ميساجبديل رياضي

كرة القدم الإفريقية: المغرب في مواجهة محور الشر

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم يعد ما يجري في الساحة الكروية الإفريقية مجرد تنافس رياضي عادي، بل تحول في كثير من اللحظات إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق، حيث تختلط القوانين بالمواقف، وتتشابك القرارات الرياضية مع الحسابات السياسية. فقرار لجنة التحكيم التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بخصوص ملف كأس إفريقيا 2025، الذي كان يفترض أن يُناقش داخل الإطار القانوني والمؤسساتي، أُخرج عن سياقه الطبيعي، ليتحول إلى مادة للتجاذب الإعلامي والسياسي، تغذيه أنظمة محور الشر بقيادة العالم الآخر. في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول مستقبل الحوكمة الرياضية في القارة. ويبعث على السخرية الممزوجة بالألم، تتجلى مفارقات الواقع لتكشف عن تناقضات صارخة بين الخطابات الرسمية، وبين ما يجري في الكواليس. خطابات يسعى أصحابها إلى محاولة تنظيف كل الوسخ والوحل الغارقين فيه منذ عقود. وإبراز وجوه مصطنعة تدعي النزاهة والشفافية.

الأصل في مثل هذه النزاعات أن تُحسم عبر المساطر القانونية المعروفة، وعلى رأسها اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي الدولية بمدينة لوزان السويسرية، باعتبارها أعلى هيئة تحكيمية رياضية. غير أن ما حدث هو العكس تمامًا، حيث اختارت بعض الأطراف القفز على هذه الآليات، والتوجه نحو إصدار بلاغات متشنجة، وتصريحات تنديدية، واتهامات جاهزة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأدلة أو القرائن. وهو ما يعكس انزلاقًا خطيرًا من منطق القانون إلى منطق الضغط، ومن الاحتكام إلى المؤسسات إلى مخاطبة الجماهير عبر لغة الانفعال.

وإذا كان من الطبيعي أن تنفعل الجماهير أو أن تتباين آراء المحللين، فإن غير المقبول هو أن تدخل حكومات ومسؤولون رسميون على خط نزاع رياضي صرف، محولين إياه إلى قضية سياسية. فقد سارعت بعض الدول، المعروفة بعدائها للمغرب، وعلى رأسها الجزائر، إلى تبني خطاب التشكيك والتنديد، في محاولة واضحة لتأطير الحدث داخل سياق سياسي إقليمي. لكن المفارقة الأشد وقعًا كانت في انخراط رئيس حكومة السنغال نفسه في هذا المسار، من خلال بلاغ رسمي يهاجم الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، بدل ترك المجال للمؤسسات المختصة للفصل في النزاع.

بلاغ سياسي بلباس رياضي… حين يفضح الخطابُ ما يُخفيه

لم يكن البيان الصادر عن رئيس الوزراء السنغالي مجرد تعبير عن موقف حكومي إزاء قرار رياضي، بل كان نصًا سياسيًا مكثفًا، يحمل في طياته شحنات من الانفعال أكثر مما يتضمنه من حجج قانونية. ورغم قوة اللغة المستعملة، فإن قراءة متأنية لمضمونه تكشف عن عدد من مواطن الضعف والقصور، بل والتناقض، التي تجعل منه أقرب إلى خطاب تعبوي موجه للرأي العام الداخلي، منه إلى وثيقة مؤسسة على أسس قانونية صلبة.

أول ما يثير الانتباه هو اعتماد البيان على أوصاف عامة وقوية مثل “قرار خطير للغاية”، و”غير قانوني بشكل فادح”، و”يتعارض مع أخلاقيات الرياضة”، دون أن يقدم أي تفسير قانوني دقيق أو إحالة واضحة على مواد أو فصول من لوائح الكاف تم خرقها. فالاتهام بالخطأ في تفسير القوانين يقتضي تقديم تفسير بديل مؤسس، وليس الاكتفاء بإطلاق أحكام عامة. وهذا الغياب للمرجعية القانونية الدقيقة يضعف مصداقية الطرح، ويجعله أقرب إلى موقف سياسي منه إلى مرافعة قانونية.

ثانيًا، يطرح البيان تناقضًا واضحًا حين يتهم الكاف بضرب مصداقية المؤسسات الرياضية، وفي الوقت نفسه يدعو إلى اللجوء إلى “الهيئات القضائية الدولية المختصة”. فإذا كانت هذه المؤسسات فاقدة للمصداقية كما يدعي البيان، فكيف يمكن الاحتكام إلى منظومة تنتمي إليها؟ أم أن الطعن في المصداقية يقتصر فقط على القرارات غير المرغوب فيها؟
كما أن الحديث عن (نتيجة تحققت في نهاية مباراة لعبت بانتظام) يتجاهل جوهر النزاعات الرياضية، التي غالبًا ما تُبنى على معطيات قانونية تتجاوز ما يظهر داخل رقعة الملعب، سواء تعلق الأمر بأهلية لاعبين، أو خروقات تنظيمية، أو أخطاء إجرائية. وبالتالي فإن اختزال الملف في (مباراة انتهت) هو تبسيط مخلّ، لا يعكس تعقيد القوانين المؤطرة للعبة.

ومن أوجه القصور أيضًا، القفز السريع نحو المطالبة بـ”تحقيق دولي في شبهات الفساد”، دون تقديم أي معطيات أو أدلة ملموسة تدعم هذا الادعاء. فمحاربة الفساد لا تقوم على الشكوك المجردة أو الاتهامات العامة، بل على ملفات موثقة، ومساطر قانونية واضحة. وإلا فإن مثل هذه الدعوات تتحول إلى أداة للضغط والتشويش، بدل أن تكون مدخلًا للإصلاح الحقيقي.
الأكثر إثارة للانتباه هو إدراج قضية (المواطنين السنغاليين المحتجزين في المغرب) ضمن نفس البيان، وهو ما يكشف بوضوح محاولة خلط الأوراق وتوسيع دائرة النقاش من ملف رياضي محدد إلى قضايا سياسية وقنصلية. هذا الربط يطرح تساؤلات حول أهداف البيان: هل هو دفاع عن ملف كروي، أم محاولة لتعبئة الرأي العام عبر استدعاء ملفات حساسة؟

كما أن نبرة البيان، التي تتحدث عن (الاستيلاء على لقب مشروع) و(استعادة شرف الرياضة الإفريقية)، تحمل شحنة اتهامية خطيرة، تمس بشكل غير مباشر بمصداقية الهيئات الرياضية القارية، دون سند قانوني واضح. وهو خطاب قد يحقق تعبئة داخلية مؤقتة، لكنه في المقابل يساهم في تعميق أزمة الثقة في المؤسسات.
وفي المقابل، يغيب عن البيان أي إقرار صريح بالمسار القانوني السليم، رغم الإشارة المتأخرة إلى إمكانية اللجوء إلى الهيئات القضائية الدولية. فالأصل أن يكون هذا الخيار هو المدخل الأول، لا الورقة الأخيرة بعد التصعيد الإعلامي والسياسي.

إن قراءة هذا البيان في سياقه العام تكشف أنه ليس موجهاً فقط إلى الكاف أو إلى الرأي العام الإفريقي، بل بالأساس إلى الداخل السنغالي، في محاولة لاحتواء حالة غضب جماهيري عبر تبني خطاب صارم وحاد. وهو ما يعكس لجوء بعض الحكومات إلى توظيف الرياضة كوسيلة لامتصاص التوترات الداخلية، بدل ترك الملفات الرياضية تأخذ مسارها الطبيعي داخل المؤسسات المختصة.
في النهاية، لا يمكن إنكار حق أي دولة أو منتخب في الدفاع عن موقفه، لكن هذا الدفاع يكتسب قوته من حججه القانونية، لا من حدة لغته. وبين خطاب الانفعال ومنطق القانون، تبقى الحقيقة واحدة. فالعدالة الرياضية لا تُصنع بالبلاغات، بل تُحسم داخل المؤسسات. واستمرار تداخل السياسي بالرياضي يسيء للقارة السمراء.

إن هذا التداخل بين السياسي والرياضي لا يسيء فقط إلى صورة الهيئات الكروية، بل يطرح إشكالًا عميقًا يتعلق باستقلالية القرار الرياضي. فحين تتحول الحكومات إلى أطراف مباشرة في النزاعات الكروية، فإن ذلك يفتح الباب أمام تسييس الرياضة، ويقوض الثقة في نتائجها وقراراتها. والأخطر من ذلك أنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن القوانين يمكن تجاوزها متى اقتضت المصلحة السياسية ذلك.
وفي خضم هذا الجدل، برزت موجة من المطالب بفتح تحقيق داخل (الكاف)، مرفوقة باتهامات بالفساد والتلاعب في المباريات والقرعة. وهي مطالب قد تبدو في ظاهرها مشروعة، لكن سياقها يفضح الكثير من التناقضات. إذ إن عددًا من الأصوات التي ارتفعت اليوم بشعار (محاربة الفساد)، هي نفسها التي ظلت لسنوات تستفيد من اختلالات المنظومة، بل وحصدت ألقابًا في زمن كانت فيه الشبهات تحوم حول نزاهة بعض القرارات، دون أن نسمع لها حينها أي احتجاج أو مطالبة بالإصلاح.

وهنا تبرز مفارقة صارخة: كيف يتحول الصمت الطويل إلى صراخ فجائي؟ وكيف يصبح من كان جزءًا من المشكلة، مدعيًا لقيادة الحل؟ إنها انتفاضة متأخرة، لا تعكس بالضرورة رغبة صادقة في الإصلاح، بقدر ما تعبر عن رد فعل ظرفي مرتبط بخسارة أو قرار غير مرغوب فيه.
وفي المقابل، يحاول البعض تصوير المغرب وكأنه قد يتخوف من فتح ملفات التحقيق أو مناقشة اختلالات “الكاف”، في حين أن الواقع يؤكد عكس ذلك تمامًا. فالمغرب كان ولا يزال من بين الدول القليلة التي رفعت منذ سنوات شعار إصلاح المنظومة الكروية الإفريقية، وسعت عبر الدبلوماسية الرياضية إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة داخل مؤسساتها. وهو موقف ثابت لم يتغير بتغير النتائج أو القرارات.

أما الدعوات الحالية لإلغاء أحكام صادرة عن هيئات تحكيمية، دون تقديم أدلة واضحة، فهي لا تعدو أن تكون محاولة للضغط خارج الإطار القانوني. في حين أن القانون الرياضي يمنح الحق الكامل لأي طرف متضرر، ومن ضمنه المنتخب السنغالي، في اللجوء إلى المحكمة الرياضية الدولية، باعتبارها الجهة المخول لها البت النهائي في مثل هذه النزاعات. وهو المسار الوحيد الذي يضمن العدالة ويحفظ مصداقية المؤسسات.

غير أن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو لجوء بعض الأنظمة إلى توظيف هذا الملف لأغراض داخلية، عبر تحويله إلى وسيلة لامتصاص الغضب الشعبي أو صرف الأنظار عن أزمات قائمة. فبدل البحث عن حلول حقيقية لمشاكل الداخل، يتم تضخيم نزاع رياضي وتقديمه كقضية وطنية، وهو ما بدا واضحًا في انجرار حكومة السنغال إلى خطاب التنديد، في صورة لا تليق بمؤسسات يفترض فيها الرصانة والحكمة.
وفي خضم كل ذلك، يظل السؤال الجوهري مطروحًا بإلحاح: من يربح في هذه المعادلة؟ هل هم الرياضيون الذين يصنعون الإنجاز داخل الملعب، أم السياسيون الذين يستثمرون خارجه؟

الحقيقة أن الرياضيين يربحون فقط حين تُحترم القواعد، وحين يُحتكم إلى القانون، وحين تبقى المنافسة داخل حدودها الطبيعية. أما السياسيون، فيربحون حين تتحول الرياضة إلى أداة تعبئة، ووسيلة للضغط، ومنصة لتصفية الحسابات. لكن هذا الربح السياسي يظل مؤقتًا وهشًا، لأنه يُفقد الرياضة روحها، ويُدخلها في دائرة الشك والتشكيك.
وفي المقابل، فإن ربح الرياضيين هو ربح مستدام، لأنه يقوم على بناء مؤسسات قوية، وترسيخ قيم النزاهة، وتحويل الرياضة إلى جسر للتقارب بين الشعوب بدل أن تكون ساحة للصراع.

إن ما تعيشه الكرة الإفريقية اليوم ليس مجرد أزمة ظرفية، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرتها على التحرر من قبضة التسييس، وعلى ترسيخ استقلالية قرارها. ولن يتحقق ذلك إلا بالعودة إلى منطق القانون، ورفض كل أشكال الضغط والتأثير، وإعادة الاعتبار للمؤسسات باعتبارها الإطار الوحيد لحسم النزاعات.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بملف (كان 2025)، بل بمستقبل كرة القدم الإفريقية برمتها.
فإما أن نختار طريق المؤسسات والقانون ، وإما أن نترك المجال مفتوحًا أمام الفوضى، حيث يعلو الصوت أكثر مما يحضر الدليل. ويبرز الحقد والعداء حيث يجب أن يسود العدل والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى