الاسرة و الطفلميساج

الحلقة العاشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : رمضان في الإعلام… رسالة أم تجارة؟

تنشر السلسلة يوميا بجريدة العلم الورقية

 

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة العاشرة
رمضان في الإعلام… رسالة أم تجارة؟

مع حلول رمضان، يتغيّر وجه الإعلام كما لو أنّ زرًّا سريًا قد ضُغط دفعة واحدة. شبكات البرامج تتبدّل، ساعات البثّ تُعاد هندستها، والإعلانات تتكاثر. فجأة، يصبح الشهر الفضيل موسمًا إعلاميًا بامتياز. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما يُقدَّم رسالة تُواكب روح الشهر، أم تجارة تستثمر في قدسيته؟.
الإعلام في رمضان يمتلك قوة استثنائية. نسب المشاهدة ترتفع، والعائلات تجتمع أمام الشاشات، والانتباه الجماعي يكون في ذروته. هذه القوة يمكن أن تُستثمر لبناء الوعي، وتعزيز القيم، وفتح نقاشات هادئة حول قضايا المجتمع. لكنها، في المقابل، قد تُستغل لتحويل الشهر إلى منتج استهلاكي.
لا يمكن إنكار وجود محتوى إيجابي. برامج دينية رصينة، ووثائقيات هادفة، ومسلسلات تُعالج قضايا اجتماعية بعمق. لكن هذا المحتوى غالبًا ما يُحاصَر بضجيج كبير: فكاهة مبتذلة، دراما مُفرطة، وإعلانات تُعيد تعريف الاحتياج. هنا يتداخل النبيل بالسطحي، وتضيع الرسالة في الزحام.
المشكلة ليست في الترفيه بحدّ ذاته، بل في ميزان الأولويات. حين تُقدَّم التفاهة في أوقات الذروة، ويُدفع المحتوى الهادئ إلى الهامش، نكون أمام اختيار تحريري واضح: الربح أولًا. الإعلام هنا لا يعكس المجتمع فقط، بل يُعيد تشكيل ذائقته.
رمضان شهر حسّاس أخلاقيًا. ما يُبثّ فيه يترك أثرًا مضاعفًا، لأن المتلقي يكون في حالة استعداد روحي ونفسي. لذلك تصبح مسؤولية الإعلام مضاعفة: الكلمة، الصورة، والرسالة لا تمرّ مرورًا عابرًا. ومع ذلك، نرى أحيانًا استخفافًا بهذه الخصوصية، وكأن الشهر مجرد فرصة إعلانية.
الإعلانات في رمضان تكشف هذا التناقض بوضوح. رسائل عن الكرم واللمّة العائلية، تُجاورها دعوات إلى استهلاك مفرط. تُستعمل القيم كوسيلة تسويق، لا كغاية. وحين تُختزل القيم في صور جذابة، تفقد عمقها، وتتحوّل إلى أدوات.
الدراما الرمضانية بدورها تعكس هذا الصراع. بعض الأعمال تُقدّم نقدًا اجتماعيًا شجاعًا، وتفتح ملفات مسكوتًا عنها. لكن أعمالًا أخرى تُراكم العنف اللفظي، وتُطبع مع السلوكيات السلبية، وتُقدّمها كأمر عادي أو “واقعي”. الواقعية هنا تُستعمل أحيانًا لتبرير الرداءة.
الإعلام لا يُربّي وحده، لكنه يُسهم بقوة في التربية غير المباشرة. الأطفال والمراهقون يتابعون، ويتأثرون، ويُعيدون إنتاج ما يرونه. حين يُكافَأ الصراخ بالضحك، والسخرية بالشهرة، يتعلّم المتلقي أن هذا هو الطريق إلى الانتباه.
رمضان كان دائمًا فرصة لخطاب مختلف: أهدأ، أعمق، أقرب إلى الإنسان. لكن منطق المنافسة على نسب المشاهدة يدفع أحيانًا إلى تسطيح المحتوى، لأن السهل أسرع انتشارًا. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل وظيفة الإعلام أن يتبع الذوق دائمًا، أم أن يُسهم في ترقيته؟
المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده. المتلقي شريك. حين نُكافئ المحتوى الضعيف بالمشاهدة، ونُهمل الجيد بالصمت، نُرسِل رسالة واضحة. لكن هذا لا يُعفي المؤسسات الإعلامية من دورها القيادي، لأنها تمتلك أدوات التأثير والتوجيه.
في كل سنة يختبر رمضان صدقية الخطاب الإعلامي لكنها تخجله.هل يتغيّر الخطاب فعلًا؟، هل تنخفض حدّة العنف اللفظي؟، هل تُحترم عقول المشاهدين؟. هذه الأسئلة تُجيب عنها البرمجة أكثر مما تُجيب عنها البيانات.
الإعلام في رمضان لا يعني الوعظ المباشر، ولا قتل المتعة. يعني ببساطة الذكاء الأخلاقي: تقديم محتوى جذاب دون ابتذال، نقدي دون تهجّم، ممتع دون إسفاف. هذا التوازن صعب، لكنه ممكن، وقد نجحت فيه تجارب عديدة.
التحدّي الأكبر هو الخلط بين النجاح التجاري والنجاح القيمي. قد ينجح برنامج في الأرقام ويفشل في الأثر. وقد ينجح عمل في التأثير ويبقى متواضع الانتشار. الإعلام المسؤول يبحث عن نقطة التقاء، لا عن هيمنة طرف على آخر.
رمضان ليس وقت التجريب على حساب الذوق العام. وليس وقت كسر الحدود الأخلاقية بحجّة المنافسة. هو وقت يُفترض أن تُصان فيه اللغة، وتُحترم الصورة، ويُقدَّم الإنسان كقيمة، لا كوسيلة.حين يتحوّل الإعلام إلى تجارة خالصة، يفقد ثقته، وحين يُغلّب الرسالة دون احتراف، يفقد جمهوره
على الإعلام أن يسعى لتخليق الحياة، ويفهم السوق دون أن يذوب فيه، ويخاطب الجمهور دون أن يُهينه. رمضان يمرّ سريعًا، لكن أثر الإعلام يبقى طويلا. يبقى في الذاكرة، وفي اللغة اليومية، وفي الصور التي تُعاد.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا بثثنا؟.. بل: ماذا تركنا؟.. إذا تركنا وعيًا أهدأ، ونقاشًا أعمق، وذائقة أرقى، فقد أدّى الإعلام دوره..
وإذا تركنا ضجيجًا، وتوتّرًا، واستهلاكًا أعمى، فقد خسر فرصة ثمينة
الإعلام في رمضان ليس معركة بين رسالة وتجارة، بل اختبار قدرة على الجمع بينهما وإنتاج خدمات يكون الربح أوسع وأبقى للإعلام والأمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى