عبد الكبير المامون: الحلقة الثانية من سلسلة أنا ومرض تشمع الكبد.. معاناة وألم مستمران إلى اليوم
الغيبوبة الكبدية.. حين تصل المواد السامة إلى الدماغ بسبب عجز الكبد عن التخلص منها

عبد الكبير المامون: أنا ومرض تشمع الكبد.. معاناة وألم مستمران إلى اليوم
الحلقة الثانية: الغيبوبة الكبدية.. حين تصل المواد السامة إلى الدماغ بسبب عجز الكبد عن التخلص منها
ما قالته لي الدكتورة قلب حياتي رأساً على عقب. وجدت نفسي أمام واقع صحي لم أكن أتخيله، وبدأت رحلة طويلة من المعاناة ومصارعة المرض، وما يرافقها من خوف وقلق وانتظار وترقب لكل نتيجة تحليل، ولكل تطور جديد في حالتي الصحية.
انطلقت رحلة العلاج تحت إشراف الدكتورة لبنى الوافي، التي بذلت مجهودات كبيرة من أجل متابعة وضعي الصحي والحد من مضاعفات المرض، بمساندة أخي وصديقي مصطفى الحياني، الذي ظل إلى جانبي في هذه المحنة.

لكن رحلة العلاج لم تكن سهلة، ولم تسر دائماً كما تمنيت؛ فقد تعرضت، من حين إلى آخر، لنوبات من الغيبوبة الكبدية، وهي إحدى المضاعفات الخطيرة لتشمع الكبد المتقدم، والتي زادت من صعوبة وضعي الصحي وعمّقت معاناتي ومعاناة أسرتي.
في بداية شهر مارس 2026، وبالضبط يوم الرابع منه، طلبت مني الدكتورة لبنى إجراء فحص بالسكانير، من أجل تقييم تطور المرض ومدى تأثيره على باقي أعضاء الجسم، والوقوف على تطورات حالتي الصحية.

لكن ما وقع بعد ذلك لم يكن في الحسبان؛ فبينما كنت داخل جهاز الفحص، فقدت وعيي بشكل مفاجئ، لتُشعَر الدكتورة لبنى الوافي على الفور بما حدث. وبالنظر إلى خطورة الوضع، طلبت من زوجتي وابني نقلي على وجه السرعة إلى المصحة، مؤكدة أنها ستلتحق بهما، بعدما اشتبهت في تعرضي لغيبوبة كبدية.
وتحدث هذه المضاعفة عندما يعجز الكبد عن التخلص من بعض المواد السامة في الجسم، فيتراكم في الدم ما يسمى بمادة “الأمونياك” وتؤثر في وظائف الدماغ، وقد تؤدي إلى اضطراب الوعي أو فقدانه، بحسب شدة الحالة.
تم نقلي إلى قسم الإنعاش، حيث خضعت لمراقبة طبية دقيقة، ومُنعت الزيارة عني بسبب خطورة وضعي الصحي. ولم أبدأ في استعادة وعيي إلا بعد أربعة أيام، قضيتها بعيداً عن زوجتي وأبنائي، فيما كانت الدكتورة لبنى الوافي والدكتور العدوي يتابعان تطورات حالتي الصحية ويشرفان على مختلف مراحل علاجي،دون ان أنسى الدكتور المنصوري المشرف على قسم الإنعاش آنذاك.

وعندما بدأت أستعيد وعيي، استُدعيت الدكتورة الوافي والدكتور العدوي. سألتني الممرضة إن كنت أتعرف عليهما، فتعرفت على الدكتورة لبنى، بينما لم أتمكن في البداية من التعرف على الدكتور العدوي.
كانت لحظة عصيبة، تختلط فيها مشاعر الخوف والارتباك، ويجد الإنسان نفسه أمام حقيقة قاسية: أن المرض قد يسلبه وعيه وذاكرته للحظات، ويجعله عاجزاً عن إدراك ما يجري حوله، حتى وهو بين أيدي من يسهرون على علاجه.
وبعد تحسن حالتي، تم نقلي من قسم الإنعاش إلى جناح الاستقبال، حيث وجدت زوجتي وأبنائي في انتظاري، إلى جانب جاري سمير وزوجته نومة، الذين ظلوا بجانب أسرتي طوال هذه المحنة، ولم يذوقوا طعم النوم ولا الأكل منذ دخولي قسم الإنعاش، خوفاً على وضعي الصحي وترقباً لأي خبر عن حالتي.

ذلك المشهد لن أنساه ما حييت؛ فقد أدركت حينها أن المرض لا يصيب صاحبه وحده، بل يمتد أثره إلى كل من يحبونه، ويجعل أفراد الأسرة يعيشون ساعات طويلة من القلق والخوف، بين الدعاء وانتظار الأخبار والأمل في عودة المريض إلى وعيه سالماً.
وهكذا وجدت نفسي في مواجهة مرض لا يقتصر أثره على الجسد وحده، بل يمتد إلى الحياة اليومية والنفسية والعائلية، ويجعل المريض يعيش بين الأمل في التحسن والخوف من الانتكاس، وبين متطلبات العلاج وتكاليفه الثقيلة.
ولم تتوقف رحلة البحث عن العلاج عند حدود المغرب، بل قادتني معاناتي الصحية إلى السفر نحو فرنسا ومصر، في محاولة لمواصلة العلاج والبحث عن كل ما يمكن أن يساعدني على مواجهة المرض واستعادة عافيتي.
هذه بعض فصول حكايتي مع تشمع الكبد؛ حكاية إنسان وجد نفسه فجأة في مواجهة مرض غيّر مجرى حياته، ووضعه أمام محطات قاسية لم يكن يتصور يوماً أنه سيعيشها، لكنه ظل متشبثاً بالأمل، مستعيناً بالله، وممتناً لكل من مدّ إليه يد المساعدة وسانده في أصعب لحظات حياته.
يتبع…



