ميساج

عندما يكون الولاء لغير الحقيقة .. نسقط

بقلم : بوشعيب حمراوي

عندما يكون الولاء لغير الحقيقة، تبدأ الانكسارات بصمت، ثم تتحول إلى ضجيج يملأ الواقع زيفاً وخداعاً. الولاء في أصله قيمة نبيلة، يرتبط بالوفاء والانتماء والمبدئية. لكنه يتحول إلى خطر حقيقي حين ينفصل عن الحقيقة، ويُربط بالأشخاص أو المصالح أو الأوهام. حينها، لا يعود الإنسان يدافع عما هو صواب، بل عما اعتاد عليه، أو ما يُملى عليه، أو ما يخدم موقعه ولو على حساب ضميره.

عندما يكون الولاء لغير الحقيقة، يصبح الكذب موقفاً، والتضليل اجتهاداً، والتطبيل فضيلة. تُقلب الموازين، فيُخوَّن الصادق، ويُكافأ المنافق، ويُحاصر العقل لصالح القطيع. وهنا لا نتحدث فقط عن أفراد، بل عن منظومات كاملة تُبنى على هذا الخلل: إعلام يُزيّف، وسياسة تُضلل، ومجتمعات تُقاد نحو الهاوية وهي تظن أنها تسير نحو النجاة.

الولاء الأعمى لا يصنع قوة، بل يُنتج هشاشة مؤجلة. لأنه يقتل النقد، ويمنع التصحيح، ويؤسس لأخطاء تتراكم حتى تنفجر. فالحقيقة لا تحتاج إلى من يعبدها، بل إلى من يحترمها ويبحث عنها، حتى وإن كانت مُرّة.

ولعل أخطر ما في الأمر، أن الإنسان قد يُقنع نفسه بأنه على حق، فقط لأنه محاط بمن يشبهونه في نفس الوهم. وهنا تتحول الجماعة من قوة تصحيح إلى غرفة صدى تعيد إنتاج الخطأ.إن الولاء الحقيقي لا يكون إلا للحقيقة، لأنها وحدها التي تبقى عندما تسقط الأقنعة. أما الولاءات الأخرى، فهي مؤقتة، هشة، وسرعان ما تنهار أمام أول اختبار للواقع. فاختر ولاءك جيداً، لأنك في النهاية، إما أن تكون مع الحقيقة، أو ضدها، ولا منطقة رمادية في هذا الميزان.
عندما يُختطف الولاء .. تضيع الحقيقة ويضيع صاحبها
ليست المشكلة في تعدد المسؤوليات داخل المجتمع، بل في نوعية الولاء الذي يحكمها. فحين يكون الولاء للحقيقة، تستقيم الأدوار وتُبنى الثقة وتُصان الحقوق. لكن حين ينحرف هذا الولاء نحو الأشخاص أو المصالح أو شبكات النفوذ، تتحول المسؤوليات من أدوات للبناء إلى آليات للهدم الصامت.

المسؤول الحكومي، الذي وُضع لخدمة الصالح العام، يُفترض فيه أن يكون مرآة للحياد والنزاهة، وأن يجعل قراراته خاضعة لمنطق العدالة وتكافؤ الفرص. غير أن انزلاقه نحو إرضاء جهات معينة أو خدمة مصالح ضيقة، يحول الإدارة إلى فضاء للتمييز، ويجعل التنمية نفسها رهينة حسابات غير مشروعة، فتضيع ثقة المواطن، وتُختطف الأولويات.
القاضي، حارس العدالة وميزان الحقوق، لا يملك رفاهية الانحياز. فاستقلاله ليس امتيازاً بل شرط وجود العدالة نفسها. وحين يتأثر بسلطة أو مال أو علاقة، لا يظلم طرفاً بعينه فقط، بل يهز ثقة المجتمع في مؤسسة القضاء، ويفتح الباب أمام الفوضى، حيث يصبح الحق قابلاً للتأويل وفق النفوذ لا القانون.

المحامي، باعتباره جزءاً من منظومة العدالة، مطالب بالدفاع في إطار الحقيقة والقانون، لا بتزييف الوقائع أو استغلال الثغرات لخدمة الظلم. وحين يتحول إلى أداة للالتفاف على الحق، فإنه لا يخدم موكله فقط، بل يساهم في إضعاف الإحساس الجماعي بعدالة القانون.
الأستاذ، صانع الأجيال، يحمل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون معرفية. فحين يلتزم بالإنصاف والحياد، يبني جيلاً يؤمن بالاستحقاق. أما حين ينحاز، أو يُدخل منطق المحاباة أو المصالح إلى الفصل الدراسي، فإنه يزرع في نفوس المتعلمين قناعة خطيرة مفادها أن النجاح لا يُكتسب بالجهد بل بالعلاقات، فتنهار منظومة القيم من جذورها.

المنتخب، الذي منحه المواطن صوته، يُفترض فيه أن يكون صدى لانتظارات الناس لا صدى لحساباته الخاصة. لكن حين يُحول التفويض الشعبي إلى وسيلة لخدمة فئة أو دائرة ضيقة، أو يُخضع قراراته لمنطق الولاءات الحزبية أو الزبونية، فإنه يفرغ الديمقراطية من معناها، ويُعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
أما المسؤولون عن القطاعات الحيوية كالتعليم والثقافة والصحة، فإن انحرافهم نحو خدمة لوبيات أو علاقات شخصية يجعل هذه القطاعات تفقد جوهرها. فالتعليم يتحول إلى شهادة بلا مضمون، والثقافة إلى واجهة شكلية، والصحة إلى خدمة غير متكافئة، فتُهدر الموارد وتُجهض فرص الإصلاح.
الصحفي، الذي يُفترض أن يكون صوت الحقيقة، حين يبيع قلمه أو يُسخره لخدمة أجندات معينة، يُضلل الرأي العام ويُحول الإعلام إلى أداة للتوجيه بدل التنوير. والحقوقي، الذي يُفترض أن يدافع عن الإنسان أينما كان، حين ينتقي قضاياه وفق انتماءات أو ضغوط، يفقد مصداقيته ويُسيء للقضية الحقوقية نفسها.

المسؤول الحزبي، الذي يُفترض أن يُؤطر وينتج البدائل، حين يجعل الحزب فضاءً للمصالح أو الولاءات الشخصية، يُقصي الكفاءات ويُضعف الفعل السياسي. والمسؤول النقابي، الذي وُجد للدفاع عن الشغيلة، حين يُفرغ العمل النقابي من محتواه النضالي لصالح حسابات ضيقة، يترك العمال دون سند حقيقي.
في كل هذه الحالات، تتكرر القاعدة نفسها: حين يغيب الولاء للحقيقة، تتحول المسؤولية إلى خطر. خطر لا يظهر فجأة، بل يتسلل ببطء، حتى يُصبح واقعاً يصعب تغييره.
المعركة الحقيقية : تصحيح بوصلة الولاء
إن معركة اليوم ليست فقط ضد الفساد الظاهر، بل ضد ذلك الانحراف الصامت في بوصلة الولاء. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للحقيقة كمرجعية عليا، لا تُساوم ولا تُجزأ. بحاجة إلى مسؤولين يعتبرون مواقعهم تكليفاً لا تشريفاً، ويجعلون من النزاهة خطاً أحمر لا يُمس.

فالوطن لا يُبنى بالولاءات الضيقة، ولا بالمصالح العابرة، بل يُبنى برجال ونساء يختارون الحقيقة حتى عندما تكون مُكلفة. والتاريخ لا يرحم. فهو لا يذكر المناصب، بل يذكر المواقف. فإما أن نكون في صف الحقيقة، أو نُسجل بصمتنا و تواطؤنا في سجل من خذلوها.
إن لم نكن على العهد مع الحقيقة، نسقط .. نخون الإنسانية والحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى