كتاب البديل

الوكيلي يحكي عن دونكيشوت فرنسا وحجاب السماء !!

دونكيشوت فرنسا وحجاب السماء !!

محمد عزيز الوكيلي

لو أننا نزعنا من بلاطوهات الإعلام الفرنسي كلمتَيْ “الإسلام” و”الحجاب”، لوجد ذلك الإعلام نفسه، ومعه رهط من الوزراء والمسؤولين والمثقفين، أمام استوديوهات فارغة. سيضطر المذيع في هذه الحالة إلى الاقتصار على “نشرة أحوال الطقس”، لأنه لن يجد بعد غياب ذكر “الإسلام” و”الحجاب” ما يؤثّث به فراغه المهني والوظيفي الرهيب… وحتى في هذه الحالة سيجد نفسه مضطراً للقول: “السماء اليوم ترتدي حجاباً من السحب، وسنناقش الآن هل هذا الحجاب يحترم قيم الجمهورية” !!

هذه ليست نكتة، بل هذه هي حالة فرنسا 2026، التي ما زلنا نذكر أنها خاضت بالأمس حربين عالميتين، وتواجه اليوم عجزاً وتراجعاً صناعياً شديداً، لكن الخطر الوجودي الأكبر المطروح على موائد الجدال تحت سمائها، وفي وسائلها الإعلامية والتواصلية، بل وفي مؤسساتها البرلمانية والحكومية، لا يعدو أن يكون مجرد قطعة قماش على رأس فتاة عمرها 18 سنة ذاهبة للجامعة… حرب دونكيشوتية بكل المعايير!!

لقد كان “الدّون كيشوت دي لامانشا” يحارب طواحين الهواء، أما فرنسا اليوم، فإنها تحارب بقدرة قادر “حجاب تلميذة” !!

فرنسا هي البلد الوحيد، في عالم اليوم، الذي يجتمع برلمانه في جلسات “شاخذة” ليناقش لباس السباحة الإسلمجي. فقد منعوا الحجاب في المدارس منذ 2004، والنقاب في الشارع منذ 2010، وكذلك فوق عشب ملاعب كرة القدم… وها هم الآن يلاحقون “البوركيني”، أو “لباس السباحة الإخونجي”، على شواطئ “نوتردام بيش”، و”بالومباجيا” بكورسيكا، و”بامبلون” بسان تروبي… وفي مختلِف المسابح العمومية والخاصة !!

إنك تجد عمدة يمنع امرأة من السباحة بلباس محتشم، بينما لا يُلقي بالاً للمرأة التي تسبح أو تأخذ حمامها الشمسي بجانبها، وهي عارية إلا من مثلثٍ يسيرٍ من القماش يغطي قُبُلَها، ومِن خطَّيْن رفيعَيْن يستران بالكاد حِلْمَتَيْ صدرها… ولا أحد يكلمها، لأن البلد نظاماً وشعبا يتشدق بعلمانيته المفترى عليها !!

أليست العلمانية في الأصل تعني حيادَ الدولة تجاه كل الديانات والملل، وتجاه ممارسة معتنقيها لشعائرهم وطقوسهم؟ لكن النسخة الفرنسية الجديدة والمُحْدَثة تقول: نحن محايدين تجاه كل الملل إلا الإسلام، بمعنى الملة المحمدية، التي ستظل بمثابة خبزنا اليوميّ، وإلى إشعار آخر!!

أليس هذا تناقضاً فاضحاً؟ ادخل إلى مترو باريس صباحا؛ وسترى أمهات وأخوات كاثوليكيات بحجاب أبيض كامل، وثوب بُنّيّ أو أسود أو أزرق، طويل، يتدلى إلى أسفل الكوعيْن، وصليب. فهل يوقفهنّ أحد؟ هل تخصص لهن قناة “سي نيوز” أربع ساعات من النقاش العقيم تحت عنوان “هل الراهبة تهدد الجمهورية؟” على وزن “هل حجاب المسلمة يهدد قِيَم الجمهورية؟”… أبدا، لن ترى ذلك بكل تأكيد، فهم ينظرون إلى مُحَجَّباتهم بسابغ الاحترام، ويقولون عنهن “سيدات متدينات متواضعات”… وفي نفس المترو، بجانبهن تماما، ستجد طالبة الطب فاطمة، بنفس الغطاء تقريباً، وفجأةً ستجد أن الحجاب يتحوّل من رمزٍ للتواضع، إلى رمز “للانفصالية” و”للإسلام السياسي”. نفس القماش، ونفس الرأس، ولكن الحكم يختلف بحسب الهوية. ذلك أنّ الراهبة تمارس حرية دينية، بينما المسلمة تشكّل مشروعاً إرهابياً بمعايير الدون كيشوت فرنسي… أليست هذه هي الفوبيا بكل معانيها؟

الفرنسيون يدّعون أنهم بحربهم على الحجاب إنما يدافعون عن حرية المرأة واستقلاليتها ولكن، لو كان ذلك دفاعا عن المرأة، أليس من اللائق والمستساغ ثقافياً وإنسانياً أن يسألوا المرأة نفسها؟ لكنهم لا يسألونها في كل الأحوال، بل يقولون لها: أنت مقموعة، حتى لو قالت إنها هي التي اختارت الحجاب برضا وقناعة. ثم يقولن لها فوق ذلك: سوف نحررك رغماً عنك. فأيّ تحرير هذا الذي يقوم على نزع ملابس الناس؟!

لقد تحول الحجاب في فرنسا بالذات إلى اقتصاد كامل. فالقنوات الإعلامية تعيش على الحجاب، والسياسيون لا يفوزون في الاستحقاقات الانتخابية إلا بمهاجمة الحجاب، وحتى الكتُب الصادرة مؤخراً صارت تفضل عناوين من قَبيل: “خطر الحجاب على قِيَم الجمهورية” !!

أعتقد أن الحجاب لو قُدّر له أن يختفي في الغد لأفلس نصف هذا السوق. إنها الشماعة التي يعلق الفرنسيون عليها كل أشكال فشلهم، في السياسة، في الاقتصاد، وفي الخدمات الاجتماعية، وخاصة في تحقيق التوازنات الماكرو اقتصادية والمالية… وهكذا فإذا ارتفعت الأسعار، قالوا “الحجاب”. وإذا فشلت خطط التعليم، قالوا “الحجاب”… وهلم عبثاً !!

إن المسؤولين الفرنسيين، والحالة هذه، هم الذين يخلقون من تلقاء أنفسهم ما يدّعون محاربتَه. فحتى الفتاة الفرنسية، التي ولدت في ليون، وتتكلم الفرنسية لساناً وثقافة أحسن من فولتير ذاته، يُقال لها كل يوم “حجابك مشكلة”. فما الذي ينتظرونه من هذه الفتاة؟ وما الذي يريدونها أن تشعر به غير المزيد من الأسى والمهانة؟.. أم يريدونها أن تشعر بالانتماء إلى وطنها فرنسا بكل أريحية؟

نهايته… أن الحجاب لم يمنع المسلمات في أمريكا وكندا وبريطانيا من أن يصبحن وزيرات وطبيبات. لكن في فرنسا يمنعون الفتاة المتحجبة حتى من أن تصبح لاعبة كرة قدم في نادٍ محلي.

وفي نهاية المطاف، ستظل السماء ملفّعةً بحجاب السحب، والراهبة بحجاب الاعتبار والاحترام، أما فاطمة فإنها تريد فقط أن تدرس. وأما ماما فرنسا فإنها لا تحتاج إلى قانون حجاب جديد، بل تحتاج إلى مرآة كبيرة ترى فيها ذاتها السقيمة، وتكتشف من خلالها أن معركتها ليست مع قطعة قماش بل مع خيالها المريض… و… عجبي !!!
____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى