الصحة و التغذية

مرة أخرى فرنسا.. ومرة أخرى “ظاهرة الحيط القصير” !!

مرة أخرى فرنسا.. ومرة أخرى “ظاهرة الحيط القصير” !!

محمد عزيز الوكيلي

هناك.ظاهرة مؤسفة تتكرر في كثير من الدول، ومفادُها أنه عندما تفشل سلطةٌ مَّا في القفز على حائطِ متاعبها العالي الحقيقي، فإنها تبحث عن أقصر حائط في فضاءاتها لتظهر أمام الناس بمظهر القويّ المنتصِر… وهذا ما تفعله فرنسا في هذين اليومين… فكيف ذلك؟

خلال الأسبوعين الماضيين، عاشت هذه الأخيرة، ولا تزال، ما لم تعشه منذ عقود: مظاهرات عارمة، قطع للطرق، حرق للحافلات والسيارات والعجلات، تخريب للمدارس والبلديات، ونهب منظّم للمُولات والمحلات التجارية… والمُفارقة أن مَن أشعل الفتيل لم يكن مهاجراً سرياً، بل كان تلميذاً بإحدى الثانويات في ليون، وطالباً في إحدى الكليات بجامعة السوربون، وممرضاً في مرسيليا، وسائقَ قطارٍ في تولوز… إنها فرنسا البيضاء، الشابة الغاضبة، التي خرجت ترفض قانون التقاعد، وغلاء المعيشة، وانسداد الأفق… مما قد يؤدي إذا استمر تفاقُمُه إلى نشوء ظاهرة “الحريك” في صفوف الشباب الفرنسيين باتجاه أوطان الآخرين، الأوفر حظّاً.

إنها تشبه إلى حد بعيد انتفاضة مايو 1968 التي أطاحت بهيبة الجنرال ديغول. يومها، لم يُشِر ديغول بأصبع الاتهام إلى العرب والمسلمين، ولا إلى غيرهم، بل فَهِمَ أنّ الشباب يطالبون بعقد اجتماعي جديد لم يكن مِلْكَ يمينه في تلك الحقبة الأوروبية المشتعلة، فقدّم استقالته بشجاعة وغَيْرِيَّةٍ نادرتَيْن.

أما اليوم، فبدلَ أن تواجه الحكومة الفرنسية المنبثقة من الوسط المهَلهَل حائطَها العالي الحقيقي، المتمثل في أزمة المديونية التي بلغت 119%؛ وأزمة الشرعية السياسية بعد أن أفرغ الرئيس إيمانويل ماكرون تحالُف الوسط من قِوامه ونواته الصلبة؛ وأزمة المدرسة والمستشفى العموميَّيْن؛ والأزمة الخارجية التي تهالكت بفعلها مكانة “فرنسا الحُرّية والعدالة والإخاء” بين أمم الاتحاد الأوروبي، ولدى مستعمراتها السابقة بالقارة السمراء… فلما لم تجد القدرة على تجاوز هذه الحيطان العاتية، استدارت نحو الحائط القصير، الذي يُشَخِّصُه في ويُجسِّدُه في العقل الجمعي الفرنسي “العنصرُ المهاجر”… فكيف صنعت السلطات الفرنسية “كبش الفداءِ” هذا؟

فجأة، وبدون مقدمات، انطلقت حملة تفتيش جسدي مباشر، ومهين للكرامة، في محطات المترو والقطارات والشوارع. ولم يكن التفتيش يستهدف من يحمل قنينةً حارقةً، أو سلاحاً من أي نوع، أو حتى ملصقات تنادي بإسقاط الحكومة أو النظام بالكامل، بل انطلقت تراقب وتفتش فقط لا غير، مَن يحمل بشرة سمراء، أفارقة، عرب، لاتينيون، دون استثناء طلبة أجانب ينتظرون تسوية وضعياتهم القانونية بعد تقديمهم كلَّ الوثائق المطلوبة للجهات المختصة. وكأن وزارة الداخلية أرادت أن تقول للفرنسي الغاضب: “انظر، هؤلاء هم سبب الفوضى التي يشهدها وطنُك، وليس السببَ عجزُنا نحن”… وهنا تكمن، في آن واحد، مفارقتان اثنتان: فلسفية وقانونية.

فمن الزاوية الفلسفية، نجد أن فرنسا، التي علّمها فولتير التسامح ومونتسكيو فصل السلط وفيكتور هيغو أنّ العدالة هي الأُخوّة، أخذت تُناقض نفسها عندما حوّلت المهاجر من موضوع للسياسة العمومية إلى هاجسٍ للأمن العام. وهذه ليست سياسة أمنية، بل هي سياسة رمزية، تريد أن تغطي فشلها في حماية البنيات الأساسية والمُولات والمباني العمومية بالقول “إنها ستحمي الحدود”، وهذا محض افتراء، وبكل المقاييس.

ومن الزاوية القانونية، نجد هذا الإجراء يضرب المادة الأولى من دستور 1958 الفرنسي في مقتَل، ذلك أنها هي المادة التي تنص على أن فرنسا “جمهورية لا تتجزأ، علمانية، ديمقراطية واجتماعية، تضمن المساواة أمام القانون لجميع المواطنين دون تمييز”.

فكيف إذَن تضمن الدولة الفرنسية المساواة وسلطاتها الأمنية تفتش الناس حسب لون بشرتهم؟ لقد انتقلنا من “الاشتباه المبني على السلوك”، إلى “الاشتباه المبني على الملامح والمظاهر”، وهو ما يسميه فقهاء القانون الفرنسي نفسه ب”الرقابة المظهرية، “contrôle au faciès”، وهي ممارسة مُدَانَة من طرف المجلسِ الدستوريِّ الفرنسيِّ نفسِه، وكذلك محكمة النقض.

والأدهى من ذلك، أن هذه السياسة لا تنفع حتى من الناحية الأمنية، ما دامت الدراسات التي أجرتها الشرطةُ الفرنسيةُ نفسُها قد أثبتت، جميعُها، أن من يقوم بأعمال النهب المنظم في المدن الكبرى ليسوا مهاجرين غيرَ نظاميين يسكنون في مراكز الإيواء، بل هم عناصر تنشط في شبكات إجرامية منظمة، فرنسية الجنسية في أغلبها، تستغلّ لحظات الفوضى لتمارس استباحتها للحقَّيْن العام والخاص. أما المهاجر غير النظامي، المغبون في جميع حقوقه، فهو آخر من يتمنى أن يرى الشرطة في الشارع، فنجده في العادة يتلافى الاحتكاك بها، ولو من بعيد، لعلمه أنه سيكون أول من سيتم توقيفه، لِسبب ولِغيرِما سبب.

إن ظاهرة “الحيط القصير” هذه تستند إلى ثلاثة أسباب:

– السبب الأول، لأنها هي الأسهل انتخابياً، حيث أظهرت استطلاعات الرأي في أكتوبر الجاري، بأن 35% من الفرنسيين أكّدوا أنهم سيصوتون لليمينية المتطرفة مارين لوبان، التي ترفع شعار مناهضة الهجرة. فإذا تبنت الحكومة نفس خطابها، معتقِدَةً بذلك أنها ستسحب من تحت قدميْها البِساط، فإنها لن تكون في حقيقة الأمر إلاّ مساهمةً في شرعنة الخطاب اليميني ذاته.

السبب الثاني: لأن ظاهرة “الحيط القصير” تغطي على الحائط العالي. ذلك أنه سيكون من الأهْوَن على وزير الداخلية أن يعلن عن ترحيل 1.000 شخص من المهاجرين على متن سرب من الطائرات، مِن أن يعلن عن خفض المديونية بـ25 مليار يورو، كما وعدت بذلك مارين لوبان، ضمن ما سمّته “ميزانية الظل”، التي اقترحتها هي نفسها كأحد وُعود حملتها الانتخابية (أنظر مقالي السابق).

السبب الثالث: لأن ظاهرة “الحيط القصير” تسهم في تخدير الرأي العام. وهكذا، فالفرنسيَّ البسيط الذي يرى الشرطي يُفتش ثم يعتقل أفريقياً أو عربياً أو هندياً في مترو باريس، سيظن أن الدولة قوية وحاضرة، بينما الدولة في حقيقة أمرها غائبة عن إصلاح المدرسة والمستشفى والسكك الحديدية، ومنشغلة بالتالي بالقفز السهل فوق “حائطها القصير”… فمَن سيدفع ثمن هذه البهلوانية السياسية العقيمة؟

إن خطر سياسة “الحيط القصير” لا يكمن فقط في كونها ظالمةً للمهاجرين، بل في كونها قاتلةً لفرنسا ذاتِها، لأنها
ستعود بالبلاد إلى ما قبل 1968.

ففي 1968 فهِمَتِ الدولة أن الطالب الغاضب هو ابنُها الذي يجب أن تُحاوِرَه، لا عَدُوُّها الذي يجب أن تُرَحّله. واليوم، هاهي ذي نفس الدولة تتعامل مع ابنها كما لو كان أجنبياً، ومع الأجنبي كما لو كان كبشَ فداء.

ثم مِن زاوية أخيرة، وهذا هو الأهم، أن هذا “الحيط القصير” مهما قفزت عليه السلطات الفرنسية فسيبقى قصيراُ ولكنْ، سيأتي يومٌ يدرك الفرنسيون فيه أن ترحيل ألف مهاجر لم يخفّض سعر الخبز، ولم يُصلِح أحوالَ المدرسة، ولم يقلص الدَّيْن العام من 119% إلى 60%… عند ذلك، سينظرون إلى الوراء ليجدوا أن الحائط العالي لا يزال قائما، وأن من كان ينبغي أن يقفز عليه قد أطلق ساقيه للريح.

إن فرنسا، يا حضرات، لا تحتاج اليوم إلى حملة تفتيش في الشوارع، بل إلى لحظة “فولتيرية” جديدة، تقول فيها الحقيقة مهما كانت مُرّة، ومفادها: “أن الفوضى الحالية فرنسيةٌ-فرنسية، وحلَّها فرنسيٌّ-فرنسي، وأن المهاجرَ فيها ليس هو المحرك، بل هو مجرد “حيط قصير” تعودت كل سلطة ضعيفة على القفز عليه في كل مرة تعجز فيها عن القفز فوق حيطان مشاكلها العالية”… و… عجبي!!!
____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى