ميساج

استفزاز الصائمين : حين يتحول الاختيار الشخصي إلى اعتداء رمزي على المجتمع

بقلم: بوشعيب حمراوي

تكشفُ مساراتُ المجتمعات عبر التاريخ أن التوازن بين الحرية الشخصية واحترام القيم الجماعية يظل من أدق المعادلات التي تحكم العيش المشترك داخل أي مجتمع. وتُظهر هذه المسارات، بين الفينة والأخرى، سلوكات فردية تحاول اختبار حدود هذا التوازن الدقيق، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط بالهوية الثقافية أو الدينية للمجتمع.

ويزداد هذا التوازن حساسية في المغرب، حيث يتداخل البعد الديني مع الهوية الثقافية والاجتماعية للمغاربة، فيشكل الإسلام أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها منظومة القيم والسلوك العام داخل المجتمع. ويتجلى هذا التداخل بشكل أوضح خلال شهر رمضان، الذي لا يمثل مجرد شعيرة دينية، بل يشكل محطة روحية وثقافية واجتماعية يعيشها المغاربة جماعيًا منذ قرون.

ويتحول رمضان في الوجدان المغربي إلى زمن خاص تتجدد فيه قيم التضامن والسكينة والاحترام المتبادل، ولذلك فإن أي سلوك يتعمد تحويل هذا الشهر الفضيل إلى مجال للاستفزاز أو الجدل لا يُقرأ فقط باعتباره موقفًا شخصيًا، بل باعتباره فعلًا يمس بوجدان مجتمع بأكمله وبقيمه المتجذرة في تاريخه وهويته. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوقف عند بعض السلوكات المستجدة التي تحاول تحويل الاختلاف الشخصي إلى خطاب صدامي داخل الفضاء العام. العام.

بين الحرية الشخصية واحترام مقدسات المجتمع

في كل المجتمعات، هناك خطوط دقيقة تفصل بين الحرية الشخصية واحترام النظام العام الثقافي والديني للمجتمع. فليس كل ما يمكن أن يُصنَّف ضمن (الاختيار الفردي) يصبح بالضرورة سلوكًا مقبولًا داخل الفضاء العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بمقدسات أو طقوس جماعية يعيشها المجتمع بكامله. وينطبق هذا الأمر بوضوح على ما يقع في بعض الحالات خلال شهر رمضان بالمغرب، حين يتعمد بعض الأشخاص الإفطار جهارًا نهارًا في الأماكن العامة، داخل بلد يشكل المسلمون فيه الأغلبية الساحقة، وينص دستوره بوضوح على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.

الصيام في الإسلام عبادة بين العبد وربه، وهو ركن من أركان الدين، وجزاؤه عند الله. ولذلك ظل المغاربة عبر تاريخهم الطويل يتعاملون مع هذه العبادة بمنطق الاحترام والوقار، حتى بالنسبة لمن لا يصوم لعذر أو لأي سبب شخصي. فالمغربي الذي لا يصوم، في الغالب، يفضل أن يبقى الأمر في نطاقه الخاص، دون أن يحوله إلى مشهد علني يستفز مشاعر الصائمين أو يمس بحرمة هذا الشهر الفضيل.

المغاربة بطبيعتهم مجتمع متسامح يحترم كل الديانات والمعتقدات، ويؤمن بالمبدأ القرآني الخالد: (لكم دينكم ولي دين)، وهي الآية الأخيرة من سورة الكافرون. وقد عاش في المغرب عبر القرون مسلمون ويهود ومسيحيون في فضاء من التعايش والتسامح. لكن هذا التسامح لم يكن يومًا مرادفًا لقبول الاستفزاز أو السخرية من طقوس الأغلبية الدينية داخل الفضاء العام.

واقعة أثارت الجدل… حين يتحول السلوك الفردي إلى رسالة استفزازية

غير أن ما صدر مؤخرًا عن إحدى المغربيات، يطرح أكثر من سؤال. فلو كان الأمر مجرد اختيار شخصي بعدم الصيام، لما احتاج صاحبه إلى تحويله إلى عرض علني مصوَّر. لكن حين يتحول السلوك إلى رسالة إعلامية مصحوبة بصور وتعليقات، فإن الأمر يتجاوز حدود الحرية الفردية ليصبح محاولة لفرض خطاب صدامي مع المجتمع وقيمه.
ما أقدمت عليه الشابة المغربية منذ أيام، حين تعمدت الإفطار علنًا خلال نهار شهر رمضان داخل أحد المقاهي بالصويرة وبعدها وسط ساحة جامع الفنا بمراكش، مع التقاط صور لها ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي بطريقة توحي بالتحدي والاستفزاز. فالأمر لم يكن مجرد ممارسة شخصية لعدم الصيام، وهو أمر يبقى بين العبد وربه ولا يملك أحد محاسبة الآخر عليه، بل تحول إلى سلوك علني مقصود هدفه إثارة الجدل واستفزاز مشاعر الصائمين داخل مجتمع مسلم يعتبر شهر رمضان من أعظم شعائره الدينية والروحية.

وقد زاد هذا السلوك إثارة للجدل عندما أرفقته المعنية بتعليقات وتصريحات حاولت من خلالها تبرير فعلها وإقحام المؤسسة الملكية في خطابها، وكأنها تريد تسويق رسالة صدامية مع المجتمع وقيمه وثوابته. والحال أن الملك، بصفته رئيس الدولة، يضمن لجميع المواطنين الأمن والاستقرار والعيش المشترك، بصرف النظر عن معتقداتهم أو اختياراتهم الشخصية. وفي الوقت نفسه يحمل الملك لقب ومسؤولية أمير المؤمنين، وهو اللقب الذي يرمز إلى رعايته للدين الإسلامي وحمايته لثوابت الأمة الدينية التي تحاول تلك الشابة التنقيص منها.

فاستحضار شخص الملك في مثل هذه السياقات لا يخدم أي نقاش جاد، بل يعكس فقط محاولة لإثارة ضجيج إعلامي أو خلق جدل مجاني. فالمؤسسة الملكية ليست طرفًا في صراعات فردية تبحث عن الأضواء، بل هي مؤسسة ضامنة للاستقرار والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع.

المجتمع بين الحكمة والنصيحة… والأمل في المراجعة

إن ما يغيب عن بعض من يسلكون هذا الطريق المنحرف، هو أن المجتمع المغربي، رغم حساسيته تجاه الاستفزاز الديني، لا يميل إلى العنف بكل أنواعه الجسدي واللفظي والنفسي .. ولا إلى الرد بالمثل. فالمغاربة في الغالب يواجهون مثل هذه السلوكيات بالنصيحة أو بالتجاهل، لأنهم يدركون أن الضجيج الإعلامي هو في كثير من الأحيان الهدف الحقيقي وراء هذه الاستفزازات. ويعتبرون أصحابها مرضى في حاجة إلى العلاج.

وفي نظر كثير من المغاربة، فإن مثل هذه السلوكيات لا تُقرأ باعتبارها مجرد اختلاف في الاختيار الشخصي، بل كنوع من القطيعة الفكرية أو الروحية مع قيم المجتمع وثوابته الدينية. ولذلك ينظر كثير من المسلمين إلى أصحاب هذه التصرفات بعين الشفقة أكثر من الغضب، باعتبارهم أشخاصًا فقدوا في لحظة ما صلتهم بالتوازن الروحي الذي تربى عليه المجتمع المغربي.

ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن واجب المجتمع ليس الانجرار إلى الردود العدائية أو الإقصاء، بل المساهمة في إعادة التوازن الفكري والروحي لهؤلاء، بالنصيحة والحكمة والحوار. فكثير من التجارب الإنسانية تثبت أن لحظات التمرد أو الصدام مع الهوية قد تعقبها لحظات مراجعة عميقة، وأن باب التوبة والإيمان يظل مفتوحًا أمام الجميع.
ولهذا فإن الرسالة الأهم التي يجب أن تبقى حاضرة هي أن احترام حرية الفرد لا يعني الاعتداء على شعور المجتمع، وأن الاختلاف لا يبرر الاستفزاز. فشهر رمضان بالنسبة للمغاربة ليس مجرد طقس ديني عابر، بل هو زمن روحي وثقافي واجتماعي تتجدد فيه سنويا قيم التضامن والسكينة والاحترام.

ومن يختار أن يعيش خارج هذه الطقوس فذلك شأنه الشخصي، لكن تحويل هذا الاختيار إلى حملة استفزاز علنية لن يغير من قناعة مجتمع بأكمله يرى في رمضان شهرًا للسمو الروحي، لا ساحة للاستعراض أو الصدام. وسيظل المغرب بلد الاعتدال الديني والتسامح، بلدًا يحترم حرية الأفراد، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن تتحول هذه الحرية إلى أداة للسخرية من قيم المجتمع أو المساس بثوابته الدينية.. ولعل الرد الأسمى الذي يردد الصائم ردا على سلوك الناقم هي عبارة : اللهم إني صائم.

ويبقى الأمل دائمًا قائمًا في أن تعود مثل هذه الحالات يومًا ما إلى حالة الانسجام مع محيطها الروحي، وأن نجدها ذات يوم أمام أبواب المساجد تستعيد صفاءها الداخلي. وطبعا سنكون في انتظارها لنزفها إلى داخل المساجد لترديد الشهادتين، وبداية المسا الصحيح. مصداقًا للمثل القائل: إن غدًا لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى