عبد الكبير المامون والحلقة الثالثة من سلسلة : أنا ومرض تشمع الكبد.. معاناة وألم مستمران إلى اليوم
الغيبوبة الكبدية.. حين تصل المواد السامة إلى الدماغ بسبب عجز الكبد عن التخلص منها (02)

عبد الكبير المامون والحلقة الثالثة من سلسلة : أنا ومرض تشمع الكبد.. معاناة وألم مستمران إلى اليوم
تقديم السلسلة: حين ينهك المرض الجسد ويضاعف الخذلان آلام الروح
ليس سهلاً أن يتحول الصحفي، الذي قضى سنوات من عمره يكتب عن آلام الآخرين، وينقل معاناتهم، ويدافع عن قضاياهم، إلى موضوع لحكاية موجعة، يكون هو بطلها وضحيتها، ويجد نفسه هذه المرة في حاجة إلى من ينقل صوته، ويكشف معاناته، ويقف إلى جانبه.
هكذا نواصل، عبر موقع «بديل بريس»، نشر حلقات السلسلة الإنسانية المؤثرة التي يروي فيها الصحفي عبد الكبير المامون تفاصيل معركته القاسية مع مرض تشمع الكبد، وما رافقها من غيبوبات متكررة، ومعاناة جسدية ونفسية ومادية، جعلته يعيش بين الحياة والموت، وبين الأمل في الشفاء والخوف من النهاية.
إنها ليست مجرد يوميات مريض يصارع مرضاً خطيراً، بل شهادة إنسانية عن صحفي أعطى من وقته وجهده وصحته الكثير لمهنة المتاعب، قبل أن يجد نفسه في مواجهة امتحان عسير، لا يقتصر على قسوة المرض وتكاليف العلاج، وإنما يمتد إلى مرارة الخذلان والنكران، وإلى ذلك السؤال المؤلم: أين يذهب الوفاء عندما يحتاج إليه من أفنى سنوات من عمره في خدمة الكلمة والحقيقة والناس؟
فما أقسى أن يكتشف الإنسان، وهو على سرير المرض، أن بعض الذين كانوا قريبين منه في أيام العطاء غابوا عنه في أيام الانكسار، وأن سنوات التضحية لا تكفي دائماً لضمان الاعتراف والوفاء، وأن الصحفي الذي حمل هموم الآخرين قد يجد نفسه وحيداً أمام همومه.
ومع ذلك، فإن حكاية عبد الكبير المامون ليست حكاية خذلان فقط، بل هي أيضاً حكاية وفاء وصمود، تتجسد في زوجة وأبناء وأصدقاء وجيران وأطر طبية ظلوا إلى جانبه، وأثبتوا أن الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار على قسوة المرض وبرودة النسيان.
إن نشر هذه السلسلة ليس استدراراً للعطف، ولا بحثاً عن شفقة عابرة، وإنما هو محاولة لإنصاف إنسان وصحفي، وتذكير بأن من حملوا أقلامهم للدفاع عن المجتمع يستحقون بدورهم الحماية والرعاية والاعتراف، خصوصاً عندما تتراجع صحتهم وتتقلص إمكاناتهم.
وهي أيضاً مناسبة لطرح سؤال أكبر يتعلق بمصير الصحفيين بعد سنوات العطاء: من يحميهم عندما يمرضون؟ ومن يصون كرامتهم عندما تتوقف أقلامهم قسراً؟ وأين مؤسسات المهنة وهيئاتها وصناديق التضامن من معاناة من خدموا الصحافة وأهلها؟
في هذه الحلقة الثالثة، يأخذنا عبد الكبير المامون إلى واحدة من أقسى محطات رحلته مع المرض، حين دخل في غيبوبات كبدية خطيرة، وفقد وعيه، ووجد نفسه داخل قسم الإنعاش، بينما كانت أسرته تعيش ساعات طويلة من الرعب والانتظار، بين احتمال الفقدان وأمل العودة إلى الحياة.
إنها شهادة تستحق أن تُقرأ بعقولنا وقلوبنا، لأن المرض قد يسلب الإنسان صحته، لكن الخذلان قد يضاعف أوجاعه، ولأن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بما نقوله للإنسان في أيام قوته، بل بما نقدمه له في لحظات ضعفه.
بقلم : بوشعيب حمراوي
الحلقة الثالثة …
الغيبوبة الكبدية.. حين تصل المواد السامة إلى الدماغ بسبب عجز الكبد عن التخلص منها (02)
ما قالته لي الدكتورة قلب حياتي رأساً على عقب. وجدت نفسي أمام واقع صحي لم أكن أتخيله، وبدأت رحلة طويلة من المعاناة ومصارعة المرض في ظروف مادية صعبة للغاية، وما يرافقها من خوف وقلق وانتظار وترقب لكل نتيجة تحليل، ولكل تطور جديد في حالتي الصحية التي كانت تتدهور باستمرار.
انطلقت رحلة العلاج تحت إشراف الدكتورة لبنى الوافي، التي بذلت مجهودات كبيرة من أجل متابعة وضعي الصحي والحد من مضاعفات المرض، بمساندة أخي وصديقي مصطفى الحياني، الذي ظل إلى جانبي في هذه المحنة.

لكن رحلة العلاج لم تكن سهلة، ولم تسر دائماً كما تمنيت، ولا كما كانت تتمناها الدكتورة؛ فقد تعرضت، من حين إلى آخر، لنوبات من الغيبوبة الكبدية، وهي إحدى المضاعفات الخطيرة لتشمع الكبد المتقدم، والتي زادت من صعوبة وضعي الصحي وعمّقت معاناتي ومعاناة أسرتي.
في بداية شهر مارس 2026، وبالضبط يوم الرابع منه، طلبت مني الدكتورة لبنى إجراء فحص بالسكانير، من أجل تقييم تطور المرض ومدى تأثيره على باقي أعضاء الجسم، والوقوف على مستجدات حالتي الصحية.
لكن ما وقع بعد ذلك لم يكن في الحسبان؛ فبينما كنت داخل جهاز الفحص، فقدت وعيي بشكل مفاجئ، ليتم إشعار الدكتورة لبنى الوافي على الفور بما حدث. ونظراً إلى خطورة الوضع، طلبت من زوجتي وابني نقلي على وجه السرعة إلى المصحة، مؤكدة أنها ستلتحق بهما، بعدما اشتبهت في تعرضي لغيبوبة كبدية.
وبعد مرور 12 يوماً على الغيبوبة الأولى، وبينما كنت في البيت أستعد رفقة زوجتي لاستقبال ليلة القدر، ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان الأبرك، عشت أصعب مرحلة من مراحل تطور المرض، بعدما أصبت بغيبوبة ثانية.
وخلال هذه الغيبوبة، واجهت زوجتي وأبنائي، بمساعدة جاري سمير وزوجته، صعوبة كبيرة في نقلي إلى المصحة؛ إذ أصبحت، بحسب روايتهم لي، كالثور الهائج، أهاجم كل من يقترب مني وأضربه بعنف، دون أن أعي ما أفعله أو أدرك ما يجري حولي.
وبعد أن تمكنوا من نقلي إلى المصحة، كنت في وضع صحي حرج للغاية، حتى إن كل من رآني كان يعتقد أنني لن أعود إلى الحياة. وحتى طبيب القلب، عندما عاين حالتي، عبّر عن التشاؤم نفسه، لكن مشيئة الله كانت أقوى من كل التوقعات.
وعند وصولي إلى المصحة، نُقلت إلى قسم الإنعاش، حيث خضعت للعناية المركزة، واضطر الطاقم الطبي إلى تقييدي بالسرير بسبب استمرار حالة الهيجان التي كنت عليها.
وبعد مرور أكثر من 70 ساعة في قسم الإنعاش، وأنا مقيّد إلى السرير، بدأت أستعيد وعيي تدريجياً، وأتساءل في نفسي: أين أنا؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ وكان أول من تعرفت عليه الدكتورة لبنى الوافي، التي ظلت تلازمني، إلى جانب زوجتي وأبنائي.
وتحدث هذه المضاعفة عندما يعجز الكبد عن أداء وظائفه بشكل طبيعي، بما في ذلك المساهمة في التخلص من بعض المواد التي قد تصبح سامة للجسم، فتتراكم في الدم، ومن بينها مادة الأمونياك، وقد تؤثر في وظائف الدماغ، مسببة اضطراباً في الوعي أو فقدانه، بحسب شدة الحالة.
خلال هذه المحنة، خضعت لمراقبة طبية دقيقة، ومُنعت الزيارة عني بسبب خطورة وضعي الصحي. وقد تولت الدكتورة لبنى الوافي والدكتور العدوي متابعة تطورات حالتي والإشراف على مختلف مراحل علاجي، دون أن أنسى الدكتور المنصوري، الذي كان يشرف آنذاك على قسم الإنعاش.
وعندما بدأت أستعيد وعيي، استُدعيت الدكتورة الوافي والدكتور العدوي. سألتني الممرضة إن كنت أتعرف عليهما، فتعرفت على الدكتورة لبنى، بينما لم أتمكن في البداية من التعرف على الدكتور العدوي.
كانت لحظة عصيبة، تختلط فيها مشاعر الخوف والارتباك، ويجد الإنسان نفسه أمام حقيقة قاسية: أن المرض قد يسلبه وعيه وذاكرته، ويجعله عاجزاً عن إدراك ما يجري حوله، حتى وهو بين أيدي من يسهرون على علاجه.
وبعد تحسن حالتي، نُقلت من قسم الإنعاش إلى جناح الاستقبال، حيث وجدت زوجتي وأبنائي في انتظاري، إلى جانب جاري سمير وزوجته نومة، اللذين ظلا بجانب أسرتي طوال هذه المحنة، ولم يذوقا طعم النوم أو الأكل منذ دخولي قسم الإنعاش، خوفاً على وضعي الصحي وترقباً لأي خبر عن حالتي.
ذلك المشهد لن أنساه ما حييت؛ فقد أدركت حينها أن المرض لا يصيب صاحبه وحده، بل يمتد أثره إلى كل من يحبونه، ويجعل أفراد الأسرة يعيشون ساعات طويلة من القلق والخوف، بين الدعاء وانتظار الأخبار والأمل في عودة المريض إلى وعيه سالماً.
وبعد يومين، غادرت المصحة، وتوجهت مباشرة على متن سيارة إسعاف، رفقة ابني فيصل وابنتي فاطمة الزهراء، إلى المستشفى العسكري بالرباط. وعند وصولي، كشف عليّ الأطباء، ثم قالوا لابنتي: «ليس لدينا ما نفعله له، لأن الطبيبة التي تعالجه قامت باللازم وأكثر».
كانت تلك الكلمات تعبيراً عن حجم المجهودات التي بذلتها الدكتورة لبنى الوافي في متابعة حالتي والتعامل مع مضاعفات المرض.
وبعد عودتي إلى البيت، وجدته ممتلئاً عن آخره بالجيران وأفراد العائلة، الذين كانوا ينتظرون عودتي بقلوب يملؤها الخوف والقلق. وعندما أنزلوني من سيارة الإسعاف، وضعوني على بطني، وأحضروا فقيه الدوار ليقرأ عليّ سوراً من القرآن الكريم، بعدما كان الجميع مقتنعاً بأن وفاتي لم تعد سوى مسألة وقت، بالنظر إلى وضعي الصحي المتدهور للغاية.
كانت رحلة المرض قد وضعتني أمام محطات قاسية، لم أكن أتصور يوماً أن أعيشها، وجعلتني أكتشف حجم المعاناة التي يتحملها المريض وأسرته، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرض خطير تتطلب مضاعفاته متابعة طبية مستمرة وعلاجاً مكلفاً.
وهكذا وجدت نفسي في مواجهة مرض لا يقتصر أثره على الجسد وحده، بل يمتد إلى الحياة اليومية والنفسية والعائلية، ويجعل المريض يعيش بين الأمل في التحسن والخوف من الانتكاس، وبين متطلبات العلاج وتكاليفه الثقيلة.
ولم تتوقف رحلة البحث عن العلاج عند حدود المغرب، بل قادتني معاناتي الصحية إلى السفر نحو فرنسا ومصر، في محاولة لمواصلة العلاج والبحث عن كل ما يمكن أن يساعدني على مواجهة المرض واستعادة عافيتي.
هذه بعض فصول حكايتي مع تشمع الكبد؛ حكاية إنسان وجد نفسه فجأة في مواجهة مرض غيّر مجرى حياته، ووضعه أمام محطات قاسية لم يكن يتصور يوماً أنه سيعيشها، لكنه ظل متشبثاً بالأمل، مستعيناً بالله، وممتناً لكل من مدّ إليه يد المساعدة وسانده في أصعب لحظات حياته.
يتبع…


