كتاب البديل

الذكاء الرقمي والأجور… مَن سيتقاضى راتب مَن؟ (عندما يصبح الروبوت زميل عمل: نهاية الوظيفة أم بداية “إنسان جديد”؟)

 

نعم… اليوم لم يعد “الذكاء الرقمي” مساعداً في الهاتف فقط، بل دخل اليوم إلى المكاتب، والشركات، والمصانع، والمدارس… “دخل ببطاقة عمل”، وهذا هو مربط الفرس، وأرى أنه امتداد لمقالي السابق، الذي دعوت فيه إلى استعمال اصطلاح “الذكاء الرقمي”.

لقد سمعنا وقرأنا عن شركات كبرى أعلنت أنها سرّحت 30% من موظفيها ومستخدميها وعوّضتهم بوكلاء رقميين Agents، الأمر الذي أدى إلى انفجار سؤال انشطاري متعدد الرؤوس، كالقنابل العنقودية، كان مؤجلا منذ عشريتَيْن على الأقل:

إذا كان “الذكاء الرقمي” يُنتج، ويحلل، ويكتب، ويبيع، وينتقي ويشتري، ويُصدّر ويستورد… فمن سيتقاضى الأجر على هذه الوظائف المتناسلة، والمتنامي عددُها على مدار الساعات؟

من سيبقى له مكان في سوق الشغل وفضاء المال والأعمال؟

هل نحن أمام نهاية الوظيفة كما نعرفها، أم أمام ميلاد “إنسان جديد” بوظيفة جديدة وغير مسبوقة؟

 

إن الواقع الآن يؤكد لنا أن الروبوت “زميل عمل” وليس مجرد أداة متطورة في يد الإنسان. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة، وخاصة في السنتين الماضية والجارية (2025-2026)، ويتعلق الأمر بشركات التكنولوجيا، والبنوك، وخدمة العملاء… حيث صار “الوكيل الرقمي” يشتغل 24 ساعة/24 بدون راتب ولا عطلة، وبلا شهادات طبية تبرر غيابات غير قابلة أساساً للتبرير، فتؤدي بذلك إلى ثغرات في العمل وفي الإنتاج لم تعد مقبولة ولا مستساغة.

إن هذا الواقع ذاته يطرح علينا إشكالية صعبة ممتنعة، وهي مسألة “الأجر”: فكم نؤدي؟ ولمن نؤدي؟ وبناءً على اي معايير؟

إن “العقل الرقمي”، إذا كان ينتج لنا قيمة تُحسَب بالمليارات، فهل من حق “مالك الخوارزمية” أن يأخذ كل شيء، لمجرد كونه صانعَ مَلَكاتِ ذلك العقل ومواهبِه؟

إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فأين هو “حق الإنسان” الذي ابتدع البرمجيات، وصقل الكفاءات الرقمية، وخزّن المعطيات والبيانات؟

هل سنُعيد والحالة هذه توزيع الثروة أم سنركّزها في جيبٍ منفرد؟

الظاهر، الآن، أن الوظائف الروتينية قد انتهت، وأن وظائفَ جديدةً قد حلّت محلها بلا أدنى تردد أو تلكُّؤ. مثال ذلك: مهام “مُدرّب الذكاء الرقمي”، ووظيفة “مُراجع مخرجات الذكاء”، ومسؤولية “مُهندس الأخلاقيات الرقمية”… وكل هذا يؤكد عملياً أنّ الإنسان من الصعب أن يُستغنى عنه، وفي الوقت ذاته، فإن هذه الحقيقة النظرية والميدانية ستجعل هذا الإنسان مطوَّقاً بواجب الارتقاء أكثر فأكثر، حتى لا يغبنه الروبوت في وظائفه وبالتالي في حقوقه.

ثم إن هناك، من زاوية أخرى، خطر داهم، ولكنه ليس في الآلة بالذات، بل في الإنسان ذاته، أقصد فيمن يستخدم هذه الآلة الذكية، وبتحديد أشدّ، أقصد صاحب المال الذي تسهم تلك الآلة في استثمار ثرواته وإدارتها، والذي قد يتحيّن الفرص لطحن الأجير وسَحْقِه والاستيلاء على مقدَّراته… وبذلك قد تتحول البطالة في يد رب العمل أو صاحب رأس المال إلى سلاح فتّاك، فيتحول “الذكاء الرقمي” في يده من جراء ذلك من أداة تحرير إلى أداة استعباد.

هذه إذن هي المشكلة، فما هو الحل المقترح لجعلها قيد المعالجة؟

شخصياً وبكل تواضع، أقترح الدخول في عمل تنظيري وتأسيسي جماعي، داخل كل مجتمع معني بهذه المعضلة، من أجل صياغة وإقرار ما يمكن تسميته” عقداً اجتماعياً رقمياً جديداً”، تتبيّن فيه حدود العلاقة الوظيفية والمهنية بين الموظَّف والمستخدَم و”زميله الجديد” في العمل وفي الإنتاج، لكن، مع الانتباه إلى أن الوقت في هذه المسألة بالذات لا يرحم؛ ذلك أن الدولة التي ستسبق هي التي ستُشرِّع وتَسُنّ فيكون لها السبق والغلَبة على غيرها، وبذلك لا تكون الدول المترددة والمتلكئة إلا تابعةً، أو ناقلةً ومقلِّدة، وبالتالي مستهلِكةً لهذه المعارف وليست لها منتجة… هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، على هذا العقد أن يسنّ ويجترح قانوناً يفرض قيوداً تحد من خطورة “الظاهرة الرقمية”، كسنّ ضريبة غير مسبوقة على “الروبوت”، على سبيل المثال لا الحصر، وأن يحدَّدَ على ضوء ذلك تعريفٌ جديدٌ ومبتكَرٌ لاصطلاحات متطورة كالدخل الأساسي، والقيمة المضافة في شكلها الجديد، مع وضع أسس جديدة هي الأخرى لمطلب إعادة التكوين والتدريب والتأهيل… وباختصار، إننا سنحتاج إلى “فقه جديد” للعمل في عصر الرقمنة هذا.

ويبقى القول، إن “الذكاء الرقمي” لن يأخذ بداهةً رزق الموظف أو الأجير، وإنما الذي سيأخذه هو إنسان آخر استخدم ذلك “الذكاء الرقمي” أحسن من غيره من أصحاب رأس المال وأرباب العمل.

انطلاقاً من هذا الواقع الجديد، أعتقد أن المعركة القادمة لن تكون بين الإنسان و”الآلة الذكية”، بل ستندلع بين “الإنسان الذي تعلم”، والإنسان الذي “رفض أن يتعلم” أو “عجز عن التعلم” لسبب أو لآخر… ليبقى السؤال قائماً وفي حاجة أكيدة إلى إجابة عملية حكيمة ورشيدة:
“كيف نجعل هذا “الامتداد الرقمي” خادماً للإنسان، لا سيّداً عليه وسارقاً لحقوقه ومُقدّراته؟.. ذاك هو السؤال.
___________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى