المنتخب الذي يخاصم مواطنيه… لا يحمي الاستقرار بل يزرع الفتنة

المنتخب الحقيقي ليس صنمًا يُعبد، بل هو باب يُفتح حين تُغلق الأبواب، وصوت يحمل هموم المواطنين إلى المؤسسات. لكنه، حين ينسى رسالته، ويتحول من ممثل للناس إلى خصم لهم، تبدأ الأزمة الحقيقية، وتنكسر الثقة التي بُنيت عليها العلاقة بين المواطن ومن انتخبه.

المواطن لا يطرق أبواب مسؤولين آخرين حبًا في إثارة الفوضى، ولا رغبةً في خلق صراعات بين المسؤولين. إنه يفعل ذلك عندما يشعر أن باب المنتخب الذي منحه ثقته قد أُغلق في وجهه، وأن صوته لم يعد مسموعًا، وأن مظلمته لم تجد من ينصفها. وعندما يفقد الأمل في ممثله، يصبح اللجوء إلى مؤسسة أخرى أو مسؤول آخر حقًا مشروعًا، لا تهمة تستوجب العقاب.
ومع ذلك، يخرج من يتهم المواطن بأنه يثير الفتنة، وكأن المطالبة بالحق أصبحت جريمة، وكأن البحث عن الإنصاف تحول إلى فعل يستحق الإدانة. لكن الحقيقة واضحة…
الفتنة لا يصنعها المواطن الذي يطالب بحقه، وإنما يصنعها المنتخب الذي يخاصم مواطنيه، ويحول الاختلاف إلى عداوة، والنقد إلى خصومة، والمطالبة بالحق إلى إساءة شخصية.
حين يعتقد المنتخب أن المنصب يمنحه حق الانتقام، أو أن المؤسسة أصبحت ملكًا له، فإنه يفقد جوهر المسؤولية التي انتُخب من أجلها. فالمنتخب ليس وصيًا على الناس، ولا مالكًا للمؤسسة، ولا صاحب فضل على المواطنين، بل هو ممثل لهم، استمد شرعيته من أصواتهم، وسيبقى خاضعًا لمساءلتهم ونقدهم.
إن المواطن، عندما يتوجه إلى عامل الإقليم، أو إلى مؤسسة دستورية، أو إلى أي جهة مختصة، لا يطعن في المنتخب، ولا يسعى إلى خلق صراع بين المؤسسات، بل يمارس حقًا يكفله الدستور والقانون. والدولة لم تنشئ مؤسساتها حتى يبقى المواطن رهينة باب واحد، أو تحت رحمة مسؤول واحد، وإنما جعلتها متعددة حتى يجد كل صاحب حق طريقًا إلى العدالة.
ومن باب الإنصاف، فإن الواجب يقتضي الإشادة بالجهات المسؤولة عن تتبع الشأن المحلي، وبالسلطات المحلية التي تجعل من الإنصات للمواطن منهجًا في عملها، وتحرص على الاستماع إلى نبض الشارع، واستقبال شكايات المواطنين بكل مسؤولية وفي إطار القانون. فالمؤسسات القوية هي التي تتكامل أدوارها، وحين يجد المواطن بابًا مفتوحًا يصغي إليه، يشعر بأن دولة الحق والقانون ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تعزز الثقة وتكرس الإنصاف.
أما المنتخب الذي يرى في لجوء المواطن إلى جهة أخرى إهانةً له، فهو في الحقيقة يقدم اعترافًا ضمنيًا بأنه أخفق في احتواء مشاكل المواطنين، وأنه اختار أن يكون طرفًا في النزاع بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل.
إن المسؤولية ليست امتحانًا للهيبة، بل امتحانًا للأخلاق. والمنتخب الناجح هو الذي يتسع صدره للنقد، ويملك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ويؤمن بأن خدمة المواطنين واجب لا منة فيه، وأن الاختلاف في الرأي لا يبرر الانتقام ولا الإقصاء.
فالديمقراطية لا تُقاس بعدد المقاعد التي يفوز بها المرشح، وإنما تُقاس بقدرته على احتواء الجميع، واحترام الجميع، وخدمة الجميع، بمن فيهم أولئك الذين يعارضونه أو ينتقدون أداءه.
إن أخطر ما يهدد الاستقرار ليس صوت المواطن، وإنما شعوره بأن الأبواب أُغلقت في وجهه، وأن من انتخبه أصبح أول من يقف ضده. عندها لا تتسع الهوة بين المواطن والمنتخب فقط، بل تمتد لتصيب الثقة في المؤسسات كلها.
فالمنتخب الذي يخاصم مواطنيه لا يدافع عن هيبة المؤسسة، بل يهدمها. ولا يحمي الاستقرار، بل يزرع بذور الاحتقان. أما المواطن الذي يبحث عن العدالة، فلا يصنع الفتنة، وإنما يبحث عن حق كفله له القانون، وكرامة يستحقها في وطن يسع الجميع.
بقلم : ياسمين الحاج



