البروفيسور أحمد التاغي… حين تتحوّل الجراحة إلى رسالة

يؤكد تسارعُ وتيرةِ الطب في عصرنا، حيث تغدو التكنولوجيا عنوانًا بارزًا لكل تطور، أن العامل الإنساني يظل الفارق الحقيقي بين طبيبٍ وآخر. وفي هذا السياق، يبرز البروفيسور أحمد التاغي، ابن مدينة بنسليمان، كواحدٍ من أبرز الوجوه في عالم الطب بالمغرب، ممن استطاعوا أن يمنحوا للجراحة بُعدًا يتجاوز حدود التقنية ليقترب من معنى الرسالة. فهو ليس مجرد جرّاح متخصص في جراحة الأحشاء والجهاز الهضمي، بل نموذج لطبيبٍ صاغ مساره بمزيج متوازن من الصرامة العلمية والالتزام الأخلاقي.

مسار لا يُختزل في غرفة العمليات
داخل أسوار المستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط، تشكّلت ملامح هذا الاسم. هناك، لم يكن التاغي مجرد طبيب يُجري العمليات، بل أستاذاً يُعيد تشكيل أجيال كاملة من الأطباء. وعلى مدرجات كلية الطب والصيدلة بالرباط، التابعة لـ جامعة محمد الخامس، تحوّل من ممارس إلى ناقل للمعرفة، ومن جرّاح إلى مرجعية علمية.
تخصصه في الجراحة الدقيقة، خاصة المرتبطة بالأورام والجهاز الهضمي، لم يكن مجرد اختيار مهني، بل مساراً تطلّب سنوات من الصبر والانضباط. ومع بروز الجراحة بالمنظار (Coelioscopie)، كان من الأسماء التي واكبت هذا التحول، مساهماً في إدخال ممارسات أقل ألماً وأكثر فعالية للمرضى.
مشرطٌ بوعيٍ إنساني

ما يميّز التاغي، حسب كثيرين من مرضاه وزملائه، ليس فقط مهارته الجراحية، بل طريقته في التعامل مع الإنسان قبل الحالة. فهو من الأطباء الذين يمنحون الوقت الكافي للاستماع، ويحرصون على تبسيط المعلومة الطبية، في زمنٍ صار فيه التواصل أحياناً ضحية لضغط العمل.
في عالم الجراحة، حيث القرار قد يُتخذ في لحظة، يختار التاغي أن يمنح تلك اللحظة عمقها الإنساني. فالمشرط عنده ليس أداة تقنية فقط، بل امتداد لمسؤولية أخلاقية.
من القطاع العام إلى الخاص… دون قطيعة مع الرسالة
بعد مسار طويل داخل المركز الاستشفائي الجامعي بالرباط، انتقل البروفيسور أحمد التاغي إلى العمل في القطاع الخاص، حيث افتتح عيادته بحي الرياض. غير أن هذا الانتقال لم يكن انسحاباً من دوره الأكاديمي والإنساني، بل امتداداً له في سياق مختلف.
فخبرته التي راكمها في القطاع العام، خاصة في تأطير الأطباء المقيمين والإشراف على العمليات المعقدة، ظلت حاضرة في ممارسته اليومية. عيادته اليوم ليست فقط فضاءً للعلاج، بل استمرار لنهجٍ قائم على الدقة والتحديث المستمر، ومواكبة آخر ما توصلت إليه المؤتمرات العلمية الدولية.
صورة الطبيب الممكن
في النهاية، لا يمكن اختزال تجربة البروفيسور أحمد التاغي في عدد العمليات أو سنوات الخدمة. ما يميّزه هو قدرته على الجمع بين أدوار متعددة: الأستاذ، الجرّاح، والإنسان.
إنه يمثل، في نظر كثيرين، صورة الطبيب المغربي الممكن: كفاءة علمية عالية، وانخراط حقيقي في نقل المعرفة، وتواضع في الممارسة. وهي معادلة نادرة في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتضيق فيه المسافات بين التقنية والإنسان.
وبين أروقة المستشفيات العمومية والخاصة وهدوء العيادات. يظل اسم التاغي شاهداً على أن الطب، في جوهره، ليس مجرد مهنة… بل التزام طويل الأمد تجاه الحياة…
أبو قراط …قسمٌ لا يُتلى بل يُعاش
يُجسّد البروفيسور أحمد التاغي التزامًا حيًا ودائمًا بروح قسم أبقراط، لا باعتباره نصًا يُتلى، بل ميثاقًا يُمارس يوميًا في سلوكه المهني والإنساني. فقد عاش، وما يزال، زاهدًا عن المال، مؤمنًا بأن أسمى ما يربحه الطبيب هو إنقاذ الأرواح وبثّ الأمل في النفوس. يُعرف بحبه لعمل الخير والإحسان، وانخراطه المتواصل في المبادرات الخيرية، حيث لا يتردد في تقديم خدماته لمن هم في حاجة، دون انتظار مقابل. كثيرًا ما يكون أجره كلمة شكر، أو ابتسامة امتنان، أو دعاء صادق من مريض، يختزنه وفاءً لوالديه، ويجعله زادًا لحسناته ورصيدًا لآخرته، ومصدرًا ينعش به صحة وسعادة أسرته الكريمة.
ولم يتوقف هذا العطاء عند حدود التقاعد من الوظيفة العمومية، بل ظلّ حاضرًا بروحه ونبله، يمدّ يد المساعدة لكل من استشاره أو قصده طالبًا النصح أو الدعم، دون تردد أو حسابات. فما يزال يمارس عمله في القطاع الخاص بكفاءة الطبيب البارع وخبرة الأستاذ المتمرس، محافظًا على نفس الحماسة ونفس القيم التي شكّلت مساره منذ بداياته. وفي زمنٍ باتت فيه بعض الممارسات المهنية تميل إلى المادية وتفقد شيئًا من بعدها الإنساني، يظل التاغي استثناءً مضيئًا، يجسد صورة الطبيب الذي لم تُغيّره السنوات، ولم تُبدّل رسالته تقلبات الواقع، فبقي وفيًّا للمهنة… كما كان دائمًا: علماً، وخلقًا، وعطاءً.


