قطاع التعليم على صفيح ساخن.. من يتحمل فاتورة الإصلاح المبتور؟

قطاع التعليم على صفيح ساخن.. من يتحمل فاتورة الإصلاح المبتور؟
بقلم الهادي اليمني
لم تجف بعد مداد مراسيم تعيين الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، ولم يلتقط وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة الجديد نبيل بنعبد الله أنفاسه داخل مكتبه بمقر باب الرواح، حتى وجد نفسه أمام مشهد لم يعد غريبا على القطاع: ساحة الوزارة تغص بمئات المحتجين، وساحة البرلمان تتحول إلى مبيت ليلي لأساتذة التعليم الأولي قبل أن تتدخل القوات العمومية لتفريقهم.
المشهد مستفز في توقيته، ومقلق في دلالاته. فلماذا ينفجر الشارع التعليمي بهذه السرعة، ولماذا تستقبل الحكومة الجديدة بهذا الغضب المكتوم؟

الجواب، في تقديرنا، لا يحتاج إلى كثير من التحليل السياسي. نحن أمام تحصيل حاصل، وفاتورة مؤجلة لسوء تدبير مرحلة كاملة.
لقد عاش قطاع التربية الوطنية خلال حكومة عزيز أخنوش، وتحت مسؤولية الوزيرين محمد برادة ثم شكيب بنموسى، أكبر عملية إصلاح معلن: خارطة الطريق 2022-2026، وتتويجها بالنظام الأساسي الجديد لموظفي التربية الوطنية.
على الورق، كانت الشعارات كبيرة: مدرسة الجودة، العدالة، والارتقاء. على الأرض، كان التدبير مرتبكا ومجزأ.
الخطأ الاستراتيجي القاتل كان هو التعامل مع الموارد البشرية كرقم إداري لا كشريك في الإصلاح. لدينا أكثر من 260 ألف موظف وإطار، موزعين على ست فئات مهنية حددها النظام الأساسي نفسه، وكل فئة لها تاريخها ومطالبها وجراحها. بدل أن يبني الوزيران رؤية موحدة تخلق الالتزام والانخراط، اختارا منطق التجزيء.
جاء النظام الأساسي الجديد ليس كعقد اجتماعي يوحّد الأسرة التعليمية، بل كخطة مدروسة – عن قصد أو عن سوء تقدير – لزرع الشتات.
في تقدرينا وضع النظام الأساسي بمنطق “فرق تسد”، كيف ذلك ؟
من خلال تفاوت فج ومستفز في توزيع الامتيازات والتعويضات والمسارات المهنية. فئة تمت المبالغة في إرضائها حد المحاباة، وكأن المطلوب منها أن تبارك كل قرارات الوزير وتصفق لخارطة الطريق. وفئات أخرى شعرت، عن حق، أنها وضعت على هامش الهندسة الجديدة، بلا أفق ترقية حقيقي، وبلا اعتراف بأدوارها المحورية.
أساتذة التعليم الأولي، الذين نراهم اليوم يفترشون الأرض أمام البرلمان، هم النموذج الأوضح. هم قاعدة الهرم، هم أول من يستقبل الطفل المغربي، ومع ذلك ظلوا في وضعية هشاشة تعاقدية وأجور لا تحفظ الكرامة. الأساتذة وهيئة الإدارة التربوية والمتصرفون ، والأطر المختصة والمساعدون الإداريون.. كل هذه الفئات خرجت من النظام الأساسي وهي تحمل جزءا من الخيبة.
النتيجة: بدل أن نكسب تعبئة جماعية حول الإصلاح، خلقنا جبهات احتجاجية، كل واحدة تغني على ليلاها، وكل واحدة تعتبر نفسها ضحية للفئة الأخرى. وهذا هو الفشل التدبيري بعينه.
امام هذا الإرث الثقيل من الهيئات، ماذا على الوزير الجديد أن يفعل؟
الوزير نبيل بنعبد الله لا يتحمل مسؤولية هذا الإرث، لكنه سيتحمل مسؤولية تدبيره. الكرة اليوم في ملعبه، والتحدي ليس تقنيا بل سياسيا ونفسيا بالدرجة الأولى.
المطلوب ليس إصدار بلاغات تطمئن، ولا عقد لقاءات بروتوكولية مع النقابات الأكثر تمثيلية فقط. المطلوب هو:
أولا: مصارحة وطنية. الاعتراف بأن النظام الأساسي الحالي لم يحقق العدالة المهنية. وأن مراجعته ضرورة ملحة.
ثانيا: وقف منطق الإرضاء الانتقائي. أي إصلاح لا يشمل التعليم الأولي بوضعية نظامية عادلة، ولا يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية في القرى والهوامش، هو إصلاح أعرج.
ثالثا: إعادة بناء الثقة. هذه الثقة التي انهارت بين الوزارة والقواعد المهنية لا تعود بالتعليمات، بل بإشراك حقيقي في القرار، وبإخراج ملفات عالقة منذ سنوات من رفوف التسويف: خارج السلم، التعويضات، ساعات العمل، والكرامة المهنية.
قطاع التعليم لا يمكن أن يبقى على صفيح ساخن كل دخول مدرسي. ففي كل مرة نحرق سنة دراسية، نحرق جيلا كاملا من التلاميذ. والحكومة الجديدة التي جاءت بشعار “الدولة الاجتماعية” ستُمتحن أولا في مدرسة أبناء المغاربة وليس في أعمال أخرى مهما كانت اهميتها.



