الصحة و التغذية

الحلقة السادسة عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الشباب وحلم الإصلاح المؤجَّل

سلسلة رمضانية تنشر يوميا بجريدة العلم

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

 

  1. الحلقة السابعة عشرة
    الشباب وحلم الإصلاح المؤجَّل

ليس الشباب مشكلة تبحث عن حلّ، بل طاقة تبحث عن أفق.وحين يُؤجَّل الإصلاح، لا يتوقّف الزمن، بل يتراكم الإحباط. وحين يتراكم الإحباط، لا يصرخ الشباب دائمًا… وأحيانًا ينسحبون.. لكن إلى متى ؟.
في كل مجتمع، الشباب مرآة المستقبل. وحين تعكس هذه المرآة قلقًا، وتردّدًا، وتعبًا مبكرًا، فالمشكلة ليست في الصورة، بل في الإطار. شباب اليوم لا يفتقر إلى الذكاء، ولا إلى الطموح، بل إلى مسارات واضحة، وإشارات صادقة تقول ل للشاب: هذا البلد يتّسع لك.
رمضان، شهر المراجعة، يضعنا أمام سؤالين مؤلمين : ماذا نقول لشباب يصومون عن الطعام، لكنهم جائعون للفرص؟ ، وكيف نخاطب من يُطالَب بالصبر، بينما يُطالَب غيره بالاستفادة؟.
الشباب لا يطلبون المستحيل. يطلبون عدالة الفرصة، ووضوح القواعد، واحترام الكفاءة. يطلبون أن يكون الجهد طريقًا، لا عبئًا. وأن يكون الأمل مشروعًا، لا تهمة. لكن حين يُؤجَّل الإصلاح مرة بعد مرة، يصبح الحلم مؤجَّلًا… ثم مُرهقًا.
أخطر ما يُصيب الشباب ليس الفشل، بل الإحساس باللاجدوى. حين يشعر الشاب أن صوته لا يُسمَع، وأن اجتهاده لا يُرى، وأن المسارات مسدودة، يبدأ الانسحاب. انسحاب من المشاركة، من السياسة، من العمل العام، وأحيانًا من الوطن نفسه، ولو بقي جسديًا .
نُكثر من مخاطبة الشباب بخطاب الوعظ: اصبروا، اجتهدوا، لا تيأسوا. لكن الصبر بلا أفق يتحوّل إلى انتظار فارغ. والاجتهاد بلا عدالة يتحوّل إلى استنزاف. والأمل بلا خطة يتحوّل إلى وهم. الشباب لا يحتاجون خطبًا، بل سياسات تُترجِم الكلام إلى واقع.
الإصلاح المؤجَّل يخلق مفارقة قاسية: شباب أكثر وعيًا من أي وقت مضى، لكن بفرص أقل وضوحًا. يعرفون العالم، يقارنون، يتعلّمون، ثم يصطدمون بجدار الواقع. هنا لا يولد التمرّد دائمًا، بل يولد الشكّ: هل هذا البلد يثق فيّ كما أريد أن أثق فيه؟
رمضان يُذكّرنا بأن الصبر قيمة، لكنه أيضًا فعل. صبرٌ يعمل، لا صبرٌ ينتظر فقط. إذا أردنا أن نحافظ على طاقة الشباب، علينا أن نُشركهم في الإصلاح، لا أن نُحدّثهم عنه من بعيد. أن نفتح مساحات القرار، لا فقط منصّات الكلام. فالشباب حين يُشركون، يُبدعون، وحين يُحاصَرون، يبتكرون طرق الهروب، وحين يُهمَّشون، يبحثون عن معنى خارج الجماعة. والرهان الحقيقي ليس في احتواء الشباب، بل في الثقة بهم. الثقة التي تُعطيهم حق الخطأ والتعلّم، لا فقط حق التنفيذ. الثقة التي ترى في اختلافهم فرصة، لا تهديدًا. وفي أسئلتهم طاقة، لا وقاحة.
رمضان ليس موسم تحميل الشباب مسؤولية الواقع، بل موسم تقاسمها. أن نعترف بأن تأجيل الإصلاح يضرّ بالجميع، وأن الاستثمار في الشباب ليس منّة، بل ضرورة وطنية. الوطن الذي لا يجدّد نفسه بشبابه، يشيخ قبل أوانه. والأمل لا يُفرض، بل يُبنى، والإصلاح لا يُؤجَّل إلى أجل غير مسمّى.والشباب لا ينتظرون كثيرًا… لكنهم ينتظرون بصدق.
إذا أردنا أن يبقى الحلم حيًا، فلنمنحه زمنًا، ومسارًا، وكرامة.هناك فقط، يتحوّل الصيام إلى قوة داخلية، ويتحوّل رمضان إلى محطة استنهاض، لا موسم وعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى