كتاب البديل

القراءة الدستورية والاستراتيجية للخطاب الملكي السامي: تراكمية المكتسبات، منطق الدولة، وتحديات تحصين النموذج التنموي.

 

القراءة الدستورية والاستراتيجية للخطاب الملكي السامي:
تراكمية المكتسبات، منطق الدولة، وتحديات تحصين النموذج التنموي.

تقديم: زمنيّة الدولة مقابل زمنيّة المؤسسات المنتخبة
تُشكل الخطب الملكية السامية في المنظومة الدستورية والسياسية المغربية مرجعاً نقدياً وموجهاً استراتيجياً لتفكيك بنيات الفعل العمومي واستشراف مسارات الدولة. ومن هذا المنطلق الدستوري الأكاديمي، يأتي الخطاب الملكي الأخير ليرسخ مفهوماً جوهرياً في علم السياسة المعاصر، وهو تفاضلية “زمن الدولة” (Le temps de l’État) مقارنة بـ “الزمن الحكومي والبرلماني” (Le temps gouvernemental et parlementaire).
إن الإنجازات والتراكمات التنموية والاقتصادية التي حققتها المملكة المغربية لا يمكن اختزالها في دورات انتدابية محددة أو أجندات حتيّة للأغلبية والمعارضة، بل هي ثمرة رؤية ملكية ممتدة ومتبصرة تعتمد على التراكم التاريخي الإيجابي وتجاوز الرؤى الضيقة للولايات الانتخابية.

أولاً: الاستقرار السياسي والأمني كـ “عملة سيادية نادرة” وقاعدة للتنمية.
في علم الاجتماع السياسي، يُعتبر الاستقرار والمقبولية المؤسساتية شرطاً شارحاً ومسبقاً (A priori) لأي إقلاع اقتصادي. وفي عالم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية والتجاذبات الإقليمية، أصبح الاستقرار والأمن في المغرب “عملة نادرة” وميزة تنافسية سيادية.
المقاربة القانونية والدستورية: يعكس الاستقرار المغربي سموّ القاعدة الدستورية ونجاعة المؤسسة الملكية كضامن لدوام الدولة واستمراريتها (الفصل 42 من الدستور)، مما يمنح المستثمرين والشركاء الدوليين بيئة آمنة وقابلة للتنبؤ.
المقاربة السياسية: إن التلازم بين الاستقرار والأمن والتنمية يجعل من الأمن ليس فقط خياراً أمنياً مجرداً، بل دعامة هيكلية للاقتصاد الوطني ومحفزاً لجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

ثانياً: التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي: من الاقتصاد التقليدي إلى سلاسل القيمة العالمية.
إن التوجيهات الملكية السامية واستعراض نتائج الأداء الاقتصادي يُظهران تحولاً عميقاً في البنية الانتاجية الوطنية، مما نقل المغرب من موقع المستهلك للتقنية إلى فاعل ومورد رئيسي في سلاسل القيمة الدولية:
1. قطاع السيارات والصناعات المتقدمة: السعر الاندماجي الذي ناهز 40% لتصنيع السيارات وتجاوز عائداتها لصادرات الفوسفاط التقليدية، يعكس تحولاً نموذجياً نحو الصناعات الثقيلة وعالية القيمة المضافة.
2. صناعة الطيران والطاقات المتجددة: استطاع المغرب ردم الفجوة التكنولوجية وتحويل التحدي المناخي إلى فرصة استراتيجية، ليصبح رائدة إقليمياً ودولياً في المزيج الطاقي الصديق للبيئة.
3. الدينامية الجيواقتصادية: هذه الطفرة جعلت من المملكة شريكاً دولياً موثوقاً ومطلوباً يمتلك قدرة التفاوض والندّية في العلاقات الدولية.

ثالثاً: السيادة الوطنية الرقمية والغذائية: أبعاد الأمن القومي الجديد.
لم يقتصر التحليل الملكي على الأرقام الاقتصادية التقليدية، بل امتد ليعيد تعريف “السيادة الوطنية” وفق المفاهيم الجيوسياسية الحديثة:
السيادة الغذائية: من خلال حماية وتطوير الصناعات الغذائية الوطنية لتحصين القرار السياسي والاستقلالية الاستراتيجية في أوقات الأزمات العالمية.
السيادة السيبرانية: إدراكاً من جلالته بأن الفضاء الرقمي أصبح ساحة جديدة للمواجهة والحروب غير المباشرة، مما يستدعي أمن شبكات المعلومات الحيوية للمملكة كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي.

رابعاً: آفاق المرحلة المقبلة: تحصين المكتسبات وإدارة المشاريع الكبرى.
تضع التوجيهات الملكية السامية الخريطة التنفيذية للمرحلة التشريعية والمستقبلية، معتبرة أن الاستحقاقات الانتخابية ليست سوى محطة محينة لتجديد النخب، بينما تبقى الغايات الاستراتيجية للدولة ثابتة:
1. تحصين المكتسبات: الانتقال من مرحلة التأسيس والإطلاق إلى مرحلة حماية وتجذير الإنجازات التنموية ضد التقلبات الاقتصادية والسياسية.
2. استكمال المشاريع المهيكلة: التركيز على الأورش الاقتصادية الكبرى التي تدعم العدالة المجالية والاجتماعية وتضمن الاستدامة.
3. تكريس الاستمرارية: التأكيد على أن الملاحظين والفاعلين السياسيين مطالَبون باستيعاب أبعاد “زمن الدولة” وتكييف البرامج الحكومية والسياسات العمومية مع هذا النفس الاستراتيجي العالي.

خاتمة:
إن القراءة الفاحصة للخطاب الملكي السامي تؤكد أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقع الدولة الأمة ذات السيادة الكاملة والنموذج التنموي المستقل. إن التكامل الحاصل بين الاستقرار السياسي، والأمن القومي، والسيادة الاقتصادية الرقمية والغذائية، يصنع استثناءً مغربياً يفرض نفسه في الساحة الدولية.
حفظ الله مولانا صاحب الجلالة والمهابة، وأدام عليه موفور الصحة والعافية، وسدد خطاه مجدداً لما فيه خير وازدهار هذا الوطن العزيز.

الدكتور / المصطفى قاسمي
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى