ميساج

هذه كلفة تعيين وزير… وهذه فاتورة زواج المتعة والطلاق بين الوزارات!

من 18 إلى 19 وزارة، ومن 5 إلى 11 وزيرًا منتدبًا، واختفاء كتاب الدولة والتواصل… حقائب تتزوج وتنفصل وأسماء تتغير، فمن يؤدي المهر والنفقة ويحاسب على كلفة إعادة تشكيل الحكومة؟

هذه كلفة تعيين وزير… وهذه فاتورة زواج المتعة والطلاق بين الوزارات!

من 18 إلى 19 وزارة، ومن 5 إلى 11 وزيرًا منتدبًا، واختفاء كتاب الدولة والتواصل… حقائب تتزوج وتنفصل وأسماء تتغير، فمن يؤدي المهر والنفقة ويحاسب على كلفة إعادة تشكيل الحكومة؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم تكن مراسيم تعيين الحكومة المغربية الجديدة، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، مجرد مناسبة لتغيير بعض الوجوه والأسماء التي ستجلس على الكراسي الوزارية. فقد شهدنا أيضًا حفلات زواج وطلاق بين الحقائب الحكومية، وانتقال قطاعات من أحضان وزارات إلى أخرى، واختفاء كلمات من أسماء الوزارات  وظهور أخرى، وترقية مناصب وإلغاء أخرى، وكأننا أمام سوق لتبادل الحقائب، تُعقد فيه الزيجات وتنتهي العلاقات عند كل تشكيل حكومي.

والمثير أن هذه الزيجات لا يسبقها نقاش عمومي كافٍ حول جدواها، ولا تُعرض على المغاربة فواتير واضحة لتكاليفها، ولا يعرف المواطن لماذا تزوج التعليم بالرياضة سابقًا ثم طلقها، ولماذا انتقلت الغابات من الفلاحة إلى التجهيز والماء، ولماذا اختفى الاتصال و التواصل من أسماء الوزارات، ولا كم يكلفنا كل هذا التغيير. ؟؟؟..

كنت قد كتبت قبل سنوات مقالة بعنوان «هذه كلفة تعيين وزير»، تناولت فيها ما قد يرافق الاستوزار من تغيير للمكاتب والمسؤولين والتجهيزات والمخططات والمشاريع والمطيوعات واللوحات الادارية والأختام . وأعود اليوم إلى الموضوع بعدما اتسعت الفاتورة من كلفة تعيين الوزير إلى كلفة إعادة هندسة الوزارات نفسها.

إنها فاتورة زواج المتعة بين الحقائب الحكومية؛ يدفع المغاربة مهر الزواج، ويتحملون نفقة الطلاق، دون أن يعرفوا دائمًا ماذا ربحوا من الارتباط أو الانفصال.

أولًا: الحكومة تكبر… والأسماء تتغير

تضمنت حكومة عزيز أخنوش، بعد تعديل أكتوبر 2024، واحدًا وثلاثين عضوًا، بمن فيهم رئيس الحكومة والأمين العام للحكومة، موزعين على 18 وزيرًا مسؤولًا عن وزارات، وخمسة وزراء منتدبين، وستة كتاب دولة.
أما حكومة فاطمة الزهراء المنصوري فتضم 32 عضوًا، بينهم 19 وزيرًا مسؤولًا عن وزارات، و11 وزيرًا منتدبًا، دون أي كاتب دولة.

ارتفع إذن عدد الوزارات من 18 إلى 19، وتضاعف عدد الوزراء المنتدبين تقريبًا، واختفت صفة كاتب الدولة من التشكيلة.

وهنا لا بد من السؤال: ما الجدوى الإدارية والمالية من هذه التحولات؟ وهل تغيير صفة كاتب دولة إلى وزير منتدب يغير طبيعة الخدمات المقدمة للمواطنين؟ وهل تستوجب المسؤوليات الجديدة مكاتب ودواوين وموارد إضافية؟

ليست المشكلة في عدد الوزراء وحده، بل في ضرورة إثبات أن كل منصب يستجيب لحاجة فعلية، ويحقق قيمة مضافة تبرر تكلفته.

ثانيًا: التعليم يطلق الرياضة… ويتزوج التكوين المهني

من أبرز الزيجات التي انتهت في التشكيلة الجديدة علاقة التربية الوطنية بالرياضة.
كانت الوزارة تحمل اسم «التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة»، فأصبحت «التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل. »
غادرت الرياضة بيت التربية الوطنية، وانتقلت إلى بيت الشباب والثقافة، فيما التحق التكوين المهني بالتعليم، بعدما كان مرتبطًا بقطاع الإدماج الاقتصادي والتشغيل والكفاءات.

فما الذي تغير في طبيعة الرياضة المدرسية؟ وهل أصبحت الرياضة أقرب إلى الثقافة والشباب منها إلى التربية الوطنية؟ ولماذا انفصل التكوين المهني عن محيط التشغيل ليعود إلى محيط التعليم؟
قد تكون هناك مبررات تربوية وتنظيمية واقتصادية، لكن الواجب أن تُشرح للمغاربة.
فإذا كان الجمع بين التعليم والرياضة ناجحًا، فلماذا انتهى؟ وإذا كان غير ناجح، فمن قيّم التجربة؟ وما الذي يضمن نجاح الزواج الجديد؟

إن القطاعات الحكومية ليست عرائس نبحث لها عن أزواج مناسبين عند كل تعديل، وإنما مرافق عمومية تحتاج إلى رؤية مستقرة وتكامل واضح.

ثالثًا: الغابات تغادر الفلاحة… والسيادة الغذائية تدخل على الخط

الزواج الثاني الذي انتهى هو ارتباط الغابات بوزارة الفلاحة.
فقد كانت الوزارة تحمل اسم «الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات»، لتصبح «الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية. »
أما الغابات فقد ظهرت ضمن وزارة التجهيز والماء، بعدما كانت هذه الأخيرة تحمل اسمًا مختصرًا.
وهنا يتجدد السؤال: ما العلاقة التنظيمية الجديدة بين الغابات والتجهيز؟ وكيف سيتم التنسيق بين تدبير الموارد الغابوية والسياسات الفلاحية والقروية والبيئية؟

ثم لماذا اختفت عبارة «التنمية القروية» من اسم الوزارة الفلاحية؟ وهل اختفى الاسم فقط، أم تغيرت الجهة المسؤولة عن البرامج المرتبطة به؟
أما عبارة «السيادة الغذائية»، فرغم أهميتها الاستراتيجية، فإن إدراجها في اسم الوزارة لا يكفي لضمان الأمن الغذائي أو تحسين أوضاع الفلاحين.

فالغابة لن تصبح أكثر حماية بمجرد تغيير عنوان الوزارة، كما أن السيادة الغذائية لا تتحقق بإضافة كلمتين إلى واجهة مقر حكومي.

رابعًا: التشغيل يطلق الإدماج الاقتصادي… والاستثمار يتزوج الصناعة

شهدت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات تفكيكًا لارتباطاتها السابقة.
فأصبح التشغيل ضمن وزارة تحمل اسم «التشغيل والحوار الاجتماعي»، وانتقل الإدماج الاقتصادي إلى تسمية وزارة الصناعة والتجارة، بينما التحق التكوين المهني بالتربية الوطنية.

وفي الوقت نفسه، استقبلت الصناعة والتجارة الاستثمار، الذي كان موضوع حقيبة وزارية منتدبة لدى رئيس الحكومة.
وهكذا أصبحت لدينا وزارة للصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي.
إنها عمليات فصل ودمج تطرح أسئلة حول حدود المسؤوليات الجديدة، ومصير الالتزامات والموارد المشتركة.

كما اختفت «المقاولة الصغرى» من أسماء الوزارات، رغم أهميتها في الاقتصاد الوطني، واختفت عبارة «الكفاءات» التي كانت ملازمة للتشغيل.
فهل نحن أمام إعادة توزيع أكثر انسجامًا للاختصاصات، أم أمام هندسة فرضتها اعتبارات تشكيل الحكومة وتوزيع مسؤولياتها؟

خامسًا: التواصل يختفي… فمن يتبنى الصحافة والإعلام والنشر؟

لعل أكثر حالات الطلاق إثارة للانتباه، بالنسبة إليّ، خروج «التواصل» من اسم وزارة الشباب والثقافة والتواصل.
فالوزارة أصبحت تحمل اسم «الشباب والثقافة والرياضة»، دون أن يظهر التواصل ضمن أسماء الحقائب الأخرى.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد كلمة حُذفت من لوحة معدنية.
إننا نتحدث عن قطاع الصحافة والإعلام والنشر، وعن الدعم العمومي للمقاولات الصحفية، وعن مؤسسات ومهن وأطر والتزامات واتفاقيات.
فمن أصبح مسؤولًا حكوميًا عن هذا القطاع؟ وأين ستستقر اختصاصاته؟ وكيف ستُدار ملفات الدعم والتأطير والتنظيم والعلاقات مع المهنيين؟
إن غياب اسم التواصل لا يعني بالضرورة إلغاء اختصاصاته، لكنه يجعل التوضيح الرسمي ضروريًا.
ولا ينبغي التعامل مع الصحافة والإعلام والنشر كضيف ثقيل يُنقل من غرفة إلى أخرى، أو كحقيبة يتيمة تبحث عمن يتبناها.

فالصحافة ليست زائدة إدارية؛ إنها قطاع مهني واقتصادي ومؤسساتي يستحق وضوح الإشراف واستقرار السياسات.

سادسًا: كلمات تدخل الحكومة… وأخرى تغادرها!

ظهرت في التشكيلة الجديدة تسميات لافتة، منها «النجاعة العمومية» التي التحقت بالاقتصاد والمالية، و«الذكاء الاصطناعي» الذي تصدر اسم وزارة كاملة، و«المساواة» التي أضيفت إلى حقيبة الأسرة والتنمية الاجتماعية.
كما ظهرت «المعادن» ضمن وزارة الطاقة والتنمية المستدامة، و«الحوار الاجتماعي» إلى جانب التشغيل.
وفي المقابل، اختفت من الأسماء عبارات مثل «المقاولة الصغرى»، و«التنمية القروية»، و«التواصل»، و«الانتقال الطاقي»، و«التقائية وتقييم السياسات العمومية».
ولا يعني اختفاء الكلمات بالضرورة اختفاء السياسات، كما لا يعني ظهورها أن الحكومة أصبحت قادرة تلقائيًا على تحقيق مضامينها.
فالذكاء الاصطناعي لا يُقاس بحضور العبارة في اسم الوزارة، والمساواة لا تتحقق بمجرد إعلانها، والنجاعة العمومية لا تولد بتغيير اللافتات.
أخشى أن تصبح لدينا وزارات غنية بالكلمات، وفقيرة في النتائج.

سابعًا: الوزير الجديد… والقط الذي يجب أن يموت!

نعود إلى كلفة تعيين الوزير نفسه.
لن نخوض في الطرق التي يسلكها بعض الطامحين إلى الاستوزار، ولا في سلالم الأحزاب ومصاعد العلاقات والنفوذ، ولا في الأجور والتعويضات والامتيازات.
سنتوقف عند ما قد يحدث بعد التعيين.
فبعض الوزراء يدخلون مقراتهم الجديدة بعقلية «النهار الأول يموت المش»، معتقدين أن إثبات السلطة يقتضي تغيير المسؤولين والأثاث والمكاتب والبرامج، وربما التخلص من كل أثر للوزير السابق.
وقد تبدأ رحلة البحث عن الموالين والمقربين، بدل البحث عن الكفاءات والأطر المؤهلة.
ولطالما استوقفتني مفارقة كلمة «وزير» التي تصبح «ريزو» عند قراءة حروفها معكوسة؛ وكأن الوصول إلى المنصب، في بعض الحالات، يحتاج إلى شبكة علاقات أكثر مما يحتاج إلى برنامج وكفاءة.
لكن الوزير الذي يدخل الوزارة بحثًا عن قط يقتله، قد يكتشف متأخرًا أنه دخل عرينًا يضم أطرًا وكفاءات تعرف القطاع أكثر منه.
والوزير الحقيقي ليس من يخيف الموظفين، بل من يحسن توظيف خبراتهم ويمنحهم أسباب النجاح.

ثامنًا: فاتورة الزواج والطلاق… من يحصيها؟

تغيير اسم وزارة لا يقتضي دائمًا نفقات كبيرة. لكن إعادة توزيع الاختصاصات قد تستدعي تعديل الهياكل التنظيمية، وتحيين الوثائق والمنصات والأنظمة المعلوماتية، ونقل بعض الموظفين والمصالح والاعتمادات، وإعادة ترتيب الاتفاقيات والبرامج.
وتصبح الكلفة أكبر عندما يصاحب التغيير تعطيل مشاريع قائمة، أو التخلي عن دراسات سابقة، أو إعادة إنجاز أعمال سبق تمويلها.
وهنا يجب التمييز بين النفقات الضرورية للإصلاح، والنفقات التي تنتج عن الارتجال وسوء التدبير.
فكم بلغت كلفة إعادة تنظيم القطاعات؟ وكم ستوفر من موارد؟ وما المشاريع التي ستستمر، وتلك التي ستراجع؟ وأين تقارير التقييم السابقة التي بُنيت عليها القرارات؟
ولماذا لا تخضع الهندسة الحكومية لتقييم قبلي وبعدي، كما تخضع له المشاريع العمومية الكبرى؟
إنها أسئلة تستحق اهتمام البرلمان والمجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات العامة.

تاسعًا: النجاعة العمومية… ابدؤوا بأنفسكم!

بما أن الحكومة الجديدة اختارت إدراج «النجاعة العمومية» ضمن اسم وزارة الاقتصاد والمالية، فإن أول امتحان لهذه العبارة ينبغي أن يكون داخل الحكومة نفسها.

فكيف نتحدث عن النجاعة دون قياس تكاليف إعادة الهيكلة؟ وكيف نتحدث عن إصلاح الإدارة إذا ظل كل تغيير وزاري مناسبة لإعادة النظر في التنظيمات والمسؤوليات والمشاريع؟

إن الحكومة ليست ملكًا للوزراء، والوزارات ليست ضيعات حزبية، والموظفون ليسوا أتباعًا يتغير مصيرهم بتغير أصحاب المناصب.
والمشاريع العمومية ليست ملكية فكرية للوزير الذي أطلقها، حتى تصبح قابلة للإلغاء بمجرد مغادرته.
الإصلاح الحقيقي لا يقوم على محو آثار السابقين، بل على تصحيح اختلالاتهم والبناء على منجزاتهم.

الوزراء يرحلون… فلماذا يبدأ الوطن من الصفر؟

في المغرب، رأينا وزراء يغادرون ووزراء يعودون، وحقائب تنقسم وأخرى تندمج، وأسماء تُحذف وكلمات تُضاف.
لكن المواطن لا يعنيه كثيرًا اسم الوزارة التي ستتكفل بمشكلته؛ ما يعنيه أن يجد مدرسة جيدة، ومستشفى في مستوى حاجاته، وشغلًا كريمًا، وإدارة تحترم حقوقه ووقته.
لقد آن الأوان للانتقال من هندسة توزيع الحقائب إلى هندسة تحقيق النتائج.
ومن حق المغاربة أن يعرفوا لماذا تزوجت بعض القطاعات، ولماذا تطلقت، وكم كلفهم الزواج والطلاق، وما الذي تحقق بعد كل انتقال.
إن تعيين وزير جديد لا ينبغي أن يعني تعيين بداية جديدة للوزارة، ولا ينبغي أن يتحول تغيير الحكومة إلى إعلان نهاية صلاحية البرامج والمشاريع السابقة.
فالوزير قد يغادر بعد أشهر أو سنوات، والوزارة باقية، والدولة مستمرة، والوطن ليس مطالبًا بأداء فاتورة البداية من الصفر كل مرة.

ولهذا أسأل الحكومة الجديدة:
كم كلفنا تغيير الوزراء؟ وكم سيكلفنا تغيير الوزارات؟ ومن سيحاسب على زواج الحقائب وطلاقها إن لم تتحقق النتائج المنتظرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى