بالظلم، أخطر من الغلاء نفسه.
من يدفع الثمن أيضًا هو الثقة. ثقة المواطن في السوق ، ثقة المستهلك في الرقابة، وثقة المجتمع في نفسه. وحين تتآكل هذه الثقة، يصبح كل طرف في حالة دفاع، ويصعب الإصلاح.
رمضان ليس شهر تحميل المسؤولية للقدر، وليس التواكل (هذا حال الدنيا). بل شهر السؤال: لماذا نقبل بهذا؟ ولماذا يتكرّر؟، وما الذي يمكن تغييره؟.فالاستسلام يُطيل الأزمة، والمساءلة تُقصّرها ، وثقافة الاستهلاك الواعي ليست حرمانًا، بل وعيًا.
أن نشتري ما نحتاجه ، أن نُخطّط قبل الذهاب للسوق ، أن نرفض اللهاث وراء العروض الوهمية.هذه السلوكيات، حين تنتشر، تُخفّف الضغط وتُربك المضاربة. الغلاء في رمضان ليس مسألة اقتصادية فقط، بل مسألة كرامة. حين يُضطر إنسان إلى الاختيار بين أساسيات، وحين يشعر بالعجز في شهر يُفترض أن يكون شهر طمأنينة.فإن الأثر يتجاوز الجيب إلى النفس.
رمضان يُذكّرنا بأن البركة لا تُصنع بالإسراف، ولا بالاحتكار، ولا باستغلال الحاجة.والبركة تُصنع بالعدل، وبالقناعة، وبالتكافل الحقيقي.
يدفع ثمن الغلاء من لا صوت له في السوق ، ومن لا قدرة له على التخزين، ومن لا يملك بدائل.إذا أردنا رمضان أقل غلاء،نحتاج قرارات شجاعة، ومراقبة فعّالة،وسلوكًا استهلاكيًا واعيًا. ونحتاج قبل ذلك ضميرًا حيًا في السوق.
رمضان ليس شهر تعظيم الأرباح، بل شهر تعظيم القيم . وحين تتقدّم القيم، يتراجع الغلاء، أو على الأقل… يتراجع ظلمه .


