صيام شهر رمضان… فرصة للإقلاع عن الإدمان

بقلم: الدكتور العربي بنقدور
يشكل صيام شهر رمضان المبارك فرصة ثمينة للتحكم في رغبات التعاطي وفتح باب التعافي من الإدمان. فالصيام، في جوهره، هو الامتناع عن الطعام والشراب والجماع خلال ساعات النهار، غير أن مقاصده لا تقتصر على البعد الروحي فقط، بل تمتد أيضًا إلى تعزيز قدرة الإنسان على التحكم في رغباته الجسدية والعاطفية.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار شهر رمضان محطة مناسبة لاغتنام فرصة الإقلاع عن الإدمان، سواء تعلق الأمر بالتدخين أو المخدرات أو الكحول أو غيرها من العادات السلبية. فالصيام، إلى جانب العبادات التي يحرص المسلمون على أدائها خلال هذا الشهر المبارك، مثل المحافظة على الصلوات في وقتها وقراءة القرآن الكريم، يوفر إطارًا قويًا لتعزيز الانضباط الذاتي وتقوية الإرادة وترسيخ النمو الروحي.
ويؤدي الصيام دورًا مهمًا في التعافي من الإدمان بعدة طرق، من بينها:
تعزيز قوة الإرادة والتحكم في النفس:
يتعلم الصائم خلال نهار رمضان التحكم في رغباته الجسدية الأساسية كالجوع والعطش، وهو ما يعزز قدرته على ضبط رغبات أخرى مرتبطة بالإدمان، مثل تدخين السجائر أو تعاطي المخدرات أو الكحول.
تغيير الروتين اليومي:
يعمل شهر رمضان على كسر الروتين اليومي المعتاد لدى المدمن، مما يخلق فرصة حقيقية لإعادة ترتيب نمط الحياة والتخلص من بعض العادات السلبية.
زيادة الوعي الذاتي:
يمنح الصيام الإنسان فرصة للتأمل في سلوكه ومشاعره. فالشعور بالجوع أو الرغبة في الطعام خلال الصيام قد يشبه إلى حد ما الرغبة التي يشعر بها المدمن تجاه المادة التي اعتاد عليها، ما يساعده على فهم هذه المشاعر والتعامل معها بوعي أكبر.
الدعم الروحي في مسار التعافي:
تعزز العبادات، وخاصة الصلاة في المسجد وقيام الليل وقراءة القرآن، حالة الطمأنينة النفسية وتساعد على التخفيف من التوتر والقلق اللذين قد يرافقان مرحلة الانسحاب من الإدمان.
تقليل السموم في الجسم:
يساهم الامتناع عن التدخين أو تعاطي المواد المخدرة خلال ساعات الصيام في خفض مستوى المواد الضارة في الدم، مثل النيكوتين لدى المدخنين، وهو ما يساعد تدريجيًا على تقليل حدة الإدمان الجسدي. كما أن الصيام يساعد الجسم على التخلص من بعض السموم، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على صحة الجسد والعقل.
الدعم الاجتماعي والبيئي:
يشكل رمضان فضاءً اجتماعيًا داعمًا، من خلال لقاءات الإفطار والسحور وأداء صلاة التراويح جماعة، وهو ما يساعد على كسر العزلة التي يعاني منها بعض المدمنين ويعزز شعورهم بالانتماء إلى محيط إيجابي.
إن شهر رمضان يمكن أن يكون بداية جديدة لمن يرغب في العلاج والتعافي من الإدمان، خاصة إذا اقترن ذلك بالابتعاد عن أماكن وأصدقاء السوء، واستبدال العادات السلبية بأنشطة صحية ومفيدة.
ولأن أركان الإسلام تهدف في جوهرها إلى تهذيب النفس وتقوية الروح، فإن الصيام والصلاة يشكلان وسيلتين فعالتين لاكتساب القدرة على ضبط النفس والتحكم في الرغبات المرتبطة بالإدمان. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
“اتلُ ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون”
(سورة العنكبوت، الآية 45).
خلاصة القول إن الصيام والصلاة يمثلان درعًا روحيًا يحمي الإنسان من الوقوع في كثير من الإغراءات المعاصرة، ويساعدانه على بناء حياة صحية متوازنة يسودها الصفاء النفسي والانضباط الذاتي.



