كتاب البديل

فرنسا/المريض الجديد في أوروبا: هل انتهى عصر “الماكرونية” وحل موعد “أوروبا الأمم”؟

فرنسا /المريض الجديد في أوروبا: هل انتهى عصر

“الماكرونية” وحل موعد “أوروبا الأمم”؟

محمد عزيز الوكيلي

في يوم واحد، خسرت بورصة باريس أكثر من 1%، وقدم وزير الداخلية استقالته، وفرضت السلطات حظر التجول محلياً في مدن فرنسية غير قليلة. وهذا المشهد ليس قطعةً من فيلم يصوّر أزمة ديون أو تراجع في الخدمات، بل هو ملخص أسبوع من المتاعب في زعيمة أوروبية هي صاحبة ثاني اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.

لقد بدأ الأمر أولاً بتظاهرة لتلاميذ ثانويات يطالبون بأساتذة وبشيء من الاعتبار، ثم تطوّر في زمن قياسي إلى أزمة ديون تهدد استقرار منطقة اليورو بالكامل، تماما كما وقع سنة 2010 عند اندلاع الأزمة اليونانية، ثم ما لبثت فرنسا أن تحوّلت في أكتوبر الجاري إلى ما وصفته مجلة بوليتيكو الأمريكية بـ”المريض الجديد لأوروبا”.

كيف وصلت باريس إلى هذه الحالة، ولماذا يخشى الأوروبيون العدوى، كما كانوا يتحسّبون منها إزاء اليونان قبل عقد ونصف؟ لنتأمل هذه الثلاثية من الأحداث المتسارعة:

1- من المدارس إلى الشارع انفجار اجتماعي بلا قيادة:

بدأ هذا الكابوس في سبتمبر الماضي بهدوء: تلاميذ ثانويات يحتجون على الاكتظاظ، وعلى نقص الأساتذة، وغياب وسائل التدريس، ولم تُصنَّف هذه سوى “كحركة عابرة” في نظر حكومة لا تزن الأمور بميزان التوقع والاستباق، ولذلك تحولت هذه البداية إلى الشرارة التي ستقصم ظهر الجمهورية الخامسة، وتجعلها في موقف شبيه بذاك الذي عاشه الجنرال ديغول سنة 1968.

ذلك، أنه سرعان ما انضم طلبة الجامعات إلى تلاميذ المدارس، ثم انضافت إليهم النقابات العمالية، التي وجدت في مشروع قانون المالية الجديد (2027) اعتداءً على القدرة الشرائية “لما كان يُسمّى ب”البروليتاريا”.

وفي السابع عشر، من الجاري دائماً، خرجت فرنسا برمتها للشارع فيما يشبه تمرداً مدنياً، حيث تظاهر ما بين 550 ألف نفر حسب وزارة الداخلية، و800 ألف حسب النقابات، في أكثر من 110 مدينة من باريس إلى مرسيليا. فكان شعارهم الموحد: غلاء المعيشة.

لكن الظاهرة التي ميزت ذلك اليوم كانت هي العنف، ونهب المُولات والمتاجر، وحرق المباني العمومية والحافلات والسيارات، فضلاً عن المواجهات العنيفة مع قوات الأمن… كان دماراً بكل معنى الكلمة، إلى درجة جعلت وزير الداخلية “لوران نونيز” يستقيل من منصبه معتبرا نفسه “مسؤولا عن كل ما يحدث”، قبل أن يرفض الرئيس إيمانويل ماكرون استقالته بتعنّت.

وبعد أسبوع من تلك البداية المزلزلة، في 24 منه، تكرر المشهد ذاته، حتى أشارت الأرقام الرسمية إلى 410 ألف متظاهر، وتقديرات النقابات إلى 800 ألف، لكن الرسالة كانت واحدة: وهي “أنّ فرنسا اشتد بها الغضب لدرجات غير مسبوقة”. أمام هذا الزخم المتسارع والمُفزِع، خرج الرئيس ماكرون في خطاب متلفز ليقول “مَن دمّر يجب عليه أن يسدد الثمن، ومن نهب يجب عليه أن يدفع التعويض”، غير أنه رغم ذلك لم يُخْفِ “قلقه العميق” إزاء أحوال الشباب المتذمِّر.

2- عندما تُعاقِب الأسواقُ الديمقراطيةَ:

الواقع أن هذا الغضب الشعبي كان له ما وراءه بالفعل. فهناك حقيقة اقتصادية قاسية، مفادُها أنّ الدَّيْن العمومي ناهز 119% من الناتج الداخلي في منتصف 2026، وأنه يُتَوَقَّع أن يصل 121.7% في أفق 2027. وأن العجز سجل نسبة 5.4%، ومن ثَم يحاول قانون المالية 2027 أن يخفضه إلى 5%، عن طريق توفير 43 مليار يورو، بانتهاج سياسة التقشف، ورفع قيمة بعض الضرائب، الشيء الذي لا يبدو أنه كافٍ لوقف نزيف الدَّيْن العمومي الآخذ في الارتفاع.

لكنْ يبدو أن الأسواق المالية الأوروبية فهمت من جهتها الرسالة، إذ بمجرد تَوَقُّف أسبوع العنف، سُجِّل انخفاضٌ مهم في العديد من المؤشرات في بورصات باريس وفرانكفورت ولندن، وانخفض نسبيا خوف المستثمرين من احتمال رفض الميزانية، وزال خوفهم على استقرار فرنسا نفسها. وبذلك تجاوزت عائدات السندات الفرنسية العُشارية نسبة 5% لأول مرة منذ 2002، لتصبح فرنسا بمثابة التلميذ المشاغب الجديد داخل الاتحاد الأوروبي، حتى أنها تجاوزت كلاًّ من المشاغبَيْن السابقيْن، إيطاليا واليونان، حسب وكالات التصنيف الأوروبية.

هناك أيضاً مفارقة فرنسية لافتة: فالبرلمان بلا أغلبية منذ انتخابات 2024 المبكرة، التي كان قد دعا إليها الرئيس ماكرون نفسه، بعد أن عجز عن تمرير أي إصلاح. كما أن الحكومات المتعاقبة كانت دائما تسقط بسبب الميزانية، بينما تتغذى الأحزاب المتطرفة على هذا النوع من الشلل، لتكون النتيجة تدنّياً مثيراً لشعبية ماكرون، التي انحدرت إلى 17%، مسجلة بذلك أدنى نسبة في تاريخ الجمهورية الخامسة.

3- العدوى الأوروبية وسؤال مآل الاتحاد في الأفق القريب:

إن هذا الذي شهدته فرنسا خلال الأسبوعين المنصرمين لم يكن ليبقى في باريس. ففي نفس الأسبوع، تظاهر أكثر من 100 ألف نفر في إيطاليا بدعوة من إحدى النقابات هناك، وخرجت مسيرات في بلجيكا واجهتها الشرطة بخراطيم المياه، وانفجرت احتجاجات أخرى في إسبانيا والبرتغال وألبانيا حاملةً نفس الهموم: تدني القدرة الشرائية، ضبابية السياسة التعليمية، تراجع الخدمات العمومية… وهذا بالذات، هو الذي يجعل الأزمة مهدِّدَةً للاستقرار الأوروبي. ذلك، أن التضخم وإن تراجع نسبياً، فإن أزمة السكن، وتراجع الخدمات العمومية وتدنّيها، أصبح قاسما مشتركا بين شباب القارة العجوز ونقاباتها العمالية.

نهايته… إن فرنسا اليوم ليست مجرد دولة تعاني من مظاهرات واحتجاجات، بل هي مختبر تتفاعل فيه أزمة أوروبية أوسع، تتمثل في ديمقراطيا تحكم بلا أغلبية، ودولة مَدينة بفوائد عالية ورغم ذلك تُمَوِّل حروباً ومعارك خاسرة، وجيل تلاميذي يرى مدارسه بدون أساتذة، وأسر عمالية ترى سكنها اللائق حلماً مستحيلاً… وسواء مرت الميزانية الجديدة أو سقطت، فإن الأزمة الفرنسية لن تُحَلَّ بمرسوم، لأنها بكل بساطة أزمة نموذج مات وحان أوان دفنه. وحتى الماكرونية التي قامت سنة 2017 على وعد تجاوز اليمين واليسار، تجد نفسها اليوم محاصرة بينهما.

الظاهر أن ما سيخرج من شوارع باريس في الأشهر القادمة، قد يرسم وجه أوروبا كلها بعد انتخابات السنة القادمة. والظاهر أيضاً أن “عصر الماكرونية” قد انتهى وفات أوانُه، وأن عصر “أوروبا الأمم” سيحل محله بقوة الأشياء… و… عجبي!!!
_____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى