نبض الشارعالسياسية

المغرب على سكة ثورة سككية تاريخية… 134 مليار درهم لإعادة رسم خريطة النقل والتنمية في أفق 2030

من تمديد القطار فائق السرعة إلى مراكش، وإحداث القطارات الجهوية السريعة، وربط المطارات والموانئ والملاعب، إلى الحاجة لمحطة بمدينة بنسليمان والتعجيل بإنجاز محطة بوزنيقة… مشاريع كبرى تفتح آفاقًا جديدة وتطرح تحديات العدالة المجالية والاجتماعية

المغرب على سكة ثورة سككية تاريخية… 134 مليار درهم لإعادة رسم خريطة النقل والتنمية في أفق 2030

من تمديد القطار فائق السرعة إلى مراكش، وإحداث القطارات الجهوية السريعة، وربط المطارات والموانئ والملاعب، إلى الحاجة لمحطة بمدينة بنسليمان والتعجيل بإنجاز محطة بوزنيقة… مشاريع كبرى تفتح آفاقًا جديدة وتطرح تحديات العدالة المجالية والاجتماعية

بقلم: بوشعيب حمراوي

المغرب لا يبني سككًا حديدية فقط… بل يعيد رسم خريطته التنموية

لم يعد الحديث عن تطوير السكك الحديدية بالمغرب مقتصرًا على إضافة قطارات جديدة، أو تحديث محطات قديمة، أو اختصار مدة السفر بين مدينتين. فالمملكة مقبلة على تحول استراتيجي واسع قد يغير، خلال السنوات المقبلة، أساليب تنقل المواطنين، وخريطة الاستثمار والتشغيل، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين المدن والأقاليم والجهات.

إنها ثورة سككية تتجاوز بعدها التقني والهندسي لتشمل إعادة تنظيم المجال الترابي، وتقريب المسافات، وربط مناطق السكن بأقطاب العمل والدراسة والخدمات، وفتح آفاق جديدة أمام مناطق ظلت لعقود خارج الشبكة السككية أو على هامش محاورها الرئيسية.

وقد كشف وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، في أكتوبر 2026، أن المغرب يواصل تنفيذ برنامج استثماري سككي، مرفق ببرنامج تكميلي، تبلغ قيمته الإجمالية 134 مليار درهم في أفق سنة 2030، بعدما كان البرنامج الأساسي المعلن سابقًا محددًا في 96 مليار درهم.

ويشمل هذا الورش الضخم تمديد الخط فائق السرعة، وتطوير قطارات القرب والقطارات الجهوية السريعة، واقتناء 168 قطارًا جديدًا، وربط البنيات الاقتصادية واللوجستية الكبرى بالشبكة السككية، إلى جانب تحديث المنشآت والمحطات القائمة.
لكن أهمية هذه المشاريع لا تكمن فقط في حجم الأموال المرصودة لها، وإنما في قدرتها على إحداث تحول حقيقي في حياة المواطنين، وتقليص الفوارق المجالية، وجعل النقل السككي خدمة عمومية متاحة لأوسع فئات المجتمع.

من طنجة إلى مراكش… القطار فائق السرعة يختصر المسافات

شكل دخول قطار البراق الخدمة التجارية بين طنجة والقنيطرة سنة 2018 منعطفًا تاريخيًا في النقل السككي بالمغرب وإفريقيا.
واليوم ينتقل المغرب إلى مرحلة جديدة من خلال تمديد الخط فائق السرعة من القنيطرة إلى مراكش، على طول يقارب 430 كيلومترًا، باستثمار يبلغ نحو 53 مليار درهم للبنيات والتجهيزات، خارج تكلفة اقتناء القطارات.

وقد أعطى الملك محمد السادس، يوم 24 أبريل 2025، الانطلاقة الرسمية لهذا المشروع، الذي يهدف إلى إقامة محور سككي سريع يمتد من شمال المملكة إلى مراكش، ويربط أهم المراكز الإدارية والاقتصادية والسياحية.

ووفق الأهداف المعلنة، ستتقلص مدة السفر بين طنجة والرباط إلى ساعة واحدة، وبين طنجة والدار البيضاء إلى ساعة وأربعين دقيقة، وبين الدار البيضاء ومراكش إلى ساعة وربع، وبين طنجة ومراكش إلى ساعتين وأربعين دقيقة.

كما سيمكن المشروع من ربط الرباط بمطار محمد الخامس الدولي في حوالي 35 دقيقة، مع خدمة المنشآت الرياضية الكبرى، ومنها الملعب الكبير الحسن الثاني بإقليم بنسليمان.
وفي ماي 2026، أعلنت وزارة النقل واللوجستيك أن نسبة تقدم أشغال المشروع بلغت نحو 30 في المائة، مع استهداف دخوله الخدمة في شتنبر 2029.

ولا تقتصر أهمية الخط الجديد على السرعة واختصار الزمن، بل تشمل تحرير طاقة استيعابية على الشبكة التقليدية، بما يسمح بتكثيف خدمات قطارات القرب والقطارات الجهوية ونقل البضائع، وتخفيف الضغط عن الطرق الوطنية والسيارة.

168 قطارًا جديدًا… وفرنسا وإسبانيا وكوريا الجنوبية تدخل على الخط

من أبرز مكونات البرنامج الوطني صفقة اقتناء 168 قطارًا من الجيل الجديد، بغلاف مالي يبلغ 29 مليار درهم.
وقد أعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية، في 26 فبراير 2025، إسناد الصفقات إلى ثلاث مجموعات صناعية دولية.
حصلت المجموعة الفرنسية «ألستوم» على صفقة تصنيع 18 قطارًا فائق السرعة، فيما فازت الشركة الإسبانية «CAF» بصفقة 40 قطارًا مخصصًا للربط بين المدن.

أما الشركة الكورية الجنوبية «هيونداي روتيم»، فقد حصلت على صفقة 110 قطارات مخصصة لخدمات النقل الجهوي السريع وقطارات القرب.

والمهم في هذه الصفقات أنها لا تقتصر على شراء معدات جاهزة من الخارج، بل تتضمن التزامات صناعية وتكنولوجية، من بينها إحداث مصنع بالمغرب لتصنيع قطارات القرب، وتطوير منظومة صناعية وطنية مرتبطة بالسكك الحديدية.

وهنا يبرز رهان استراتيجي آخر، يتمثل في الانتقال من استيراد القطارات إلى اكتساب الخبرة في صناعتها وصيانتها، وتأهيل الكفاءات المغربية، وإحداث فرص شغل صناعية وتقنية، تمهيدًا لتطوير قدرات التصدير نحو الأسواق الإفريقية وغيرها.
فلا معنى لاستثمار عشرات المليارات في التجهيزات إذا لم يترك وراءه صناعة وطنية ومعرفة تقنية ومهارات مغربية قادرة على الاستمرار والتطور.

الدار البيضاء الكبرى… 20 مليار درهم لتغيير وجه النقل اليومي

تعتبر جهة الدار البيضاء سطات من أبرز المجالات المستفيدة من البرنامج السككي الجديد.
ففي شتنبر 2025، أُطلقت مشاريع كبرى لتطوير الشبكة الحديدية بالعاصمة الاقتصادية ومحيطها، باستثمار يبلغ نحو 20 مليار درهم.
ويتضمن البرنامج إنجاز خطوط وتجهيزات سككية جديدة، وإحداث محطات عصرية، وتأهيل محطات قائمة، وربط الأقطاب السكنية والاقتصادية بمطار محمد الخامس الدولي والملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان.

كما يشمل تطوير البنيات السككية بين المحمدية والنواصر، وصولًا إلى تخصيص ستة مسارات للقطارات في المقاطع المعنية: مساران للقطارات فائقة السرعة، ومساران لقطارات القرب، ومساران للقطارات الأخرى.
ويشكل مشروع القطار الجهوي السريع، المعروف اختصارًا باسم RER، قلب هذا التحول.
إنه نمط للنقل يقوم على توفير قطارات منتظمة ومتقاربة المواعيد تربط الأحياء والمدن والضواحي، وتمكن المواطنين من التنقل اليومي بين محل السكن ومقر العمل أو الدراسة دون الاعتماد الكامل على السيارات والحافلات.

ثلاثة خطوط جهوية سريعة… من الملعب الكبير ببنسليمان إلى المطار والدار البيضاء

وفق التصور الرسمي المعلن، سيعتمد مشروع قطارات القرب بالدار البيضاء الكبرى على ثلاثة خطوط رئيسية يبلغ مجموع أطوالها نحو 92 كيلومترًا.
الخط الأول سيربط محطة الملعب الكبير الحسن الثاني ببنسليمان بمطار محمد الخامس الدولي.
أما الخط الثاني فسيربط محطة الملعب الكبير الحسن الثاني بمحطة الدار البيضاء الميناء.
في حين سيربط الخط الثالث محطة الدار البيضاء الميناء بمطار محمد الخامس.

ومن المرتقب أن تصل وتيرة مرور القطارات على بعض المقاطع المشتركة إلى قطار كل سبع دقائق ونصف، وهو تحول كبير مقارنة بوتيرة العديد من خدمات النقل السككي الحالية.
كما يتضمن المشروع إحداث خدمة مباشرة بين محطة الدار البيضاء الميناء ومطار محمد الخامس، بمعدل قطار كل 15 دقيقة.
وسيتم تعزيز الربط الجهوي نحو الجديدة وسطات، من خلال قطارات منتظمة كل نصف ساعة، وفق البرنامج المستهدف.

وتشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية نقل نحو 150 ألف مسافر يوميًا عند بداية تشغيل المنظومة، بما يعادل حوالي 35 مليون مسافر سنويًا وفق الفرضيات المعلنة.
ومن شأن هذا المشروع أن يساهم في تخفيف الازدحام المروري وتقليص استهلاك الوقود والانبعاثات الملوثة، فضلًا عن تحسين ظروف التنقل اليومي لعشرات الآلاف من المواطنين.

عشر محطات جديدة… وقطارات بسرعة تصل إلى 160 كيلومترًا في الساعة

لن يقتصر المشروع على مد السكك وتشغيل القطارات، بل يتضمن إحداث عشر محطات جديدة لقطارات القرب، إلى جانب تأهيل محطات قائمة.
ومن المحطات الجديدة المعلنة: المحمدية الكليات، وزناتة، وسيدي البرنوصي، وعين السبع، والحي المحمدي، والمدينة الجديدة، ومرس السلطان، والوازيس، وسيدي معروف، والنواصر.

وتمثل هذه المحطات عناصر أساسية لإنجاح المنظومة، لأن جدوى القطار لا تقاس فقط بسرعته، وإنما بقرب محطاته من التجمعات السكنية والجامعات والمعامل والمستشفيات والمرافق العمومية.
كما يشمل البرنامج إنجاز محطات استراتيجية كبرى، من بينها محطة الدار البيضاء الجنوب، ومحطة مطار محمد الخامس، ومحطة الملعب الكبير الحسن الثاني.

ويتضمن المشروع اقتناء 48 قطارًا لخدمات القرب والنقل الجهوي، بقيمة تقارب سبعة مليارات درهم دون احتساب الضرائب.
وستصل السرعة القصوى لهذه القطارات إلى 160 كيلومترًا في الساعة، مع طاقة استيعابية تتجاوز ألف مكان للقطار الواحد.
غير أن السرعة القصوى لا تعني السير بهذه السرعة طوال الرحلة، لأن المدة الفعلية تتأثر بعدد المحطات والتوقفات وطبيعة الخط وأنظمة السلامة.

والرهان الأساسي هو توفير خدمة منتظمة وآمنة وقادرة على استيعاب أعداد كبيرة من المسافرين، مع تسهيل الانتقال بين القطار والحافلة والترامواي وسيارات الأجرة.

إقليم بنسليمان… الحاجة إلى محطة بعاصمة الإقليم والتعجيل بإنجاز محطة بوزنيقة

يحمل البرنامج السككي الوطني أهمية خاصة لإقليم بنسليمان، الذي يتمتع بموقع استراتيجي بين قطبي الرباط والدار البيضاء، ويشهد توسعًا عمرانيًا وديمغرافيًا واقتصاديًا، لكنه لا يزال يعاني اختلالات واضحة في منظومة النقل الجماعي، وخصوصًا في الربط اليومي بين مدينة بنسليمان والمحمدية والدار البيضاء.
وقد أعاد مشروع الملعب الكبير الحسن الثاني وضع الإقليم في قلب الاستثمارات الوطنية الكبرى، بعدما تقرر ربط محطة الملعب بشبكة القطارات الجهوية السريعة، بما يتيح التنقل نحو الدار البيضاء ومطار محمد الخامس.

غير أن هذا المكسب يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى استفادة سكان مدينة بنسليمان نفسها من هذه البنية الجديدة، خصوصًا أن محطة الملعب لا تعني بالضرورة وجود محطة للقطار داخل عاصمة الإقليم.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة إمكانية إحداث محطة سككية بمدينة بنسليمان وربطها بالشبكة الوطنية، بما يتيح لسكانها التنقل المنتظم نحو المحمدية والدار البيضاء والرباط وباقي المدن المغربية، ويخفف الضغط المتزايد على النقل الطرقي والحافلات، ويستجيب لحاجيات العمال والطلبة والتلاميذ والمرتفقين.

فمدينة بنسليمان ليست مجرد مجال مجاور لملعب دولي، بل عاصمة إقليم تضم مرافق إدارية وتعليمية وصحية واقتصادية، وتستقبل يوميًا مواطنين من مختلف الجماعات والمناطق المحيطة بها.

وفي السياق ذاته، يظل مشروع بناء محطة جديدة للقطار بمدينة بوزنيقة في انتظار الخروج إلى حيز التنفيذ، رغم إعلان وزارة النقل واللوجستيك، في فبراير 2025، عن برمجة محطة من الجيل الجديد، بمرافق عصرية ومداخل إضافية ومواقف للسيارات.
ولم تتضح بعد معالم انطلاق الأشغال أو الجدولة الزمنية لإنجاز المشروع، في وقت تعرف فيه المدينة توسعًا عمرانيًا متسارعًا وارتفاعًا في حاجيات سكانها لخدمات النقل السككي.

وهو ما يستدعي التعجيل بإنجاز محطة بوزنيقة الجديدة، وتحسين خدمات القطارات المتوقفة بها، ودراسة إدماجها ضمن منظومة القطارات الجهوية السريعة المرتقبة، بما يضمن استفادة ساكنتها من هذه الاستثمارات الضخمة.

فلا ينبغي أن يقتصر نصيب إقليم بنسليمان من الثورة السككية على محطة لخدمة الملعب الكبير، مهما كانت أهميتها، بينما تظل عاصمة الإقليم محرومة من محطة للقطار، وتبقى بوزنيقة في انتظار إنجاز محطتها الجديدة.

إن الرهان الحقيقي هو أن تصبح المشاريع السككية رافعة لتنمية الإقليم بأكمله، لا مجرد تجهيزات مرتبطة بالتظاهرات الرياضية الكبرى.
فالقطار الذي يصل بالمشجع إلى الملعب ينبغي أن يصل بالطالب إلى جامعته، والعامل إلى مصنعه، والمريض إلى مستشفاه، والمواطن إلى وجهته في ظروف تحفظ كرامته ووقته وقدرته الشرائية.
الرباط ومراكش وجهات أخرى… القطار الجهوي يتجاوز العاصمة الاقتصادية

لا تنحصر مشاريع قطارات القرب في جهة الدار البيضاء سطات، بل تشمل الرؤية الوطنية تطوير خدمات مماثلة في جهات الرباط سلا القنيطرة، ومراكش آسفي، وطنجة تطوان الحسيمة، والشرق.
وبالنسبة إلى محور الرباط سلا القنيطرة، يتضمن التصور تطوير خدمات جهوية منتظمة، وتحسين الربط بين القنيطرة والرباط وتمارة والصخيرات، والاستفادة من البنيات السككية الجديدة.
كما تشمل التوجهات المعلنة تطوير خدمات قطارات القرب في محيط مراكش، خصوصًا باتجاه ابن جرير، مع تحسين الوصول إلى المنشآت الرياضية والمراكز الاقتصادية.

غير أن هذه المشاريع تتفاوت من حيث مستوى تقدم الدراسات والتمويل والبرمجة الزمنية، ولذلك ينبغي التمييز بين المسارات المعلنة في إطار التخطيط والمشاريع التي دخلت مرحلة الإنجاز الفعلي.
والأهم أن تصبح قطارات القرب جزءًا من سياسة وطنية متكاملة للنقل، بدل اقتصارها على عدد محدود من المجالات الحضرية الكبرى.

الناظور غرب المتوسط… السكك الحديدية في خدمة الموانئ والصناعة والتجارة

يشمل البرنامج الوطني أيضًا الربط السككي لميناء الناظور غرب المتوسط، باعتباره أحد المشاريع اللوجستية الاستراتيجية للمملكة.
ولا يتعلق الأمر هنا بنقل المسافرين فقط، بل أساسًا بنقل البضائع وربط الميناء بالمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية والأسواق الداخلية والخارجية.
ويمثل تطوير النقل السككي للبضائع فرصة لتخفيف الضغط عن الطرق، وتقليص تكاليف النقل، وتحسين تنافسية المقاولات، والرفع من جاذبية الاستثمار الصناعي والتجاري.
كما يندرج ضمن التوجهات الحكومية مشروع كهربة خط فاس وجدة، بما يمكن أن يساهم في تحديث خدمات النقل السككي بالمنطقة الشرقية.

وهكذا يصبح القطار أداة لدعم التجارة والصناعة والاستثمار وخلق فرص الشغل، وليس مجرد وسيلة لنقل المسافرين.
أكادير وبني ملال… متى تصل السكك إلى المدن التي تنتظر دورها؟
رغم أهمية المشاريع الجارية، فإن خريطة السكك الحديدية بالمغرب لا تزال تطرح إشكالية العدالة المجالية.

فمدن كبيرة ومناطق اقتصادية وسياحية مهمة، من بينها أكادير وبني ملال، لا تستفيد حتى اليوم من ربط سككي مباشر مماثل لما تتوفر عليه مدن المحور الأطلسي.
وقد أعاد البرنامج الحكومي لسنة 2026 إدراج التوسع السككي نحو أكادير وبني ملال ضمن التوجهات المستقبلية.
وبالنسبة إلى مشروع تمديد القطار فائق السرعة من مراكش إلى أكادير، أعلنت وزارة النقل في ماي 2026 استكمال دراسات الجدوى، مع تقدير كلفة المشروع بنحو 55 مليار درهم، واستمرار العمل على تعبئة التمويلات الضرورية.

ويعد هذا التمديد ورشًا هندسيًا معقدًا بسبب التضاريس والمنشآت الفنية المطلوبة، ولا ينبغي الخلط بين استكمال الدراسات واتخاذ قرار نهائي ببدء الأشغال.
أما الربط السككي ببني ملال، فيظل بدوره من المشاريع التي تستدعي تسريع الدراسات وتوضيح البرمجة الزمنية والمالية.
ومن الضروري أن تشمل الرؤية المستقبلية مختلف جهات المملكة وفق الحاجيات السكانية والاقتصادية، حتى لا تظل الاستثمارات الكبرى مركزة في عدد محدود من المدن.

فالعدالة المجالية لا تتحقق بمجرد تقريب مدينة من أخرى، بل بتمكين المناطق الأقل استفادة من نصيبها من البنيات التحتية والخدمات العمومية.

كأس العالم 2030… موعد رياضي يسرع مشاريع يحتاجها المغاربة

لا شك أن استضافة المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لنهائيات كأس العالم 2030 تشكل عاملًا محفزًا لتسريع الاستثمارات السككية.
فالحدث العالمي يستلزم توفير وسائل نقل جماعي قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الزوار والمشجعين، وضمان الربط السريع بين المطارات والمدن والملاعب والفنادق ومراكز الخدمات.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع يجب أن تقاس بما ستقدمه للمغاربة بعد انتهاء التظاهرة الرياضية.
فالملعب قد يستقبل مباريات محدودة خلال السنة، بينما يحتاج المواطن إلى القطار صباحًا ومساءً، طوال أيام العمل والدراسة.
ولهذا ينبغي أن تقوم برمجة الخطوط والمحطات والمواعيد على احتياجات السكان الدائمة، لا على متطلبات التظاهرات الاستثنائية وحدها.

فالمشاريع الناجحة هي تلك التي تخدم الحدث الرياضي وتبقى بعده في خدمة التنمية والمواطنين لعقود.
تحديات التنفيذ… التمويل والعقار والصيانة وأسعار التذاكر
رغم الطموح الكبير لهذا البرنامج، فإن إنجازه يواجه تحديات عملية لا يمكن تجاهلها.

فالمشاريع السككية تحتاج إلى تعبئة عقارية ومالية وتقنية معقدة، وإلى تنسيق مستمر بين المكتب الوطني للسكك الحديدية والوزارات والمؤسسات العمومية والجهات والجماعات الترابية.
كما أن تشغيل القطارات لا يمثل نهاية الاستثمار، بل بداية التزامات مستمرة تتعلق بالصيانة والسلامة والطاقة والموارد البشرية وتجديد التجهيزات.

ويطرح هذا الواقع ضرورة ضمان الاستدامة المالية للمشاريع، ووضوح مصادر التمويل، التحكم في التكاليف، والحرص على الشفافية في تنفيذ الصفقات.
ويبقى موضوع أسعار التذاكر من أبرز التحديات الاجتماعية.
فما جدوى قطار سريع وعصري إذا كانت تكلفته تتجاوز القدرة الشرائية للعمال والطلبة والأسر محدودة الدخل؟

وما قيمة محطة جديدة إذا كان الوصول إليها يتطلب استعمال وسائل نقل إضافية مكلفة أو غير منتظمة؟
إن النجاح الحقيقي يقتضي توفير اشتراكات اجتماعية مناسبة، وتعريفات تشجع على استعمال النقل الجماعي، وتنسيقًا فعالًا بين القطارات والحافلات والترامواي ووسائل النقل الأخرى.

كما يقتضي توفير الولوجيات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، وضمان أمن المحطات ونظافتها وجودة خدماتها، واحترام المواعيد وحقوق المسافرين.

صناعة القطارات بالمغرب… فرصة لبناء سيادة صناعية حقيقية

من بين الأبعاد التي تستحق اهتمامًا خاصًا في هذا البرنامج تلك المتعلقة بالصناعة السككية الوطنية.
فالتزامات الشركاء الدوليين بإحداث وحدات صناعية ونقل الخبرات يمكن أن تفتح للمغرب مجالًا جديدًا لتطوير صناعات عالية القيمة المضافة.
لكن بناء صناعة وطنية لا يتحقق بمجرد إقامة مصنع لتركيب التجهيزات المستوردة.
بل يتطلب نقل التكنولوجيا، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتشجيع المقاولات المغربية على تصنيع المكونات وقطع الغيار، وتطوير البحث العلمي والشراكات مع الجامعات والمعاهد المتخصصة.
ويجب أن يكون الطموح المغربي أبعد من شراء القطارات وصيانتها، نحو امتلاك كفاءات وطنية قادرة على تصميم أجزاء منها وتصنيعها وتطويرها، بما يعزز استقلالية القطاع وقدرته على المنافسة والتصدير.

فالثورة السككية التي لا تواكبها ثورة صناعية وتكنولوجية وتكوينية تظل محدودة الأثر، مهما بلغت قيمة الاستثمارات المرصودة لها.

نريد قطارات تقرب المغاربة… لا مشاريع تقرب المدن على الخرائط فقط

إن استثمار 134 مليار درهم في تطوير المنظومة السككية الوطنية يعكس طموحًا كبيرًا لبناء مغرب أكثر ارتباطًا وتكاملًا وتنافسية.
غير أن التاريخ لا يقيس نجاح المشاريع الكبرى بحجم ميزانياتها، ولا بعدد الكيلومترات المنجزة، ولا بسرعة القطارات التي تسير فوق سككها.
إنه يقيسها بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطنين وتحقيق العدالة بين المجالات الترابية وخلق فرص الشغل والتنمية.
نريد قطارات تقلص المسافات بين المدن، ولكننا نريدها أيضًا أن تقلص الفوارق بين المواطنين.

نريد محطات عصرية تخدم المطارات والملاعب والموانئ، ولكننا نريدها كذلك أن تخدم العمال والطلبة والتلاميذ والمرضى وسكان المدن الصغيرة والضواحي.
نريد أن تصل السكك الحديدية إلى عواصم الأقاليم التي تنتظر دورها، وأن تحظى المدن التي تتوفر على محطات قديمة أو غير ملائمة بحقها في التأهيل والتحديث.
نريد قطارات سريعة، ولكننا نريد قبل سرعتها انتظامًا وسلامة وأسعارًا معقولة.

ونريد من هذه الاستثمارات أن تؤسس لصناعة سككية مغربية حقيقية، وأن تترك وراءها المعرفة والتكنولوجيا والكفاءات وفرص العمل.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى قطارات تصل إلى وجهاتها في وقت قياسي، بل يحتاج إلى منظومة نقل تجعل التنمية تصل إلى المواطنين، أينما كانوا.

وعندما يصبح القطار وسيلة يومية متاحة للمواطن، لا امتيازًا مرتبطًا بموقعه الجغرافي أو بقدرته الشرائية، عندها فقط نستطيع القول إن المغرب لم ينجز ثورة في السكك الحديدية فحسب، بل أنجز خطوة حقيقية نحو العدالة المجالية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى