كتاب البديل

🚨👈🏼بين الحكمة والدموع والسياسة: انتخاب مسؤول أم محترف إيذاء..

 

بقلم حميد فوزي

ليس للشيطان احتكار على الشر؛ بل نحن من نصنع أشكاله: بحكمة تكتمه، ودموع تخففُه، وأيادٍ تتقنه.
إن في هذا القول مفتاحٌ لفهم علاقة الإنسان بالشر، لأن الحديث هنا ينتقل من مستوى كيانٍ خارجيّ إلى مستوى النفس والسلوك الاجتماعي، ومن ثمّ إلى فضاء العمل السياسي.
إذ يتبدّى لنا أن الضغائن والطموحات يمكن أن تتحوّل إلى أدوات حين تفتقد الحياة العامة إلى قواعد تحكمها الحكمة والعاطفة المسؤولة.
في الدائرة الانتخابية تصبح نفسية الفرد وميل الجماعة معرّضين للتحوّل؛ فالحكمة قد تكتم نزعات الاستغلال، أما العاطفة فتهدئها، والقدرة على الاحتراف قد تحوّلها إلى استراتيجية انتخابية مضلِّلة.
وبالانتقال إلى وقائع الحملات الانتخابية، يظهر كيف يمكن للعقل المبرمَج أن يتحوّل إلى مصنعٍ للشر حين يسخر المرشحون والفاعلون أدواتهم لنسج خطابٍ يشعل الخوف ويغذي البغضاء. فإذا اجتمع التخطيط الإعلامي مع رغبة الوصول إلى المقعد، تذوب التبريرات الأخلاقية لصالح تحقيق النتائج.
أما عندما تسود نصائح الحكمة والضمير، فتصبح البرامج والوعود مقرونة بمسؤوليةٍ تقي الحقل السياسي من الانزلاق إلى استغلال القلق الاجتماعي.
هكذا تتبدّل نوايا التنافس إلى ممارساتٍ أخلاقية، أو عكس ذلك بحسب توازن القوى بين الحكمة والعاطفة والإتقان.
وفي سياق التنافس من أجل وضع قدم في القبة البرلمانية، تتبدّل رهانات الفاعلين. فثمة من يتعامل مع المنافسة على أنها ميدانٌ لصقل مهارات التأثير، وقد يتحوّل ذلك إلى احترافٍ في صناعة العداء؛ فتُستخدم الحملات لاستنهاض الانقسامات واستثمار الأخطاء والبحث عن أعداءٍ خارجيين وداخليين.
أما بعض المرشحين، فيحاولون تحويل طاقاتهم إلى أدوات خدمة عامة عبر خطابٍ يربط الحكمة بالالتزام وببرامج ملموسة. وبهذا الخيار تتجلّى الفكرة: إن الفرد الناجح في السياسة قد يحتاج إلى حكمةٍ لتكميم نزعات الاستغلال، وعاطفةٍ لتقدير ألم المواطنين، وإرادةٍ تمنع تحويل الذكاء السياسي إلى آلةٍ للإيذاء.
ومن منظورٍ اجتماعي، تبرز مسؤولية الجماعات المدنية والإعلام والمجالس المحلية في ضبط ممارسة السياسة.
إن المجتمع الذي يمنح المشروعية للروايات التي تكرّس العداوة، يسهل على الفاعلين احتراف الأذى، بينما المجتمع الذي يولي قيمةً للمساءلة والشفافية ويشجّع انخراط العواطف في مسار الاعتراف بالأخطاء، يقلّل من فرص تحوّل الحملات إلى ساحاتٍ للانقضاض الشخصي. لذا، فإن حماية العملية الانتخابية تتطلب استراتيجياتٍ تربوية وإعلامية تهدف إلى ترويج حكمٍ ناضج ووعيٍ جماعي يربط بين كفاءة المرشح ودرجة تخلقِه الأخلاقي.
وبالرجوع إلى التجارب التاريخية في الانتقال السياسي، نجد أن الدول التي استُخدمت فيها الحملات لصنع أعداءٍ داخليين شهدت تفكّكاً اجتماعياً وتوحّشاً خطابياً؛ إذ استدعى ذلك تحصينَ مؤسسات الدولة والمجتمع المدني لتفادي تكرار دائرة العنف. أما نماذجٌ أخرى فقد نجحت في إرساء ثقافةٍ انتخابية ترتكز على برامج قابلة للقياس وتخضع للمساءلة، ما ساهم في تقليل منسوب الاحتراف المهني للأذى السياسي. وقد دلّت مبادرات المصالحة الانتخابية والاتفاقات بين مرشحين على أن توجيه العقل نحو بناء المشترك، وإعمال العاطفة في الاعتراف بالألم، يخففان من زخم العداء الانتخابي.
وبالنظر إلى دواخل المرشِّح، يبرز أن الرغبة في الوصول إلى البرلمان قد تمارس ضغوطاً نفسية تجعل بعض الأفراد يبرّرون الوسائل باسم المصلحة العامة. أما من اتسمت سيرته بالمساءلة والضمير، فقد قاوم سابقاً إغراءات استخدام الوسائل القذرة، لأن التربية والقيم التي اكتسبها شكّلت لديه حدّاً أخلاقياً لممارسة السياسة. وبذلك يتبيّن أن تربية الذكاء العاطفي وتعزيز الوعي الأخلاقي جزءٌ لا يتجزأ من تأهيل النخب السياسية لمنع احتراف الإيذاء داخل ساحات المنافسة.
ومن ثمّ فإن المكافحة الفاعلة لتحوّل الحملات إلى منصاتٍ لإتقان الشر لا بد أن تعمل على مستويات متداخلة، تشمل قواعد انتخابية واضحة تجرّم خطاب التحريض، وتكافح الأخبار الكاذبة، وتضمن آليات مساءلةٍ فورية. إلى جانب ذلك، ينبغي برامج توعيةٍ للمترشحين والناخبين تُدرّب على التفكير النقدي وتربّي على اعتبار الآخر، لأن هذا المزج يساعد على إضعاف أدوات العاملين على صناعة العداء ويفتح المجال أمام سياساتٍ مبنية على احترام القواعد والحقوق.
وفي ضوء ذلك، تصبح المناخات الانتخابية صحية حين تترافق فيها سياسات تعزيز الحكم الرشيد مع برامج دعم المجتمع المدني وتعزيز الشفافية الإعلامية. إن الجمع بين مؤسساتٍ قوية ووعيٍ جماعي يجعل من الصعب على العقل السياسي أن يتحوّل إلى مصنعٍ للأذى، ويجعل من العاطفة سداً أمام الانزلاق نحو خطاب الكراهية. كما أن وجود رقابة قانونية ومؤسساتٍ مستقلة للانتخابات يمنع تحويل الطموح إلى صناعةٍ شرٍّ مبرمجة باسم الديمقراطية.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن الطموح إلى وضع قدمٍ في القبة البرلمانية يجب أن يصاحبه التزامٌ واضح بقواعد الصدق والشفافية والمسؤولية، لأن الوصول بالوسائل القذرة لا ينتج سوى تأبيد النزاعات وإضعاف حيوية المؤسسة التشريعية والمجتمع على السواء. ومن ثمّ، فنحن مدعوون إلى مقاربةٍ متكاملة تضع معاييرٍ أخلاقية للتنافس الانتخابي، وتدعم برامج لتأهيل المرشحين وتحصين الناخبين من أدوات التأثير السلبي، حتى يصبح الانتخاب مساراً لتحسين شروط الحياة لا ساحةً لتقنين الألم.
ختاماً، إن الربط بين فكرة أن الشر ليس حكراً على الشيطان والطريقة التي تُدير بها الحملات الانتخابية صرخةٌ من أجل وعيٍ سياسيٍ وأخلاقي. تدفع هذه الصرخة من يسعى إلى القبة البرلمانية إلى سؤال ذاته: هل سيكتم نزعات الاستغلال أم سيستخدمها لتحويل المنافسة إلى آلةٍ للضرر؟ وبذلك يتحقّق الخيار بين سياسةٍ تقوّي الضمائر وسياسةٍ تصنع أذرعاً محترفة للأذى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى