هل يتحرك الاتحاد الأوروبي لإنقاذ فرنسا من خطر السقطة القاضية؟

هل يتحرك الاتحاد الأوروبي لإنقاذ فرنسا من خطر السقطة القاضية؟
محمد عزيز الوكيلي
في سنة 2010، اتخذ الاتحادُ الأوروبي وصندوقُه للإنقاذ، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، أولى تدابير إنقاذ جمهورية اليونان من الإفلاس الاقتصادي، الذي تردت إليه هذه الأخيرة لأسباب لا شأن لنا بها في هذه المناقشة. وقد تمت خطة الإنقاذ هذه عبر ثلاثة مظاريف مالية رئيسية امتدت لعدة سنوات على النحو التالي:
– مظروف أول: في مايو 2010، عندما وافق الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي على قرض إنقاذ بقيمة 110 مليار يورو لمنع انهيار اليونان المالي.
– مظروف ثاني: في فبراير 2012، حيث تم إقرار دفعة إنقاذ ثانية بقيمة 130 مليار يورو، صاحَبَها شطبُ جزءٍ كبير من ديون اليونان لدى البنوك الخاصة.
– مظروف ثالث: في أغسطس 2015، حيث تمت الموافقة على دفعة مالية ثالثة وأخيرة بقيمة تصل إلى 86 مليار يورو، وبذلك انتهى الشق التنفيذي من برنامج الإنقاذ هذا، رسمياً، في أغسطس 2018.
وقد بلغ مجموع مظاريف هذه الإغاثة الاتحادية الأوروبية لفائدة الاقتصاد اليوناني 326 مليار يورو، أي ما يعادل، فقط، نحو 10% من الدين المُثقل لكاهل الخزينة الفرنسية راهناً، والذي يشكّل أحد أهم أسباب العصيان المدني المتفاقم في ظل ما يمكن اعتباره اليوم بدايات سقوط الجمهورية الخامسة.
هنا يطرح سؤال العنوان أعلاه نفسه بكل بساطة: “هل هناك احتمال استفادة فرنسا من عملية إنقاذ مماثلة”؟
شخصياً أعتقد أن ذلك مستبعد، حاليا على الأقل، لأسباب سياسية: من أبرزها مكابرة الدولة الفرنسية وامتناعها عن الاعتراف بأن السبب الرئيسي لِما يقع من الاضطرابات هو اقتصاديٌّ وماليٌّ بالدرجة الأولى؛ وأخرى بنيوية: لها علاقة بالمكانة الريادية التي ظلت فرنسا تستأثر بها داخل الاتحاد الأوروبي منذ نشأته، والتي يصعب عليها الإقرار بالعجز عن صيانتها والحفاظ عليها في الظروف الحالية.
والواقع أن المقارنة بين اليونان وفرنسا تكشف عن استحالة تكرار عملية الإنقاذ ذاتها، لثلاثة أسباب صادمة وقاصمة:
السبب الأول: أن فرنسا ترى نفسها، بل هي فعلاً كذلك، أكبر من أن يتم إنقاذُها. فاليونان بكل مكوّناتِ أزمتها المالية كانت تمثل بالكاد 2% من اقتصاد منطقة اليورو، ولذلك كان إنقاذها ممكنا من الناحية الحسابية والعملية. أما فرنسا، اليوم، فالدَّيْن العام لديها بلغ نحو 3.595 مليار يورو في نهاية يونيو الماضي، أي ما يعادل نسبة 119.1% من الناتج الداخلي الخام، وهذا الرقم مرشح للارتفاع إلى نسبة 121.7% في 2027، بحسب وزارة المالية الفرنسية نفسها، وهو الأعلى منذ 1978.
والحال أن صندوق الإنقاذ الأوروبي (ESM)، برُمّته، لا تتجاوز قدرته الإقراضية 700 مليار يورو، فكيف سيتسنى له أن ينقذ دولة تحتاج وحدها لأكثر من ثلاثة أضعاف قدراته المالية الفعلية؟ إن “فرنسا/الدولة” هي من الأهمية والضخامة ما يجعل إنقاذها ضرورياً، لأن سقوط الدولة يعني إفلاس الاقتصاد الفرنسي بكُلّيته؛
لكن من جانب آخر، فإن مطلبَ الإنقاذ ذاتَه صعبٌ وممتنعٌ لأن المظروف المالي الذي يمكن أن يفي بالغرض أضخم بكثير من قدرات الصندوق المختص، والذي لم يكن يجد مثل هذه الصعوبة والامتناع في معالجته للأزمة اليونانية.
السبب الثاني: أن فرنسا كانت هي المنقِذ (بالكسر)، فكيف تتحول إلى المُنقَذ (بالفتح)؟ لقد كانت آلية إنقاذ اليونان قائمة على كاهل فرنسا وألمانيا كضامنَيْن رئيسيَّيْن. أما اليوم، ففرنسا هي نفسها تحت إجراء العجز المُفرِط والمؤثّر سلباً في مالية الاتحاد الأوروبي منذ 2024، وعجزها سيبلغ 5.4% في نهاية 2026 بينما سقف الاتحاد لا يتعدى 3%، كما أن تكلفة فوائد الدّيْن لديها، وحدها، ستقفز من 79 ملياراً في 2026 إلى 91 ملياراً في 2027. وهكذا، فعندما يصبح الضامن نفسه في حاجة إلى ضمانة، فإن فلسفة الإنقاذ تنهار من تلقاء ذاتها.
السبب الثالث: أن الشرط السياسي في حد ذاته مستحيل. ذلك أن إنقاذ اليونان كان مشروطاً بإصلاحات قاسية فرضتها الترويكا الإصلاحية، ومن بينها خفض المعاشات، ورفع الضرائب، وتسريح آلاف الموظفين… فهل من المحتمَل، مجرد احتمال، أن تقبل فرنسا التي تشهد إضطرابات في غاية العنف لمجرد الحديث عن المس بامتيازات المتقاعدين، أقول، هل ستقبل أن يُملي عليها موظفو بروكسيل سن التقاعد وميزانية التعليم والصحة والضمان الاجتماعي؟..
إن هذا سيكون لو حدث بمثابة إعلان رسمي عن نهاية الجمهورية الخامسة كقوة سيادية، وهو ما ترفضه باريس حتى لو كلفها ذلك خطر السقوط النهائي.
نظراً لكل ما ذُكِر، لا أعتقد أن هناك في الأفق القريب أدنى احتمال لعملية إنقاذ اتحادية أوروبية قادمة. فما هو البديل في هذه الحالة؟
أعتقد أن البديل، الممكن، هو ما ينخرط فيه البنك المركزي الأوروبي بصمت، من خلال شراء السندات الفرنسية بشكل غير مباشر لمنع انفجار الفارق بينها وبين السندات الألمانية، لكن هذا الحل مجرّد عامل مُسَكّن ولا يمكن اعتباره علاجاً للمشكلة. أما العلاج الحقيقي، فينبغي أن يمر عبر ما لم يجرؤ عليه أي رئيس فرنسي منذ عقود، وهو مراجعة نموذج الدولة التي تنفق نسبة 57% من ناتجها، وهو ثاني أعلى معدل في العالم المتقدم، 14% منها للمعاشات وحدها، فضلا عن انخراطها في الإنفاق على حروب لا علاقة لها بها، من قريب على الأقل، كالحرب الروسية الأوكرانية، وبعض القلاقل التي تشهدها دول في الساحل الإفريقي، مستعمراتها السابقة… وما خفي كان أعظم.
إن الجمهورية الفرنسية لا تحتاج إلى مظروف مالي، بل إلى مصارحة وطنية، وهذه وحدها تبدو الآن أصعب من كل الحلول المحتملة. والاتحاد الأوروبي لا يستطيع إنقاذها ولكن، إذا قُدِّر لفرنسا أن تسقط، فإن الاتحاد الأوروبي نفسه سيسقط معها بكل أريحية، وهذا المآل الأسوَد لم يكن وارداً عند اندلاع الأزمة اليونانية… و… عجبي!!!
_____________
* إطار تربوي متقاعد.



