تونس… هل بدأت مرحلة الحصاد الشعبي؟
من غضب السبت إلى تهديد النقابات بمواصلة النزول إلى الشارع… هل تستيقظ ثورة الياسمين لإنصاف روح محمد البوعزيزي؟ وقيس سعيّد أمام حصيلة حكمه: غلاء المعيشة، وتراجع الحريات، واعتقال المعارضين، واتساع النفوذ الجزائري، وأزمة دبلوماسية مع المغرب بسبب استقبال زعيم البوليساريو.

تونس… هل بدأت مرحلة الحصاد الشعبي؟
من غضب السبت إلى تهديد النقابات بمواصلة النزول إلى الشارع… هل تستيقظ ثورة الياسمين لإنصاف روح محمد البوعزيزي؟ وقيس سعيّد أمام حصيلة حكمه: غلاء المعيشة، وتراجع الحريات، واعتقال المعارضين، واتساع النفوذ الجزائري، وأزمة دبلوماسية مع المغرب بسبب استقبال زعيم البوليساريو.
بقلم: بوشعيب حمراوي
لم ينتهِ الغضب التونسي بانتهاء مظاهرات السبت 17 أكتوبر 2026. فبعد أن غادر آلاف المحتجين شارع الحبيب بورقيبة، ظلت أصواتهم تتردد داخل المشهد السياسي والنقابي، قبل أن يأتي يوم الاثنين 19 أكتوبر بمؤشرات تؤكد أن التعبئة مرشحة للاستمرار، وأن ما جرى قد لا يكون سوى بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين الشارع والسلطة.
فقد حذر سلوان السميري، الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، من استمرار إغلاق أبواب الحوار، مؤكدًا أن الشارع يصبح بديلًا عندما تُقلب طاولة الحوار. كما برز توجه داخل الاتحاد إلى استمرار التنسيق بين المنظمات النقابية والحقوقية والمهنية، وعدم الاكتفاء بمظاهرة واحدة.
ولعلها المرة الأولى منذ مدة التي تتجمع فيها هذه المطالب المختلفة، من غلاء المعيشة والبطالة ونقص الأدوية وتردي الخدمات، إلى الدفاع عن الحريات واستقلال القضاء وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، داخل حركة احتجاجية واسعة تضم أطيافًا متعددة من المجتمع.
لم يعد الأمر مجرد احتجاج على الأسعار، ولا مجرد خلاف بين رئيس ومعارضيه. فالتونسيون يطرحون سؤالًا أشمل: ماذا بقي من أحلام الثورة التي انطلقت من سيدي بوزيد، وأين وصلت البلاد بعد سنوات من حكم قيس سعيّد؟
هل تستيقظ ثورة الياسمين لإنصاف روح البوعزيزي؟
في 17 ديسمبر 2010، أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده بعدما وجد نفسه محاصرًا بالإهانة والحرمان وانسداد الأفق. ومن تلك المأساة انطلقت ثورة أطاحت بنظام زين العابدين بن علي، وفتحت أمام التونسيين باب الأمل في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وبعد قرابة ستة عشر عامًا، عاد التونسيون إلى الشارع حاملين مطالب تذكر بأسباب تلك الثورة.
فالعامل يريد أجرًا يضمن العيش الكريم، والمعطل يريد فرصة عمل، والمريض يريد دواءً متاحًا، والصحفي يريد ممارسة مهنته دون خوف، والمحامي يريد قضاءً مستقلًا، والمواطن يريد دولة تحترم كرامته وحقوقه.
إن روح البوعزيزي لا تحتاج إلى تمثال أو احتفال سنوي، بل إلى إنصاف حقيقي للمطالب التي جعلت تضحيته عنوانًا لمرحلة تاريخية.
وما يعطي احتجاجات أكتوبر دلالتها أن الشارع عاد يجمع بين المطلب الاجتماعي والمطلب السياسي، بين الخبز والحرية، وبين الدفاع عن المعيشة اليومية والمطالبة بمحاسبة السلطة.
فهل تكون هذه التعبئة شرارة توقظ ثورة الياسمين من جديد، أم تبقى حلقة أخرى من حلقات الغضب المتراكم؟
الاتحاد العام للشغل… عندما يصبح الشارع طاولة الحوار
حملت مسيرة السبت شعار «العمل، الحرية، الكرامة الوطنية»، بمشاركة منظمات وطنية، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل، ونقابة الصحفيين، وهيئة المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمات مدنية وحقوقية أخرى.
والجديد ليس عدد المشاركين وحده، وإنما تقاطع مطالب هيئات ظلت تتحرك في مجالات مختلفة.
فحين يجتمع العامل والصحفي والمحامي والحقوقي والمعطل حول الدفاع عن الحريات والحقوق الاجتماعية، تصبح السلطة أمام مساءلة أوسع من مجرد خلاف حزبي.
وجاءت تصريحات الاثنين لتضيف بُعدًا جديدًا. فقد أكد الاتحاد تمسكه بالحوار، لكنه شدد على أن إغلاق أبوابه يجعل الشارع وسيلة للتعبير عن المطالب. كما برزت الدعوة إلى توسيع التنسيق بين القوى المشاركة في احتجاجات السبت.
إنها رسالة سياسية واضحة إلى قصر قرطاج: المطالب التي حملتها الجماهير لا تنتهي بمجرد انتهاء المسيرة.
قيس سعيّد… من وعود استعادة السلطة للشعب إلى تركيزها في الرئاسة
وصل قيس سعيّد إلى الحكم سنة 2019 محمولًا على وعود محاربة الفساد وإصلاح المؤسسات وإعادة السلطة إلى الشعب.
لكن مسار حكمه عرف تحولًا حاسمًا منذ 25 يوليو 2021، عندما جمّد البرلمان وأقال الحكومة، قبل أن يحل المؤسسة التشريعية ويعيد تشكيل النظام السياسي وفق دستور 2022 الذي وسّع صلاحيات الرئاسة.
وترافقت هذه التحولات مع انتقادات متزايدة بشأن استقلال القضاء والحريات السياسية، وملاحقات طالت معارضين وصحفيين ومحامين ونشطاء حقوقيين.
وفي 14 أكتوبر 2026، كشفت وكالة رويترز أن عشرين صحفيًا على الأقل يواجهون ملاحقات قضائية، بينهم أربعة داخل السجون.
وهنا تتجلى المفارقة بين شعار إعادة السلطة إلى الشعب، وبين تركيز القرار داخل مؤسسة الرئاسة وإضعاف آليات الرقابة والمحاسبة.
فكيف يمكن بناء دولة قوية عندما تتقلص استقلالية مؤسساتها؟ وكيف يمكن ضمان احترام القانون في مناخ تصبح فيه الحريات موضوعًا دائمًا للاحتجاج؟
إن الرئيس الذي وعد التونسيين بتصحيح المسار أصبح اليوم أمام حصيلة تستدعي المساءلة: أزمة اجتماعية مستمرة، ومعارضة تشكو من الملاحقات، وصحافة تواجه الضغوط، ومؤسسات تثار أسئلة بشأن استقلاليتها.
تونس والجزائر… هل أصبح الدعم الاقتصادي أداة للنفوذ السياسي؟
لا يمكن قراءة حصيلة حكم قيس سعيّد دون التوقف عند التحول الذي عرفته علاقات تونس بالنظام الجزائري.
فقد تعزز الدعم المالي الجزائري لتونس منذ سنة 2021، عبر قروض ومساعدات، من بينها قرض بقيمة 300 مليون دولار سنة 2021، وحزمة دعم بالقيمة نفسها سنة 2022، فضلًا عن التعاون الطاقي والأمني والعسكري.
لكن هذه العلاقة لم تعد تثير الأسئلة الاقتصادية وحدها، بل امتدت إلى استقلال القرار السياسي والدبلوماسي التونسي.
وفي دراسة نشرها معهد تشاتام هاوس في نوفمبر 2025، تناولت الباحثة صفاء اليعقوبي تنامي النفوذ الجزائري في تونس، معتبرة أن الاعتماد المالي والطاقي، مقرونًا بالتقارب الأمني والدبلوماسي، أصبح يحد من هامش المناورة التونسي.
كما رصدت الدراسة انتقال السياسة الخارجية التونسية من موقع التوازن التقليدي بين دول المغرب العربي إلى تقارب أكبر مع المواقف الجزائرية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أصبح قصر قرطاج أكثر حرصًا على استرضاء النظام الجزائري من حرصه على تنويع علاقات تونس والحفاظ على استقلال خياراتها؟
إن المساعدات الاقتصادية ينبغي أن تخدم الشعوب، لا أن تتحول إلى وسيلة للضغط السياسي. كما أن التعاون العسكري لا ينبغي أن يضعف قدرة المؤسسات الوطنية على مساءلة القرارات المتعلقة بالسيادة.
وتونس، بتاريخها ومؤسساتها وشعبها، ليست تابعة لأي دولة أخرى. لذلك فإن اتساع النفوذ الخارجي يفرض شفافية أكبر حول الاتفاقيات والالتزامات التي ترسم مستقبلها.
استقبال زعيم البوليساريو… كيف دخلت تونس أزمة لم تكن تحتاج إليها؟
برزت إحدى نتائج هذا التحول الدبلوماسي في أغسطس 2022، عندما استقبل قيس سعيّد إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، استقبالًا رسميًا خلال قمة طوكيو الدولية للتنمية في إفريقيا.
وكانت تلك الخطوة سببًا في أزمة دبلوماسية حادة مع المغرب، الذي اعتبر الاستقبال مساسًا بمصالحه العليا ووحدته الترابية، واستدعى سفيره للتشاور.
فالمغرب يرى في ما يسمى «الجمهورية الصحراوية» كيانًا انفصاليًا تدعمه الجزائر، ويرفض أي تصرف يمنح قيادته اعترافًا رسميًا.
وأثار قرار قيس سعيّد تساؤلات بشأن دوافع الابتعاد عن نهج التوازن الذي اتبعته تونس تاريخيًا في قضية الصحراء.
والمؤلم أن الشعب التونسي، الذي تجمعه بالمغاربة روابط عميقة من المحبة والتاريخ والمصالح المشتركة، وجد علاقات بلاده مع المغرب تتأثر بقرار رئاسي أثار خلافًا كان بالإمكان تفاديه.
فهل كانت تونس في حاجة إلى أزمة دبلوماسية جديدة، وهي تواجه أصلًا أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة؟
يوم خرج محمد السادس إلى شوارع تونس… ذاكرة لا تنسى
وللتاريخ صور تظل حاضرة مهما تبدلت المواقف السياسية.
ففي نهاية ماي وبداية يونيو 2014، زار الملك محمد السادس تونس في مرحلة كانت البلاد تسعى فيها إلى ترسيخ الاستقرار بعد الثورة.
وألقى خطابًا أمام المجلس الوطني التأسيسي، مؤكدًا دعم المغرب للتجربة التونسية، كما أشرف مع الرئيس التونسي آنذاك محمد المنصف المرزوقي على توقيع 23 اتفاقية للتعاون.
لكن الصورة الأكثر حضورًا كانت تلك التي أظهرت الملك محمد السادس يتجول على الأقدام في شوارع العاصمة، ومنها شارع الحبيب بورقيبة، بلباس عادي ومرافقة أمنية محدودة، ويلتقي المواطنين ويتبادل معهم التحية والصور.
كانت تلك الجولة رسالة رمزية قوية لطمأنة التونسيين وزوار بلادهم، ولإظهار أن تونس تستعيد أمنها وحياتها الطبيعية، وأن شوارعها تستحق عودة الثقة والسياحة والاستثمار.
ولذلك ظلت تلك الصور رمزًا للتضامن المغربي مع الشعب التونسي في فترة دقيقة.
ومن حق المغاربة أن يتساءلوا، بعد ذلك كله، عن أسباب القرار الذي اتخذه قيس سعيّد سنة 2022، وأدخل علاقات البلدين في أزمة دبلوماسية.
لكن الخلاف مع قرارات الرئاسة التونسية لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف مع الشعب التونسي، الذي يظل شريكًا تاريخيًا للمغرب في بناء مستقبل مغاربي مشترك.
تونس… هل بدأ الحصاد الشعبي؟
ما جرى يوم السبت 17 أكتوبر، وما أعقبته من تصريحات نقابية يوم الاثنين 19 أكتوبر، أعاد إلى الواجهة سؤالًا لا يستطيع قصر قرطاج تجاهله: إلى متى يمكن استمرار الأزمات الاجتماعية والسياسية دون حوار وإصلاحات تستجيب لمطالب المواطنين؟
إن عودة الاحتجاجات، واتساع التنسيق بين المنظمات النقابية والحقوقية والمهنية، تضع حصيلة حكم قيس سعيّد أمام مساءلة شعبية متجددة.
لكن مستقبل هذه التعبئة سيظل مرتبطًا بقدرتها على الاستمرار، وبمدى تجاوب المؤسسات مع المطالب المطروحة.
لقد خرج التونسيون مطالبين بما خرج من أجله آباؤهم وأبناؤهم قبل ستة عشر عامًا: العمل والحرية والكرامة الوطنية.
ولا يحتاج الشعب التونسي إلى وصاية من الخارج، ولا إلى من يتحدث باسمه بدلًا منه. إنه يحتاج إلى مؤسسات قوية ومستقلة، وإلى احترام حقوقه، وإلى سياسات اقتصادية واجتماعية تعالج أسباب الغضب.
فهل بدأت تونس مرحلة الحصاد الشعبي لسنوات من القرارات والأزمات؟ وهل تكون احتجاجات أكتوبر بداية إنصاف متأخر لروح محمد البوعزيزي؟
الأيام المقبلة وحدها ستجيب.
أما الدرس الذي تعيده شوارع تونس اليوم، فهو أن ثورة الياسمين لم تكن مجرد ثورة لتغيير رئيس، بل كانت حلمًا بتغيير حياة شعب.
وإنصاف روح البوعزيزي لا يكون بإشعال نار جديدة، بل بإطفاء أسباب النار الأولى: الفقر والإهانة والتهميش والظلم وانسداد الأفق.



