حين تتكلم الميزانية… يصمت الخطاب السياسي
مالية 2027 تضع وعود الدولة الاجتماعية والتشغيل والتنمية المجالية أمام امتحان التمويل والتنفيذ… والأرقام وحدها ستكشف من سيستفيد ومن سيدفع الفاتورة

حين تتكلم الميزانية… يصمت الخطاب السياسي
مالية 2027 تضع وعود الدولة الاجتماعية والتشغيل والتنمية المجالية أمام امتحان التمويل والتنفيذ… والأرقام وحدها ستكشف من سيستفيد ومن سيدفع الفاتورة
بقلم: بوشعيب حمراوي
لم تمض سوى ساعات قليلة بين تقديم فاطمة الزهراء المنصوري برنامج حكومتها أمام البرلمان وبين وضع أول اختبار مالي حقيقي لذلك البرنامج على الطاولة. ففي 20 أكتوبر صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون المالية رقم 60.26 لسنة 2027، وقدمه وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع أمام مجلسي البرلمان. وقبل ذلك بثلاثة أيام، كان المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس قد صادق على توجهاته العامة.
وهنا ينبغي أن يتوقف الكلام العام وتبدأ لغة الأرقام.
فالبرنامج الحكومي يستطيع أن يقول للمغاربة ماذا تريد الحكومة أن تفعل خلال خمس سنوات، لكن قانون المالية هو الذي يقول لنا ماذا تستطيع أن تفعل الآن، وكم ستدفع، ومن أين ستأتي بالأموال، ولمن ستمنح الأولوية.
بمعنى آخر: البرنامج يرسم الحلم، والميزانية تكشف ثمنه.
وهذا بالضبط ما يجعل مالية 2027 أول امتحان اقتصادي واجتماعي كبير للحكومة الجديدة.
ميزانية جديدة… لكن ليست كلها من صناعة الحكومة الجديدة
وقبل قراءة الأرقام، يجب تسجيل ملاحظة ضرورية للإنصاف.
مشروع مالية 2027 لم تبدأ حكومة المنصوري في صياغته من الصفر. فوزارة الاقتصاد والمالية قدمت منذ يوليوز 2026 الإطار العام لإعداده والبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029، ثم صدرت المذكرة التوجيهية في غشت، وكل ذلك في عهد الحكومة السابقة. أما حكومة المنصوري فلم تُعين إلا في 16 أكتوبر، أي قبل أربعة أيام فقط من إيداع المشروع.
إذن نحن أمام ميزانية لها أبوان سياسيان: حكومة أعدت جزءًا كبيرًا من بنيتها، وحكومة جديدة أدخلت عليها تحكيماتها وستتحمل مسؤولية تنفيذها.
وهذه نقطة ينبغي ألا تتحول إلى ذريعة مستقبلية. فمن لحظة تبني الحكومة الحالية للمشروع والدفاع عنه أمام البرلمان، يصبح جزءًا من مسؤوليتها السياسية.
مالية 2027 قد لا تكون الميزانية التي كتبتها حكومة المنصوري كاملة بيدها، لكنها ستكون الميزانية التي ستنفذها ويحاسبها المغاربة على نتائجها.
وربما تكون مالية 2028 أول ميزانية يمكن القول إنها تحمل بصمتها كاملة من البداية إلى النهاية.
25 مليار درهم… الرقم الذي يجب ألا يضيع بين العناوين
من بين أقوى أرقام المشروع تخصيص 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
25 مليار درهم رقم كبير. و السؤال هو: أين ستذهب؟
هل ستوزع وفق عدد السكان؟ أم وفق حجم الخصاص؟
هل ستحصل المناطق التي راكمت التأخر لعقود على نصيب أكبر من المناطق التي استفادت أصلًا من الاستثمار والبنيات التحتية؟
ماذا سيكون نصيب القرى والمراكز الصغيرة والأقاليم المنسية مقارنة بالمدن الكبرى؟
ومن سيضع الأولويات: الإدارة المركزية، الجهات، العمالات والأقاليم، أم الجماعات؟
التنمية المجالية لا تصبح عادلة لأننا كتبنا كلمة “مجالية” في الميزانية. تصبح عادلة عندما يستطيع المغربي في قرية بعيدة أن يرى أثر تلك المليارات في طريقه ومدرسته ومستوصفه ومائه ونقله وفرص عمل أبنائه.
وهنا يجب أن تكون هناك خريطة معلنة للأموال والمشاريع والآجال.
القدرة الشرائية… المواطن لا يعيش داخل مؤشر التضخم
تضع الحكومة دعم القدرة الشرائية في مقدمة أولويات مالية 2027، وتتحدث عن إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار وتعزيز الدعم الاجتماعي المباشر.
وهذا مهم، لكن القدرة الشرائية لا تتحسن بالتصريح بأنها أولوية.
المواطن لا يدخل السوق وهو يحمل جدول معدل التضخم.
إنه يدخل وفي جيبه أجر أو معاش محدد، ثم يواجه ثمن اللحم والخضر والزيت والدواء والكهرباء والنقل والسكن.
لذلك فإن الإصلاح الحقيقي للأسعار يجب أن يصل إلى عمق سلاسل التوزيع: أسواق الجملة، الوسطاء، المنافسة، الاحتكار، التخزين، كلفة النقل، وهوامش الربح.
لأن دعم دخل الأسرة بيد، ثم السماح للسوق بسحب الدعم منها عبر ارتفاع الأسعار باليد الأخرى، لن يغير كثيرًا من حياتها.
والاختبار الحقيقي لمالية 2027 لن يكون فقط أن يبقى عجز الميزانية في حدود 3 في المائة، بل أن نعرف ماذا وقع لعجز ميزانية الأسرة المغربية في آخر الشهر.
الدولة الاجتماعية… لا تجعلوا الدعم وظيفة دائمة
يشمل الدعم الاجتماعي المباشر حاليًا نحو أربعة ملايين أسرة تضم أكثر من خمسة ملايين طفل، بكلفة شهرية تقارب 2.2 مليار درهم، وفق المعطيات الرسمية السابقة لإعداد المشروع.
إنه مجهود اجتماعي لا يمكن التقليل من أهميته.
لكن نجاح الدولة الاجتماعية لا يُقاس فقط بعدد المستفيدين من الدعم.
قد يكون ارتفاع عدد المستفيدين ضروريًا في زمن الأزمة، لكنه لا ينبغي أن يصبح في حد ذاته هدفًا اقتصاديًا.
الدولة الاجتماعية الناجحة هي التي تدعم الفقير حين يحتاج، ثم تساعده على الخروج من دائرة الحاجة.
وهنا تلتقي الحماية الاجتماعية بالتشغيل.
المطلوب ألا يبقى المواطن أمام معادلة مؤلمة: إما أن يظل ضعيف الدخل ويستفيد من الدعم، أو يحصل على عمل هش فيفقد جزءًا من المساعدة.
ولهذا تبدو فكرة المنحة الانتقالية للأسر التي قد تفقد الاستحقاق بعد ولوج أحد أفرادها إلى سوق الشغل جديرة بالاهتمام؛ لأنها تحاول منع تحول الدعم نفسه إلى حاجز أمام التصريح بالعمل.
الشباب… لا نريد برنامجًا جديدًا يضاف إلى أرشيف البرامج
الحكومة تعلن عن برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031، فيما تضمن البرنامج الحكومي تكوين 100 ألف شاب سنويًا، وتمكين 100 ألف آخرين من أول تجربة مهنية، مع الرفع التدريجي للطاقة الاستيعابية لبرامج التكوين.
الأرقام طموحة. لكن المغرب عرف على امتداد السنوات الماضية أسماء كثيرة لبرامج التشغيل والتكوين ودعم المبادرة.
لذلك لا يكفي أن نغير أسماء البرامج. نحتاج إلى تغيير النتيجة.
كم شابًا دخل البرنامج؟ كم واحدًا أكمل التكوين؟ كم حصل على عمل؟ كم استمر في عمله سنة كاملة؟
وكم مقاولة نشأت واستمرت بدل أن تغلق بعد انتهاء الدعم؟
هذه هي المؤشرات التي ينبغي نشرها، لا عدد الاجتماعات والاتفاقيات والدورات التكوينية فقط.
5 في المائة نموًا… لكن سنة 2027 تبدأ من 4.1 في المائة
وهنا نصل إلى واحدة من أهم المفارقات.
البرنامج الحكومي وضع هدفًا لمتوسط نمو سنوي في حدود 5 في المائة بين 2027 و2031، مع إبقاء التضخم قرب 2 في المائة والعجز في حدود 3 في المائة وتقليص المديونية.
لكن التأطير الذي أُعد عليه مشروع مالية 2027 يفترض نموًا بنحو 4.1 في المائة، وعجزًا في حدود 3 في المائة، مع محصول حبوب مرجعي في حدود 70 مليون قنطار.
لا يوجد تناقض حسابي بالضرورة، لأن 5 في المائة متوسط خمس سنوات وليس معدل سنة واحدة.
لكن السؤال سياسي واقتصادي مشروع: إذا بدأ المسار بـ4.1 في المائة، فمن أين ستأتي السرعة الإضافية التي سترفع المتوسط لاحقًا إلى 5 في المائة؟ من الصناعة؟ من السياحة؟من الاستثمار الخاص؟ من الصادرات؟ من الاقتصاد الرقمي؟ من الفلاحة؟
أم من أوراش 2030؟
النمو ليس رقمًا نضعه في نهاية خطاب. يجب أن نعرف محركاته.
وخصوصًا بعد أن أظهرت أرقام الفصل الثاني من 2026 أن الاقتصاد نما بـ4 في المائة، لكن الأنشطة غير الزراعية لم تتقدم سوى بـ1.5 في المائة، بينما قفزت الفلاحة بـ21.2 في المائة.
السؤال الأصعب: من سيدفع؟
الحكومة تريد في الوقت نفسه دعم القدرة الشرائية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين الصحة والتعليم، وتشغيل الشباب، واستثمار 25 مليار درهم في التنمية الترابية، ومواصلة أوراش الماء والطاقة والبنيات التحتية، مع الحفاظ على عجز في حدود 3 في المائة.
طموح مشروع. لكنه يقود حتمًا إلى السؤال الأصعب في أي ميزانية: من سيدفع؟ هل ستأتي الموارد من نمو الإيرادات الضريبية؟ من توسيع الوعاء؟ من محاربة التهرب والغش؟ من أرباح المؤسسات العمومية؟ من الاستثمار الخاص؟ من الدين؟
أم من إعادة ترتيب النفقات والتخلي عن مصاريف وبرامج أقل أولوية؟
لا توجد دولة اجتماعية بلا اقتصاد قوي يمولها.
ولا يمكن أن نبني حماية اجتماعية دائمة على موارد ظرفية.
لهذا فإن أحد أكبر رهانات الحكومة سيكون تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى وظائف، والوظائف إلى أجور، والأجور إلى ضرائب واستهلاك، حتى تتحول الدولة الاجتماعية إلى دورة اقتصادية قابلة للاستمرار، لا إلى فاتورة تتضخم عامًا بعد عام.
من الآن… احتفظوا بالأرقام
لا أريد الحكم مسبقًا على مالية 2027. فالمشروع دخل البرلمان ولم يبدأ تنفيذه بعد. لكن من حقنا منذ اليوم أن نحتفظ بالدفتر.
25 مليار درهم للتنمية الترابية.
أهداف للتشغيل والتكوين. تعزيز الدعم الاجتماعي. إصلاح للأسواق والأسعار. نمو مستهدف. عجز مضبوط.
واستثمارات في الصحة والتعليم والماء والسيادة الطاقية والرقمية.
وفي نهاية 2027 لا نحتاج إلى خطاب جديد يشرح النوايا.
نحتاج إلى جواب بسيط:
كم وعدتم؟ كم رصدتم؟ كم صرفتم؟ وماذا تغير في حياة الناس؟
فالميزانية ليست جدول أرقام محاسبية فقط.
إنها الترجمة الأكثر صدقًا لاختيارات أي حكومة.
قل لي أين تضع درهمك… أقل لك أين تضع أولوياتك.



