الصحة و التغذيةميساج

الحلقة الخامسة عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : حين يخون الفساد روح الوطن

سلسلة رمضانية تنشر يوميا بجريدة العلم الورقية

 

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة الخامسة عشرة
حبّ الوطن عبادة لا شعار

ليس حبّ الوطن هتافًا يُرفع عند الحاجة، ولا صورة تُنشر في المناسبات، ولا نشيدًا نردّده ثم نمضي. حبّ الوطن، في جوهره، سلوك يومي صامت، واختيار أخلاقي متواصل، ومسؤولية لا تبحث عن تصفيق. هو عبادة حين يُفهم بمعناه العميق، ويصير شعارًا حين يُفرَّغ من فعله.
الوطن ليس فكرة معلّقة في الهواء، بل تفاصيل صغيرة تتراكم. شارع نحافظ عليه، وظيفة نؤدّيها بإتقان، قانون نحترمه حتى حين لا يراقبنا أحد، إنسان نختلف معه دون أن نلغيه. هناك يبدأ الانتماء، لا عند الميكروفونات.
في زمن الضجيج، صار الانتماء عرضة للمزايدات. من يرفع صوته أكثر يُتَّهم غيره بالفتور، ومن يلوّح بالشعارات يُصنِّف الناس بسرعة. لكن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بحدّة الخطاب، بل بثبات الموقف. لا تحتاج صراخًا، بل تحتاج ضميرًا حيًا.
رمضان، بصفته شهر مراجعة، يضعنا أمام أسئلة صعبة: كيف نحبّ الوطن؟،هل نحبّه حين نربح فقط؟،هل نلتزم به حين يخدمنا، ونتبرّم منه حين يطالبنا بواجب؟.
حبّ الوطن ليس علاقة نفعية. هو عقد أخلاقي غير مكتوب: نعطي قبل أن نأخذ، ونُصلح قبل أن نشتكي، وننقد لنُقوِّم لا لنُحطِّم. الوطنية ليست صكّ براءة، ولا بطاقة تُشهَر لإسكات الآخرين، بل أمانة.
أخطر ما يصيب فكرة الوطن، أن تُختزل في الرموز وحدها. الرموز مهمة، نعم، لكنها بلا معنى إن لم تحمِها الممارسة. علمٌ يُرفَع مع فوضى، ونشيدٌ يُردَّد مع غشّ، وخطابٌ يُلقى مع ظلم… كل ذلك تناقض. فالانتماء الحقيقي يُختبر في النزاهة، لا في الزينة.
حبّ الوطن يظهر حين نختلف دون تخوين، وننتقد دون تشهير، ونُطالب بالإصلاح دون هدم. يظهر حين نرفض الفساد لأنه يسرق من الجميع، لا لأنه يضرّ بنا وحدنا. يظهر حين نقف مع الضعيف لأنه جزء من الوطن، لا لأن الكاميرا هناك.
في رمضان، تتّضح معاني التضامن. لكن التضامن الوطني لا يقتصر على السلال (القفف )الغذائية، بل يمتد إلى العدالة في التفكير، والإنصاف في الحكم، والمسؤولية في الكلام. من يحبّ وطنه لا يُشيطن أبناءه، ولا يختصرهم في صور نمطية، ولا يُشعل بينهم نار الفتنة.
الوطن ليس جهة واحدة، ولا رأيًا واحدًا، ولا لونًا واحدًا. هو تنوعٌ يتعايش، واختلافٌ يُدار، ومساحة مشتركة نختلف داخلها لا عليها. ومن يحوّل الوطنية إلى أداة إقصاء، يسيء للوطن أكثر مما يخدمه.
رمضان يعلّمنا الصبر، والصبر في الشأن العام يعني المثابرة على الإصلاح. لا اليأس السريع، ولا الغضب الأعمى، ولا الانسحاب الكسول. حبّ الوطن صبرٌ طويل على البناء، وجرأةٌ هادئة في قول الحق، واستعدادٌ لتحمّل كلفة النزاهة.
ثمّة فرق كبير بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن الخطأ. الأول شرف، والثاني تواطؤ. من يحبّ وطنه يُميّز بين الدولة والمجتمع، بين المؤسسات والأشخاص، بين الثابت والقابل للنقد. الوطنية الناضجة لا تخلط الأوراق، ولا تُصادر الأسئلة.
حبّ الوطن يظهر أيضًا في العمل الصغير.. في موظف يحترم وقت الناس، في تاجر لا يغشّ، في إعلامي يتحرّى الصدق ، في مواطن لا يرمي الأذى في الطريق،هذه أفعال بلا أضواء، لكنها تُقيم الوطن.
رمضان ليس موسم عواطف وطنية، بل موسم تقويم الضمير الجمعي. هل نُحبّ هذا البلد كما نُحبّ أنفسنا؟ هل نقبل له ما لا نقبله بيوتنا؟ هل نغضب لظلمه كما نغضب لمصالحنا؟.
الوطن لا يحتاج إلى عشّاق موسميين، بل إلى أوفياء يوميين. أوفياء في الصمت كما في الكلام، في الشدة كما في الرخاء، في الربح كما في الخسارة. حبّ الوطن عبادة حين يتحوّل إلى سلوك، وشعار حين يبقى لافتة.
ومن أراد أن يقيس وطنيته، فليسأل نفسه:ماذا أُضيف لهذا المكان؟، كيف أصلحتُ، لا كيف اشتكيتُ فقط؟، كيف حافظتُ على كرامة غيري كما أحافظ على كرامتي؟… هناك، عند هذه الأسئلة، يبدأ حبّ الوطن الحقيقي… بعيدًا عن المزايدات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى