*شباب المسيرة بين تألق اللاعبين وصراع الإدارات واستنزاف القضاء*
*قراءة في خسارة السد ومستقبل فريق يبحث عن منقذ*
*شباب المسيرة بين تألق اللاعبين وصراع الإدارات واستنزاف القضاء*
*قراءة في خسارة السد ومستقبل فريق يبحث عن منقذ*
الرباط – خاص
في مشهد مؤلم جمع بين الألم الرياضي والإنساني، انتهت مباراة السد التي جمعت شباب المسيرة باتحاد تواركة على أرضية ملعب المدينة بالرباط، بخسارة قاسية بثلاثة أهداف دون رد. لكن حجم الألم تجاوز بكثير نتيجة المباراة، ليمس قيم التنظيم، وحضور المسؤولين، واستقرار النادي، والمستقبل المجهول الذي ينتظر فريقاً يعيش صراعات إدارية وقضائية تستنزفه من الداخل.
*فوضى تنظيمية ودور أمني مشرف وسط الفوضى*
لم تكن معاناة جمهور المسيرة مقتصرة على ما جرى داخل المستطيل الأخضر، بل بدأت منذ محاولات الدخول إلى الملعب. إذ واجه المشجعون، خصوصاً القادمين من مدينة العيون، تعليمات مشددة حالت دون دخول العديد منهم، في وقت لم يعرف فيه الجمهور هوية الجهات المسؤولة عن هذه الإجراءات: هل هي إدارة اتحاد تواركة؟ أم شركة الملعب؟ أم جهات أخرى غير معروفة؟
هذا الغموض التنظيمي، وفقاً لشهادات الحاضرين، أفسد فرحة العشرات من الأنصار الذين قطعوا مسافات طويلة لدعم فريقهم، وعلى رأسهم طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، قدم برفقة والده من العيون بالطائرة، وكانت الدموع تملأ عينيه بعد المباراة، متشبعاً بحب الفريق الذي لم يستطع أن يمنحه فرحة الصعود التي حضر من أجلها.
ولئن كانت الصورة قاتمة من الناحية التنظيمية، إلا أنه لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي لعبه بعض رجال الأمن في تخفيف وطأة هذه الفوضى. فقد كان لمسؤول أمني شاب ينحدر من الجنوب، يشغل منصب المسؤول عن الرياضة بولاية أمن الرباط، رفقة عميدة للأمن بدائرة السويسي، دور بارز في تدارك بعض الثغرات التي تسبب فيها مكلفون آخرون بمهام الحراسة داخل الملعب. سعى هذان المسؤولان إلى تسهيل عملية الدخول والخروج قدر الإمكان، واستمعا لانشغالات الجمهور، وهو ما خفف شيئاً من معاناة الحاضرين، ويستحقان عليه كلمة شكر وتقدير، إذ أظهرا احترافية عالية في وقت غابت فيه الاحترافية عن أطراف أخرى.
*تحكيم مثير للجدل وتغييرات غير موفقة*
على الصعيد الفني، خاض شباب المسيرة المباراة بإيمان وثقة كبيرة، واستطاع مجاراة المنافس حتى الدقيقة 85، قبل أن تنقلب الموازين رأساً على عقب. ويرى متابعون أن التحكيم كان منحازاً بشكل واضح، حيث لم يحتسب ركلة جزاء واضحة للمسيرة، كما لم يلجأ الحكم لتقنية “الفار” رغم أهمية المباراة وحساسية توقيتها.
لكن الأكثر إثارة للجدل كان قرار المدرب بإخراج المدافع الأساسي الشيخي وتعويضه باللاعب السنغالي لامين، في وقت حساس من المباراة، وهو التغيير الذي لم يحدث الفارق المأمول، بل تزامن مع خطأ فردي من لاعب المسيرة أدى إلى هدف التقدم لتواركة، تبعه هدفان آخران ليُعلن الحكم نهاية المباراة بخسارة موجعة.
*غياب المكتب والشركة.. وحضور باهث للمسيرة*
المفارقة الأكثر إيلاماً، والتي تداولها الجمهور بكثير من الاستغراب، هي الغياب التام لمكتب جمعية شباب المسيرة وشركة الفريق عن حضور أي مباراة من مباريات السد، في مقابل حضور لافت من مسؤولي الأندية المنافسة.
فقد حضر رئيس فريق تيزنيت قادماً من فرنسا، ورافق اللاعبين في الحافلة، ولازمهم حتى آخر يوم بعد تحقيق الانتصار، كما كان حضور مكتب وشركة أولمبيك الدشيرة واتحاد تواركة واضحاً، فيما اقتصر حضور المسيرة على مجموعة من الغيورين والصحفيين الذين وقفوا إلى جانب “الغريق” في محطته الأصعب.
هذا الغياب أثار استغراب الجميع، خاصة أن اللاعبين لم يتوصلوا بعد بمستحقاتهم المالية عن مباريات البطولة، ورغم ذلك قدموا موسماً استثنائياً أوصلهم إلى مقابلة السد.
*الصراع الإداري والقضائي.. استنزاف يهدد الكيان*
لكن الأزمة الحقيقية التي تهدد كيان الفريق من الداخل، وتفسر الكثير من الغياب والتشرذم، هي الأزمة الإدارية والقضائية المتفاقمة. فالفريق يعاني من ازدواجية الرئاسة؛ فهناك رئيس اللجنة المؤقتة، السيد سيدي حمدي ولد الرشيد، وهناك رئيس آخر هو السيد عليين ليدا، الذي حكمت له محكمة الاستئناف بشرعيته في منصب الرئاسة.
هذا الصراع الذي لم يحسم بعد، يقترن بشركة مشلولة عاجزة عن القيام بواجباتها الأساسية تجاه اللاعبين والجمهور. والأكثر خطورة هو تراكم الأحكام القضائية والاستئنافية الثقيلة على خزينة الفريق، والتي تستنزف موارده المالية الضئيلة أصلاً. فآخر هذه الأحكام يقضي بأداء مبلغ 40 مليون سنتيم لفائدة الكاتب الإداري السابق، عبد الله بوفوس، وهو نفس الشخص الذي نال مبلغاً آخر قدره ثمانية ملايين سنتيم من لجنة النزاعات بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
هذه الملفات المالية والقضائية المتراكمة، إلى جانب الصراع على الكرسي، تحول دون تركيز الفريق على الجانب الرياضي، وتُشعر اللاعبين والأنصار بأن الفريق يسير في متاهات لا نهاية لها، وكأنه “فريق سير على الله” في ظل غياب تام عن التخطيط السليم.
*شهادة لاعب سابق: “الصعود ضاع في مباراة الذهاب”*
في قراءة فنية للموسم، قال أحد أبرز اللاعبين السابقين لشباب المسيرة، والذي يلعب حالياً في القسم الوطني الأول، في تصريح خاص: “تتبعت المباراتين ذهاباً وإياباً، وظهر لي أن الصعود ضاع فعلياً في مباراة الذهاب، حيث كنا قادرين على الخروج بنتيجة إيجابية (2-0 على الأقل) لنضع ضغطاً أكبر على تواركة”.
وأضاف اللاعب نفسه: “لكن الخير فيما اختاره الله، المهم الآن هو الحفاظ على العناصر الأساسية التي تستحق البقاء، مثل جلفاط وحمودي وغازوان واللاعب رقم 8، وخط الدفاع بأكمله. نحتاج إلى أجنحة سريعة وذات حس تهديفي، وأتمنى أن يكون الصعود الموسم المقبل”.
*ألتراس وحقوقيون وإعلاميون.. غضب واسع*
لم يقتصر الغضب على الجمهور العادي، بل عبرت فئات مختلفة من الحاضرين عن استيائهم الشديد، حيث كان حاضراً في المدرجات تجار وموظفون وطلبة وحقوقيون وإعلاميون، انتقدوا بشدة الأداء التحكيمي والتغييرات الفنية، معبرين عن عدم اقتناعهم بالقرارات المتخذة في الدقائق الحاسمة.
أما “الألتراس” فقد كان صوتهم عالياً منذ المباراة الأولى، لكنهم وجدوا أنفسهم عاجزين عن كبح جماح ألمهم بعد النتيجة النهائية، بينما كان الطفل الباكي من العيون رمزاً لحالة عامة من الإحباط، لكنه أيضاً رمز للأمل في مستقبل ينتظر إصلاحاً جذرياً.
*نداء للإنقاذ: الوقت حان لتوحيد الصفوف*
أمام هذا الوضع الحرج والمتردي، لا حديث اليوم عن مكاسب رياضية بقدر ما هو حديث عن إنقاذ الفريق من الانهيار الكامل. لقد حان الوقت لتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية الضيقة، وتقديم الاستقالات الجماعية من قبل الأطراف المتنازعة، والالتفاف حول الرجل القادر على جمع الشمل وإصلاح ذات البين.
إنه رئيس جماعة العيون، السيد مولاي حمدي ولد الرشيد، الذي يملك من الحكمة والقدرة المالية والعلاقات الواسعة ما يمكنه من إعادة هيكلة الفريق، وإخراجه من نفق الأحكام القضائية، وتمكينه من أكاديمية ومدرسة لكرة القدم كباقي الفرق الوطنية الكبرى، وإعادة الفريق إلى القسم الأول الذي يليق بتاريخه وجماهيره.
أما الاستمرار في هذه الفوضى، وتمسك البعض بالكراسي والملفات القضائية، وإضاعة الوقت في الصراعات البينية، فليس إلا جرياً وراء السراب، سيدمر ما تبقى من تاريخ هذا الفريق العريق، ويخيب آمال طفل العيون الباكي، وآلاف الأنصار الذين ينتظرون بشغف عودة المسيرة إلى الواجهة.
*خلاصة: نجاح رياضي يحتاج إلى مشروع إداري*
في النهاية، يبقى الإنجاز الذي حققه لاعبو شباب المسيرة بالوصول إلى مقابلة السد واحتلال الرتبة الرابعة، إنجازاً كبيراً يستحق التقدير، خاصة في ظل ظروف مالية وإدارية صعبة. لكن نجاح الموسم المقبل يتطلب وقفة جادة، بدءاً من تسوية مستحقات اللاعبين، والحفاظ على العناصر الأساسية، وانتهاءً بحل الإشكال القضائي والإداري بشكل جذري، تحت راية رجل واحد تجتمع عليه الكلمة، وإلا ستتحول أحلام الصعود إلى سراب يتلاشى كل موسم.



