كتاب البديل

فرنسا اللحظة الراهنة: كيف أصبحت مارين لوبان أستاذة في الوطنية؟!

فرنسا اللحظة الراهنة: كيف أصبحت مارين لوبان أستاذة في الوطنية؟!

محمد عزيز الوكيلي

قبل أن تكون فرنسا جمهورية خامسة، دولةً، ورئيساً، وبرلماناً، ومؤسسات، كانت في بدايتها مجرد فكرة. فكرة صاغها مونتسكيو الذي ابتكر نظام فصل السُّلَط، حتى لا يستبد حاكم من حُكامها فيستفرد بالبلد؛ وفولتير، الذي جعل من التسامح عقيدةً ومن محاربة التعصب واجباً وطنياً، فكان فكره من بين المقدمات الأساسية للشعار الفرنسي الخالد: “حرية عدالة إخاء”؛ وفيكتور هيغو، الذي ربط بين الأُخوّة الإنسانية والعدالة الاجتماعية في روايته البؤساء، حتى كاد يترجم الأفلاطونية في بعدها المجتمعي المتقدّم بصيغة فرنسية أصيلة؛

وحتى جاك إيف كوستو، عالم المحيطات، الذي علّم الفرنسيين أن حب الوطن هو أيضا حب الأرض والبحر والعالم وساكناتها غير البشرية، وخاصة المائية والبرمائية، وأخرى لم يكن وجودها يدور ببال أحد من العالَمين… تلكم هي فرنسا التي ألهمت العالم بشعارها الثالوثي: “حرية، مساواة، أخوة”.

والحال أن هذه الفلسفة بالذات، هي التي أقام عليها الجنرال ديغول سنة 1958 صروح “الجمهورية الفرنسية الخامسة”. جمهورية قويةً، متماسكةً، وذات سيادة، ولا تخضع لأيٍّ من مُعسكرَيْ الحرب الباردة. جمهورية مؤسسات صلدة، ووسط جمهوري قويّ يُحسَبُ له حسابه داخل البلاد وخارجها على السواء، فكان ذلك هو الضامن للاستقرار.

أما اليوم، فهذه السلسلة القوية الممتدة من فولتير إلى ديغول هي التي انقطعت وانفصمت عُراها، وتدهورت أوصالُها أمام ذهول الفرنسيين أنفسهم، وذهول العالم الحر من حولهم.

لم تعد فرنسا التي نعرفها، فرنسا الجنرال ديغول، وديستان، وميتران، وشيراك، بلد الوسط الجمهوري المتين. بل صرنا بإزاء بلد منقسم، مرهق، مديون، ومهلهل، إلى درجة صارت معها زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، التي كان يُنظر إليها لعقود كخارجة عن الجمهورية ومتمردة على مبادئها ونُظُمها، هي مَن تعطي الدروس في الدستور، والوطنية، ومبادئ فرنسا وشعارها الخالد: “حرية، مساواة، أخوة”.

فكيف وصلت فرنسا إلى هذا الدرك الأسفل، حتى لا أقول “الأسفل سافلين”؟
هناك في البداية فراغ الوسط، المؤشر على نهاية عهد ماكرون، الذي يمكن اعتباره بلا مغالاة من أضعف الرؤساء الثلاثة الأخيرين، الذين تعاقبوا بعد فرانسوا ميتران، الاشتراكي الجهبذ. ثم هناك تدهور وزنها دولياً، تؤكد ذلك أخبارٌ غيرُ رسمية تَروج في أوساط فرنسية وازنة تتهم بشكل صريح كلا من الجزائر وروسيا وأيران بصب الزيت في نيران الأحداث الأخيرة التي تشهدها “خيمة ماكرون” راهناً، وقد تكشف الأيام القادمة عن مدى صدق هذه الادعاءات.

رغم كل هذه المعطيات المثيرة، أظهر استطلاع لمؤسسة Toluna Harris Interactive أُجرِيَ يوم 12 أكتوبر الجاري صدمة حقيقية، جديرة بالتوثيق في سجل غينيس ليس كرقم قياسي، وإنما كظاهرة خارقة للتوقعات، مفادها أن مارين لوبان تتصدر الدور الأول بين 35 و 37%، وميلونشون زعيم اليسار المتطرف 17-18% فقط، بينما الوسط الذي تركه إيمانويل ماكرون مجوّفا ومنهارًا لم يحقق أكثر من 45.1%.

ماكرون، الذي جاء ليقضي على اليمين واليسار، انتهى به الأمر إلى أنه قضى هو ذاتُه على الوسط نفسه. وفي هذا السياق أفاد تقرير لوكالة رويترز بالحرف، أن ماكرون “ترك وراءه وسطاً سياسياً منخوراً، واقتصاداً واهناً، مما فتح المجال لتنمّر الأحزاب المتشددة”.

في هذا الفراغ، تقدمت لوبان ليس بوصفها واحدة من المتذمّرين المحتجّين الذين ملأوا الساحات العمومية وأثخنوا فسادا في البلد، بل تقدمت كمشروع رئيسة بديلة للجمهورية.

وهنا تتجلى المفارقة الدستورية، المتمثلة في جلوس مارين لوبان أمام عدسات الكاميرات بوصفها منافحة عن الجمهورية. فقبل أيام قلائل، طالبت لوبان باستقالة رئيس المجلس الدستوري ريشار فيران، لأنه ذكّرها بأن الدستور لا يمكن تعديله إلا بمقتضى المادة 89، وليس بالاستفتاء، الذي تقتضيه المادة 11 والذي تطمع هي في استخدامه.

تصوّروا معي هذا المشهد: المجلس الدستوري، حامي دستور 1958، يتلقى من لدن مارين لوبان اتهاما صريحاً بأنه لا يفهم في الدستور، وبدت كأنها ترغب في فرض “قاعدة ذهبية جديدة” في دستور بات محط استهجان الكثيرين في فرنسا اليوم، ليس لسوءٍ في قِوامه، وإنما لعَطَلٍ في تنزيل أحكامه ومقتضياته. وقالت إنها تطمح من وراء ذلك إلى تخفيض العجز المالي بوتيرة سنوية، ومن خلاله إلى إعادة فرنسا لمعدل مديونية منخفض نسبياً، يتراوح بين 60% أو أقل قليلاً، من الدَّين، بدلاً من نسبة 119% الجاثمة حاليا على عنق الخزينة العامة.

لعلكم تتذكرون أن هذه اليمينية المتشددة كانت بالأمس القريب متّهَمةً بأنها ضد الجمهورية، ولكنْ ها هي اليوم تقدم نفسها كحارسة لسيادة الدولة وانضباطها المالي، طارحةً فوق طاولة الجدال الدائر والصاخب “ميزانيةَ ظِلٍّ”، كما سمّتها، في وسعها أن توفر 25 مليار يورو سنويا، بهدف طمأنة الأسواق المالية التي تُبدي توقعها وخوفها من انهيار منظومة السندات الفرنسية.

ثم هناك فرنسا التي تبحث عن نفسها، وسط صخب حارقٍ ودامٍ جعلها تقف اليوم مشدوهةً أمام الجرأة الزائدة لليمينية مارين لوبان، التي استمدت جرأتها وتطاولها ليس من قوتها الشخصية والذاتية، بل استمدتها من ضعف فرنسا نفسها، التي وصل الدّيْن العمومي فيها، كما سلف القول، إلى 119% من الناتج المحلي؛
وارتفعت تكاليف الاقتراض فيها إلى مستويات قياسية لم تشهدها فرنسا منذ بداية هذه الألفية؛ وانتشر في مختلف أوساطها السياسية والفكرية والثقافية والشعبية إحساس عام، وعارم، بأن شعار الجمهورية أصبح فارغاً، وأن الهجرة والأمن والقدرة الشرائية والهوية… كلها باتت تطرح أسئلة شائكة وحارقةً لم يعد الوسط الحاكم قادراً على حملها، ولا مؤهّلاً للإجابة عنها.

انطلاقاً من كل هذه المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية النظرية، والمعاينات الميدانية، نجد أنه عندما تتحدث مارين لوبان اليوم عن “أوروبا الأمم”، وتدّعي، على حد قولها، بأن فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا يمكن أن تغير دفّة سفينة الاتحاد الأوروبي، المشرفة على الغرق، ثم نجد مُتَلَقّيها يصفّقون لها بالأيدي والأرجل بصفتهم ناخبين، ندرك نحن بأن هؤلاء، وهم كُثرٌ، لم يعودوا يرون في “فرنساهُمْ” لا الوطنية ولا مبادئ الحرية والعدالة والأخوة.

نهايته… إن ما يحدث في فرنسا، اليوم، ليس صعودَ مارين لوبان إلى مراتب أعلى فقط، بل الذي يحدث تحت سمائها هو السقوط المدوّي للسردية، بشكل يقف أمامه التاريخ الفرنسي حائراً، وهو الذي كان في أزمنة مضت يشكّل بوصلة التاريخ الأوروبي، بل الإنساني قاطبة.
ذلك أن اليمين المتطرف لم يعد يطرق باب الجمهورية، بل دخل وجلس في الصالون وأخذ يلقي دروسا في الوطنية، لأن أصحاب البيت الأصليين تركوه فارغاً. ومن طبيعة الأشياء أن الساحات الفارغة لا تلبث أن تملأها الغربان.

والآن فالسؤال المطروح ليس هو “هل ستفوز مارين لوبان في انتخابات أبريل 2027″؟ بل السؤال هو: “ماذا بقي من فرنسا التي كانت تعطي دروسَ الوطنية للعالم، فتدنّت، وتساقطت أوراقها في “موسم ماكرون الخريفيّ”، حتى صارت فيها مارين لوبان أستاذة في الوطنية… و… عجبي!!!
____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى