كتاب البديل

رسائل خطاب العرش برسم سنة 2026: “دورة 27 سنة.. وحصيلة وطن”

 

مرت سبع وعشرون سنة على اعتلاء جلالة الملك العرش، لكنها بناءً على الإنجازات التي أمكن تحقيقها، في مختلف مجالات حياة الدولة والأمة، تقاس بأكثر من ذلك الكم من السنين.

سبع وعشرون سنة كان الحمل فيها بمثابة “أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة”، كما وصفها جلالة الملك، وبالتالي لم يكن الأمر مجرد احتفال بذكرى، بل كان تقريراُ عن حال أمة، ومراجعة لطريق قطعناه سوياٌ، رسَمَ معالم مرحلة مقبلة أرادها الخطاب أن تكون “مرحلة فاصلة” في المسار المغربي الإنمائي.

هكذا، وبين أرقام النمو، وإنجازات الصناعة، وتحديات التمويل، ورسائل الثقة “في زمن عالمي مضطرب”… حاول الخطاب أن يقول شيئاً أكيداً:
وهو أنّ المغرب اختار أن يواجه اليأس بالتفاؤل، وأن يجعل من الاستقرار رأسماله الاستراتيجي الأكبر… فما هي أهم الرسائل التي حملها بعد انقضاء السنة السابعة والعشرين؟

هناك تحديداً رسائل سياسية، وأخرى اقتصادية واجتماعية، موجهة جميعها للداخل والخارج… من بينها على الخصوص:

1- رسالة الثبات والاستمرارية:
فالسنوات السبع والعشرون حملت “أمانة عظيمة”، وأكدت على استمرارية المشروع الملكي منذ 1999، مع التذكير بأن الحكم الملكي في وطننا قائم على “خدمة الشعب” وليس على اكتساب “مجد شخصي”. ولذلك، نفى الخطاب أي “نزعة فردية”، وأكد بدلاً من ذلك، أن البوصلة هي بالدرجة الأولى: “تمكين المغاربة من العيش الحر الكريم”.

2 – رسالة التفاؤل والثقة رغم الأزمات:
أكد الخطاب أننا نخوض الآن في “مرحلة فاصلة”، ينبغي أن تسود فيها روح الثقة والتفاؤل، وأن تتغلب هذه الروح على خطابات اليأس. وهذه دعوة صريحة ومباشرة إلى مواجهة الإحباط الإعلامي، وسوداويات وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي (واللااجتماعي) التي ينقصها الكثير من الحكمة والرشاد والموضوعية.

في مواجهة هذه المفارقة، يلفت الخطاب الانتباه إلى أن الاستقرار بالذات، يشكّل “عملة نادرة لا تقدر بثمن”، وخاصة “الاستقرار السياسي والمؤسسي”، الذي استطعنا أن نتمتع به في محيط إقليمي ملتهب، والرسالة هنا هي: أنّ الاستقرار هو رأسمالنا الاستراتيجي، الذي ينبغي علينا أن نعض عليه بالنواجد.

3- رسالة الأرقام والمنجزات الاقتصادية:
لقد تحوّل الخطاب بنقلة سريعة، وبليغة الدلالات، إلى “تقرير للحصيلة” من شأنه أن يطمئن الداخل، وفي الوقت ذاته أن يسهم في جلب وتعزيز الثقة على صعيد الخارج: فالنمو قوي لأنه حقق نسبة 4.9% في 2025 ، ومن المتوقع أن يحقق المعدل نفسه في 2026، والتحول الصناعي، جعل من المغرب “أول مصدر للسيارات في إفريقيا” فضلاً عن دخوله “نادي صناعة محركات الطائرات”، وعن تطوير قدراته في مجال إنتاج الطاقة النقية و”الهيدروجين الأخضر”. كما أن المغرب حقق سيادته في مجالات أخرى حيوية كالغذاء، والدواء، حيث أمكنه تغطية 80% من الحاجيات في هذين المضمارين، وفوق ذلك، أنشأ ما يمكن اعتباره “قاعدة صناعية دفاعية وسيبرانية”.
وفي قطاع السياحة، حقق المغرب أرقاماً قياسية، بتجاوزه عتبة العشرين مليون سائح في 2025… وبذلك يكون المغرب قد انتقل من “اقتصاد الريع” إلى “اقتصاد صناعي وتكنولوجي”.

4- رسالة الإصلاح الاجتماعي والتمويل:
في هذا المضمار أكد الخطاب على خيار “التنمية البشرية والحماية الاجتماعية”، وعلى وجوب الاستمرار في هذا الورش… وكما لم يكن معهوداً ممن قبل، دعا الخطاب إلى ابتكار “موارد تمويلية غير مسبوقة”، محمِّلاً القطاع البنكي والمالي مسؤولية تغطية الاحتياجات المالية برسم المرحلة المقبلة، وخاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة وطاقات الابتكار، كما ألح على مطلب “التنمية الترابية المندمجة”، فيما يمكن اعتباره رسالة مباشرة إلى الجهات، وإلى والحكومة المقبلة، ودعوة صريحة إلى اجتناب استثناء أي منطقة من المناطق على طول وعرض تراب المملكة.

5- رسالة السياسة الخارجية وموقع المغرب:
حيث سجل الخطاب أن المغرب، اليوم، “فاعل دولي موثوق ومحترم ومسموع الكلمة” وأنه لم يعد يتلقى عروض الشراكة، بل أصبح هو مَن “يطرح عروض الشراكات البناءة”. وفي هذا إشارة ضمنية، ولكنها واضحة، إلى التحالفات الجديدة التي يعقدها مغرب، اليوم، بعيدا عن أي شكل من أشكال التبعية.
حيث أصبحنا “نُسائل شركاءَنا بكل ثقة ووضوح”. وهذه نبرة جديدة في الديبلوماسيا المغربية.

وكما جرت به العادة، ألحّ الخطاب على التقدير الملكي والشعبي للقوات المسلحة الملكية، قبل أن يختم بالتأكيد على مسؤولية صيانة وحدة الوطن وأمنه، وواجب تكريم شهداء التحرر والوحدة.

خلاصته، أن الخطاب الملكي ليوم أمس حمل بين سطوره
رسائل داخلية مفادها أنه “لا مجال للتشاؤم”، وأن “لدينا إنجازات، وسنواصل بنفس النهج مع حكومة جديدة بعد الانتخابات”. وأن “المغرب دخل نادي الدول الصناعية الجديدة، وأن الاستثمار والتمويل هما مفتاح المرحلة”.

أما رسالته الخارجية، فمفادها أنّ “المغرب قوة إقليمية صاعدة، وشريك مطلوب، وأنه مسموع الكلمة”.

بذلك، كنا بالأمس أمام “خطاب حصيلة”، و”خطاب أفق”، وبالتالي أمام “خطاب أغلق دورة 27 سنة، وفتح الباب لـدورة تنموية جديدة ستنطلق مباشرة بعد الانتخابات المقبلة”… والله وليّ التوفيق.
______________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى