الاسرة و الطفلميساج

الحلقة التاسعة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : موائد الإفطار بين التبذير والجوع الخفي

تنشر السلسلة يوميا بجريدة العلم الورقية

 

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

 

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة التاسعة
موائد الإفطار بين التبذير والجوع الخفي

حين تُرفَع موائد الإفطار مع أذان المغرب، تنكشف مفارقة قاسية: موائد عامرة تُفيض بما لذّ وطاب، تقابلها بطون خالية لا تصلها إلا رائحة الطعام. ليست المشكلة في وفرة الطعام بحدّ ذاتها، بل في اختلال التوازن بين التبذير والجوع الخفي، وفي تحوّل المائدة من مساحة مشاركة إلى ساحة استعراض.
رمضان جاء ليُهذّب علاقة الإنسان بالأكل، لا ليُفرط فيها. الصيام يُعلّم الاقتصاد، والاعتدال، والشعور بالآخر. لكن ثقافة الاستهلاك قلبت الدرس: صار الإفطار سباقًا، وصارت المائدة مقياسًا للمكانة، وتحوّل الامتلاء إلى غاية. هنا تبدأ المشكلة الأخلاقية قبل أن تكون غذائية.
التبذير لا يكون دائمًا عن قصد. كثيرًا ما يكون نتيجة عادات موروثة،أو خوف من (ألا يكفي)، أو رغبة في إرضاء الجميع.
لكن النتيجة واحدة: فائض يُرمى، وموارد تُهدر، ورسالة قاسية تصل إلى من لا يملك.
في الجهة الأخرى، يوجد جوع خفي.جوع لا يطلب، ولا يظهر في الصور ، أسر تُقلّص وجباتها بهدوء، أمهات يقتسمن الطعام ليكفي الأطفال، عمّال يؤجّلون الإفطار أو يختصرونه. هذا الجوع لا يُعلن عن نفسه، لكنه حاضر في التفاصيل.
موائد الإفطار صارت أحيانًا مسرحًا للمقارنة .. كم صنفًا؟..ما النوع؟.. كيفية التقديم؟. ومع هذه المقارنة، يتسلّل ضغط اجتماعي صامت، يدفع بعض الأسر إلى ما لا تطيق، فقط لتفادي الإحراج. وهكذا، يتحوّل الشهر من طمأنينة إلى عبء نفسي.
رمضان يُفترض أن يُقوّي حسّ المشاركة. أن نُفكّر في من لا يجلس معنا على المائدة.أن نُخفّف الكلفة لنُوسّع الدائرة. لكن حين يُهيمن منطق “المائدة الخاصة”، تضيق الدائرة، ويغيب المعنى. التبذير ليس في الطعام وحده، بل في النية. حين نُعدّ أكثر مما نحتاج، ونعلم أننا سنرمي، فإننا نُفرّغ العطاء من قيمته.
العطاء الحقيقي يبدأ بالتخطيط، لا بالإسراف. و الجوع الخفي أخطر من الجوع المعلن، لأنه غير مرئي، لا تحمله التقارير، ولا تُحرّكه الحملات الموسمية بسهولة.هو جوع كرامة قبل أن يكون جوع معدة.وحين لا نراه، نظن أن المشكلة محدودة، وهي ليست كذلك.
رمضان يضعنا أمام سؤال بسيط وصعب، هل نُحضّر الطعام كما نُحضّر القيم؟، هل نُراعي الاعتدال كما نُراعي الطقوس؟، هل نرى الآخر حاضرًا على مائدتنا، ولو بالنية؟.هذه الأسئلة تُعيد للمائدة معناها الإنساني.
في كثير من البيوت، يتكرّر مشهد الطعام المُهدَر. أصناف تُحضّر ولا تُلمَس، أوانٍ تُملأ ثم تُفرَّغ في القمامة. ومع كل فطور أو سحور، يضيع جهد، ومال، وموارد.
الضرر هنا لا يقتصر على البيت، بل يمتد إلى الاقتصاد والبيئة ، لأن ثقافة (الإفطار الفاخر) تُنتج إحباطًا اجتماعيًا.من لا يستطيع مجاراة الصورة، يشعر بالنقص، ومن يجاريها، يشعر بالضغط. وفي الحالتين، نخسر البساطة التي جاء بها الشهر.
رمضان ليس دعوة للتقشّف القاسي، ولا لتحريم اللذة، بل دعوة للاعتدال الواعي. أن نأكل بقدر الحاجة، وأن نُشارك بقدر الاستطاعة، وأن نُفكّر في الأثر قبل الفعل.
موائد الإفطار يمكن أن تكون جسرًا للتكافل. مائدة تُخطَّط بعناية، وتُوزَّع بذكاء،وتُفتح للجيران، وتصل منها حصص لمن لا يستطيع. هنا يتحوّل الطعام إلى رسالة.
الجوع الخفي يحتاج حلولًا ذكية، لا صورًا فقط. بفرض تنظيم، وتنسيق، ومعرفة دقيقة بالحاجات. وما يضيع على موائد التبذير، يمكن أن يسدّ ثغرات كثيرة لو أُحسن تدبيره.
رمضان يُعلّمنا أن البركة ليست في الكثرة، بل في القصد. ليست في تنوّع الأصناف،بل في حضور المعنى. البركة تظهر حين يكفي القليل، ويُوزَّع العدل. حين نُخفّف التبذير، ُخفّف الضغط عن السوق،نُخفّف الغلاء، ونُخفّف الإحساس بالظلم. هذه سلسلة مترابطة، تبدأ من قرار فردي.
موائد الإفطار ليست امتحان كرم،بل امتحان وعي، وعي بأن المجتمع واحد، وأن الفارق بين مائدة عامرة وبطن جائعة ليس قدرًا، بل نتيجة اختيارات.
رمضان لا يطلب منا أن نُشبع موائدنا، بل أن نُشبع قيمنا، وأن نُدرك أن الجوع الخفي لا يُعالَج بالصور، بل بالتوازن والعدل والتخطيط.
بين التبذير والجوع الخفي يقف ضمير المجتمع. وحين ينتصر الضمير،
تعود المائدة إلى أصلها، حيث مساحة شكر… لا مساحة تفاخر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى