كتاب البديل

خماسي “المزايدة المقدسة”… (حين تصبح فلسطين ذريعة لجلد المغرب!!)

خماسي “المزايدة المقدسة”…
(حين تصبح فلسطين ذريعة لجلد المغرب!!)

محمد عزيز الوكيلي

دعوني بدايةً أدعو الأشخاص بأسمائهم قبل أن أسمي الأشياء بمُسَمَّياتها: عبد الإله بنكيران، نبيلة منيب، عزيز غالي، أحمد ويحمان، عزيز الهناوي… ما الذي يريده هؤلاء فعلا؟!

أرى أن بين هؤلاء خيطاً ناظماً واحداً يجمعهم، رغم اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم، وهو التستر وراء يافطة نبيلة ومقدسة يُسَمُّونها “دفاعاً عن غزة وفلسطين”، وهذه قضية كل العرب والمسلمين عامةً وبلا استثناء، وكل المغاربة خاصةً من جلالة الملك إلى أصغر مواطن، ليُحَوّلوها إلى منصة لتصفية حساباتهم مع الدولة المغربية، ومع كل المغاربة الأحرار الذين يضعون قضايانا الوطنية الأكثر أولويةً ومصيريةً في المقدمة، عملاً بشعار المرحلة الراهنة من تاريخنا: “تازة قبل غزة”.

الواقع أن هذا الشعار بالذات يغيظني، هو الآخر، نظراً لشوفينيته المُفرِطة، ولكنني أضطر، بين الحين والآخر، إلى الصدح به نكايةً في ذلك الخماسي الغريب، وفي مَن يصطفون وراءه من الشباب المتحمس بإفراط، ومن أمِّيِّي السياسة المغرَّر بهم.

إننا جميعاً مع فلسطين قلباً وقالباً، ما في ذلك أدنى شك. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو “هل الدفاع عن فلسطين يعني بالضرورة معاداة المغاربة وضرب مصالح المغرب”؟

لقد خرج المغاربة عشرات المرات في مسيرات مليونية لنصرة غزة، أما الدولة المغربية فلم تتوقف يوماً عن دعم غزة وفلسطين سياسياً وميدانياً من خلال إقامة المستشفيات الميدانية، وبذل مساعدات من العيار الثقيل… وهذا مُوَثَّق ولا يُنكِره إلاّ جاحدٌ أو معتوه. لكن ذلك الخماسي أعلاه، يريد أن يفرض علينا مقايضتهم العَبَثية: “فإما أن تكونوا مع فلسطين على طريقتنا الشعبوية، وإما أن تكونوا ضدها”… تماماً كما قال الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب مخاطباً العالمَ كافة، عندما كان يستعد لمواجهة موجة الإرهاب التي ضربت مركز التجارة العالمي (التوين سينتر): “إما أن تكونوا معنا أو ضدنا، ولا وجود لأيّ احتمال ثالث”!

إننا عندما نقول لهؤلاء إنّ قضيتنا الأولى هي وحدتنا الترابية، وهي سبتة ومليلية واستكمال الاستقلال الفعليّ لمجموع ترابنا الوطني، وهي صحراؤنا… يتهموننا ب”الصَّهْيَنَة”، ويُخرجون لنا أرنب “التطبيع” من أكمام عِباياتهم ومن تحت كوفياتهم، كما يفعل الحُواة. فأيّ منطق هذا؟ هل كان الفلسطينيون أنفسهم، وعلى رأسهم الراحل ياسر عرفات ومحمود عباس، إلاّ أول المعترفين بمغربية الصحراء؟ ومعترفين في الوقت ذاته بدولة إسرائيل؟ وداخلين معها في شبكات معقدة من المعاملات، الظاهر منها والخفيّ، وما خفي منها أعظم بكل تأكيد؟!

ثمّ… لماذا يصمت هذا الخماسي صمت القبور عندما يتعلق الأمر بإسبانيا التي تحتل أرضنا؟ إننا لم نسمع لهم رَكْزاً، ولا حتى همساً، عندما زار فيليبي السادس سبتة ومليلية قبل أيام. لماذا لم ينظّموا وقفة أمام سفارة إسبانيا بمثلما نظموا تلك الوقفة مرات متكررة أمام مبنى البرلمان بالرباط؟

لماذا يصمتون عن الجزائر التي تغلق الحدود وتسلح البوليساريو، وتُرسل لنا جهاتُها الرسميةُ وغيرُ الرسميةِ على مدار الأيام والساعات رسائل التهديد والوعيد؟!

وموازاةً مع ذلك الصمت المُريب، يملؤون الدنيا صَخَباً وصراخاً إذا تعلق الأمر بمناورة عسكرية مغربية أمريكية، أو تعلق باتفاق فلاحي، أو بشراكة في مضمار التكنولوجيا… حيث يتحوّلون إلى أسودٍ ضاريةٍ على المغرب، ونعاماتٍ مُتخفّيةٍ أمام من يحتل أرضنا فعلا… أليست هذه قمةَ التناقض؟!

تعالوا لنسأل: من يمثل المغاربة فعلا، ومن فوض لهؤلاء الخمسة صلاحية التحدُّث باسم المغاربة؟

هناك واحد يمثل حزبا فقد بوصلته وأصبح يبحث عن أي ورقة للعودة للأضواء؛
وهناك أخرى تمثل حزبا على وشك الانقراض ولذلك ينفجر فرحاً بالحصول على بضعة مقاعد يتيمة لا تؤهله حتى لإسماع صوته بين الفرق البرلمانية؛
وهناك ثالث يمثل جمعية حقوقية فقدت مصداقيتها حين تحولت من الدفاع عن حقوق المغاربة إلى الدفاع عن أطروحات خصوم المغاربة.
ثم هناك رابع وخامس يمثّلان نفسيهما ومَن يدور في فلكهما في ندوات مغلقة على اليوتيوب، وأخرى متستّرة خلف حيطان التنكّر لقضايا الوطن!

إنّ المغاربة الأحرار قد قالوا كلمتهم: “نَعَمْ فلسطين في القلب، ولكن المغرب قبل ذلك في العروق”، ولا تناقض بينهما مطلقاً. ومن يحاول أن يجعلنا نختار، فهو لا يخدم لا فلسطين ولا المغرب، وإنما يخدم أجندة أخرى يعرفها سوادُنا الأعظمُ جيداً.

يا حضرات… يا خماسي المزايدة، كفّوا عن المزايدة على وطنية المغاربة. فنحن لا نحتاج إلى دروس منكم في حب فلسطين، فحبها يجري في دمائنا منذ 1948، عندما كان أكبركم سِنّاً يتعلمُ بالكاد كيف يرتدي سرواله… لكننا نحتاج منكم أن تفهموا أن حب فلسطين لا يمر عبر الدَّوْسِ على كرامة المغرب والمغاربة، ولا عن طريق التنكر لقضاياهم الوطنية الكبرى والأحق من كل ما دونها بالأولوية.

نهايته… إنّ القضية الفلسطينية قضية عادلة، لكنها لن تنتصر بأيدي مَن يطعنون وطنهم في الظهر. ومَن أراد أن يدافع عن غزة حقاً، فليدافع أولاً عن وحدة وطنه حتى لا يكون مهلهلاً من الداخل، لأن الضعيف الممزق داخلياً لا يمكن أن ينصر أحداً مهما قال ومهما فعل.

عودوا إذَنْ إلى رشدكم، وانزلوا من بُرج “مزايداتكم المقدسة” تلك، لأن المغاربة أذكياء، ولأنهم يميزون بفطرتهم جيداً بين مَن يدافع فعلاً عن فلسطين حباً فيها، ومن يتخذها مطية لجلد المغرب والتنكّر لقضاياه المصيرية… و… عجبي!!!
____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى