احتفاء وطني وروحي بحفظة القرآن بربوع المملكة المغربية الشريفة بمناسبة عيد العرش..

بقلم حميد فوزي

في سياق الاحتفالات الوطنية والدينية التي تعرفها المملكة المغربية الشريفة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، على عرش أسلافه الميامين، برزت المجالس العلمية المحلية والجهوية في مختلف ربوع المملكة كأحد أبرز الفاعلين في إحياء هذا الموعد الرمزي، من خلال تنظيم أنشطة قرآنية وتكريمية موجهة إلى حفظة كتاب الله العزيز وحافظاته. وقد جاءت هذه المبادرات استجابةً لمضامين الرسالة الملكية السامية الصادرة بمناسبة مرور خمسة عشر قرنًا على مولد النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وتجسيدًا عمليًا لخطة تسديد التبليغ الهادفة إلى تحقيق الحياة الطيبة، وصون الثوابت الدينية والوطنية للمملكة.
وشهدت عدد من المدن المغربية، في أجواء إيمانية مفعمة بالخشوع والاعتزاز، تنظيم احتفالات قرآنية متنوعة، شملت مجالس للذكر والسماع، وفقرات للتلاوة المرتلة، ومراسيم تكريم لعدد من الحافظين والحافظات الذين أبانوا عن تميز لافت في حفظ كتاب الله وتجويده وترتيله. وقد حرصت المجالس العلمية، بتنسيق مع المندوبيات الإقليمية للشؤون الإسلامية وسائر الشركاء المحليين، على أن تكون هذه الأنشطة مناسبة لترسيخ ثقافة الاعتراف، وتحفيز الناشئة على الإقبال على القرآن الكريم حفظًا وفهمًا وتطبيقًا.
ويكتسي هذا الاحتفاء بعدًا خاصًا بالنظر إلى السياق الرمزي الذي يندرج فيه، إذ يلتقي فيه البعد الوطني المرتبط بعيد العرش المجيد مع البعد الروحي المتصل بالمولد النبوي الشريف. وهو ما يعكس، مرة أخرى، الخصوصية المغربية في الجمع بين الوفاء للعرش العلوي المجيد، والارتباط الوثيق بالمرجعية الدينية الأصيلة، في نموذج يجعل من القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة رافعتين أساسيتين لبناء الإنسان والمجتمع.

كما أن اختيار هذا التوقيت لتكريم حفظة القرآن الكريم يحمل دلالات تربوية عميقة، لأنه يوجه رسالة واضحة إلى الأسر والمؤسسات التعليمية والكتاتيب القرآنية مفادها أن العناية بالناشئة الحافظة لكتاب الله ليست عملًا موسميًا أو احتفاليًا فحسب، بل هي مسار متواصل يروم تخريج أجيال متشبعة بالقيم الإسلامية السمحة، ومؤهلة للإسهام في خدمة الوطن من مواقع مختلفة، بالعلم والسلوك الحسن والانضباط والمسؤولية.
وقد ساهمت هذه الفعاليات في إبراز الأدوار المتكاملة التي تضطلع بها المجالس العلمية في المغرب، باعتبارها مؤسسات مرجعية تسهر على الإشراف العلمي والتأطير الديني، وتعمل على تنزيل التوجيهات المولوية السامية في المجال الديني والتربوي والفكري. كما شكلت هذه المناسبات فرصة لإبراز جهود القيمين الدينيين والمؤطرين والمعلمين والمعلمات داخل المدارس العتيقة ودور القرآن، والذين يواصلون أداء رسالتهم بصبر وإخلاص، في خدمة كتاب الله العزيز وخدمة المجتمع.
وفي هذا الإطار، برز شعار “بالقرآن تحتفي.. وبسيرة المصطفى نقتدي.. وفي ظل العرش العلوي المجيد نرتقي” باعتباره خلاصة دالة على روح هذه الاحتفالات، لما يحمله من معانٍ تجمع بين الارتباط بالوحي القرآني، والاقتداء بالسيرة النبوية، والاحتماء بالثوابت الوطنية الجامعة. وهو شعار لا يكتفي بالتعبير عن لحظة احتفالية، بل يختزل رؤية متكاملة لمغرب ينهل من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويجعل من العرش العلوي المجيد إطارًا للوحدة والاستقرار والامتداد التاريخي.
وتعكس هذه المبادرات، في جوهرها، استمرار العناية الملكية السامية بأهل القرآن، وحرص المؤسسة العلمية والدينية بالمغرب على جعل مناسبة عيد العرش محطةً لتجديد العهد مع القيم الروحية العميقة التي تميز المجتمع المغربي. كما تؤكد أن الاحتفال بحفظة القرآن ليس مجرد تكريم رمزي، بل هو اعتراف مجتمعي بدورهم في الحفاظ على الهوية الدينية، وإحياء الصلة بالكتاب العزيز، وتعزيز مكانة العلم الشرعي في الحياة العامة.
بهذه الروح، يتحول عيد العرش في المغرب إلى مناسبة تتجاوز بعدها السياسي إلى أفق حضاري وروحي أوسع، حيث يلتقي الولاء الوطني بالتقدير الديني، وتلتقي رمزية العرش العلوي المجيد بنفحات القرآن الكريم وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهو ما يجعل هذه الاحتفالات إحدى الصور البارزة لخصوصية النموذج المغربي في التدين المعتدل، والوحدة الروحية، والوفاء للثوابت الجامعة.



