ميساج

اليوم العالمي للماء .. العالم على حافة عطشٍ غير مرئي

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

يحلّ اليوم العالمي للماء في 22 مارس من كل سنة، كموعد أممي للتذكير بقيمة هذه النعمة الحيوية التي تقوم عليها الحياة، ولإعادة دق ناقوس الخطر بشأن التحديات المتزايدة التي تهدد الموارد المائية عبر العالم. ويأتي هذا الوعي متكاملاً مع تخليد 23 مارس، اليوم العالمي للأرصاد الجوية، الذي يسلّط الضوء على دور المناخ والطقس في تشكيل مستقبل الموارد المائية، وما يرتبط بهما من تحولات مناخية عميقة تؤثر بشكل مباشر على دورة المياه. ولم يعد هذان الموعدان مجرد محطتين رمزيتين، بل يشكلان فرصة للتأمل والتقييم واستحضار حجم الاختلالات التي يعرفها ميزان الماء، في ظل التغيرات المناخية، وتنامي الطلب، وسوء التدبير. وبين وفرة المياه المالحة وندرة المياه العذبة، يقف العالم اليوم أمام مفارقة مقلقة تستدعي الوعي الجماعي والتحرك العاجل، بما يضمن حماية هذا المورد الحيوي وإنصاف البشرية في الحق في الولوج إليه.
اختلال الميزان المائي… أرقام صادمة وتهديدات متصاعدة
ابدأ بالأرقام التي لا تُجامل أحدًا: أكثر من ملياري إنسان لا يحصلون على مياه شرب آمنة، وما يقارب 3.6 مليارات يفتقدون لخدمات صرف صحي لائقة، بينما يتجه ربع سكان العالم نحو ندرة مائية حادة في أفق 2050. وعلى كوكب يغطيه الماء بنسبة تفوق 70%، لا تتجاوز المياه العذبة القابلة للاستعمال 1% فقط، فيما تبقى الكتلة الكبرى—نحو 97%—مياه مالحة في البحار والمحيطات. إنها مفارقة قاسية: وفرة زرقاء تحيط بالبشر، وندرة عذبة تهدد وجودهم.

ولا يقف هذا الاختلال عند حدود الأرقام، بل يتجسد في دورة مائية مضطربة تتعرض لضغوط غير مسبوقة. فذوبان الثلوج والأنهار الجليدية، التي تمثل خزانات استراتيجية للمياه العذبة، يتسارع بفعل الاحترار العالمي، مما يؤدي إلى فيضانات ظرفية في المدى القريب، يعقبها جفاف أشد قسوة في المدى المتوسط والبعيد. ومع تراجع الغطاء الثلجي، تفقد أنهار كبرى انتظامها الموسمي، وتضطرب منظومات الري والطاقة والغذاء عبر قارات بأكملها.

وفي المقابل، تتمدد المياه المالحة على حساب المياه العذبة بطرق متعددة: تسرب الملوحة إلى الفرشات المائية الساحلية نتيجة الاستنزاف المفرط، تدهور التربة الزراعية بسبب التملح، وتقدم مياه البحر في دلتاوات مكتظة بالسكان. ومع كل بئر يُستنزف، وكل نهر يُحوَّل مساره، تقترب الملوحة من مصادر الشرب، ويصبح تأمين الماء الصالح للاستهلاك أكثر كلفة وتعقيدًا.

وتتضاعف التهديدات بفعل التلوث وسوء الحكامة، حيث تؤدي الصناعة غير المنضبطة، والزراعة المكثفة، وتصريف المياه العادمة دون معالجة كافية إلى تحويل الموارد القليلة أصلاً إلى موارد ملوثة. ويُضاف إلى ذلك النمو الديمغرافي المتسارع، والتمدن غير المخطط، وأنماط الاستهلاك غير الرشيدة، لتتشكل معادلة خطيرة: طلب متزايد على مورد يتقلص نوعًا وكمًا، مع تداعيات لا تقف عند البيئة فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والصحي والاجتماعي، بل وحتى إلى بؤر التوتر والنزاعات داخل الدول وبينها.

بين التحلية وإعادة الاستعمال… حلول ضرورية وحدود قائمة

أمام هذا الواقع المقلق، لم يعد العالم مكتوف الأيدي، بل اتجه إلى حلول تكنولوجية واستراتيجية متعددة، في مقدمتها تحلية مياه البحر التي تحولت في العديد من الدول، خاصة الساحلية، إلى خيار استراتيجي لا غنى عنه. وقد أثبتت هذه المشاريع قدرتها على توفير كميات مهمة من المياه الصالحة للشرب، كما هو الحال في تجارب دولية رائدة، بل وأصبحت في المغرب خيارًا واقعيًا ضمن البرامج الوطنية، خصوصًا مع ربطها بالطاقات المتجددة لتقليص كلفتها الطاقية والبيئية. غير أن هذه الحلول، رغم نجاعتها، تظل مكلفة مالياً، وتتطلب استثمارات ضخمة، كما تطرح تحديات بيئية مرتبطة بتصريف المياه المالحة المركزة.
وبالموازاة مع ذلك، برزت إعادة معالجة المياه العادمة كخيار أكثر استدامة، يتيح إعادة استعمال المياه في السقي والصناعة وبعض الاستخدامات الحضرية. وقد بدأت عدة دول، من بينها المغرب، في الانخراط التدريجي في هذا الورش، مع تسجيل تقدم ملحوظ، وإن ظل دون الطموحات المطلوبة. فنجاعة هذا الخيار لا تكمن فقط في توفير المياه، بل في تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية، وتحقيق نوع من الاقتصاد الدائري للماء، غير أن التحدي الحقيقي يظل في توسيع نطاق هذه المشاريع، وتغيير العقليات المجتمعية تجاه استعمال المياه المعالجة.

أما مشاريع الربط المائي بين الأحواض والسدود ونقل المياه لمسافات طويلة، فقد أصبحت بدورها واقعًا ملموسًا، حيث تسعى الدول إلى تحقيق توازن مجالي بين مناطق الوفرة ومناطق الندرة. وقد أثبتت هذه المشاريع فعاليتها في التخفيف من آثار الجفاف الظرفي، كما هو الحال في نقل المياه بين الأحواض داخل المغرب، لكنها تبقى حلولًا مرحلية لا يمكن أن تعوض غياب رؤية شمولية ومستدامة لتدبير الموارد المائية، ولا تغني عن إصلاحات عميقة في الحكامة والتخطيط.

شتاء 2026… بين الأمل المؤقت وضرورة اليقظة العالمية

وفي خضم هذه التحذيرات، جاء شتاء 2026 محملاً بتساقطات مطرية وثلجية مهمة أعادت الأمل إلى النفوس، ورفعت نسب ملء السدود، وأنعشت الفرشات المائية، حتى كاد البعض—في لحظة انبهار—أن يردد مقولة ساخرة مفادها: “كذب العلماء ولو صدقوا”، وكأن السماء قد أسقطت كل التوقعات وأربكت كل المعطيات.
غير أن هذه القراءة، رغم رمزيتها، لا ينبغي أن تُسقط هيبة العلم ولا أن تُبخس جهود الخبراء. فالعلم لا يُبنى على موسم واحد، ولا يتنبأ بيوم ممطر أو سنة استثنائية، بل يقوم على تحليل اتجاهات طويلة المدى ومعطيات تراكمية. وما حدث خلال هذا الشتاء يظل استثناء ظرفيًا لا يلغي حقيقة التغيرات المناخية، ولا ينفي توالي سنوات الجفاف التي أصبحت واقعًا موثقًا بالأرقام.

إن الخطر الحقيقي يكمن في تحويل هذا الانفراج المؤقت إلى مبرر للتراخي، أو اعتباره حلاً دائمًا لأزمة بنيوية عميقة. فالماء لا يُدار بالعاطفة، بل بالتخطيط الاستباقي، ولا تُبنى السياسات على موسم واحد، بل على استراتيجيات ممتدة عبر الزمن. لذلك، يظل الرهان قائماً على اليقظة، وعلى تعزيز الحكامة الرشيدة، وضمان العدالة المائية، باعتبار الماء حقًا إنسانيًا مشتركًا، لا ينبغي أن يُحتكر أو يُهدر، بل يجب أن يُدبَّر بحيطة وحذر، وبروح إنصاف تضمن كرامة كل البشر واستقرار المجتمعات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى