كتاب البديل

الفيتو الروسي يرتد على موسكو والجزائر.. ويسرّع موعد طيّ ملف الصحراء

الفيتو الروسي يرتد على موسكو والجزائر.. ويسرّع موعد طيّ ملف الصحراء

محمد عزيز الوكيلي

رفعت موسكو ورقة الفيتو الحمراء في وجه مشروع قرار حاملةِ القلم بمجلس الأمن، الولايات المتحدة الأمريكية، حول ملف الصحراء المغربية، فأدركت للتو أنها لم تفعل شيئا سوى أنها أطلقت النار على أصابع قدميها، لأن ما جرى بالفعل يوم أمس الجمعة داخل أروقة مجلس الأمن، لم يكن مجرد تَدافُعٍ أثناء التصويت، بل شكّل ومضةً كلمح البصر انكشفت فيها المقاربة الروسية، التي كانت موضوع توسلات واستعطافات الدبلوماسية الجزائرية الصادرة عن نظام يعيش النزع الأخير قبل أن يلفظ أنفاسه، فأضحت من تلقاء ذاتها لحظةَ ولادة لمقاربة مغربية جِرّيئة وغير مسبوقة، تنمّ عن عبقرية العقل المغربي، قلبت مقاييسَ ظَلَّ العمل بها سارياً طوال العقود الثلاثة الماضية.

حسناً… لقد أسقط الفيتو الروسي مشروع القرار الأمريكي، ولكن المشروع الروسي المضاد فشل بالمقابل في الحصول على العدد اللازم من الأصوات لاعتماده، ليجد مجلس الأمن نفسه أمام سابقة في غاية الخطورة، تتمثل في وقف لعبة التمديد الرتيبة والمملّة، لصلاحيات بعثة المينورسو. وهذا يُعتبَر في المنطق التقليدي لهيأة الأمم المتحدة فشلاً ذريعاً، إذا كان يصيب بضرره سمعة الهيأة ووزنها الاعتباري بين الإمم، فإنه شكّل في المنطق الاستراتيجي للعاصمة، الرباط، فرصة تاريخية لا تُعَوَّض.

جاء بلاغ الديوان الملكي، في هذا الموقف بالذات، ليشكل بدوره عنصراً سياسياً دبلوماسياً وإعلامياً غيرَ مسبوق، سواء في لهجته، أو في وضوحه الشديد، ليحوّل هذا الفراغ القانوني الناتج عن الفيتوهَيْن، الروسي والأمريكي، إلى إنجاز سيادي يحاكي وضوحُه شمسَ الظهيرة… فكيف ذلك؟

إن الإعلان الذي أصدره الديوان الملكي، بخصوص “عدم تجديد ولاية بعثة المينورسو”، بوصفه يشكّل خطوة مهمة نحو الطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، لم يكن مجرد تعليق بروتوكولي، بل كان بقوة الأشياء إعلاناً سيادياً عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة وغير مسبوقة، وعن موقف راسخ من المُستبعَدِ بكل لغات العالم أن يزحزحه أحدٌ داخل المنظمة الأممية أو خارجها.

لقد ظلت المينورسو، منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار سنة1991، أداةً لإدارة استمرارية النزاع لا لحله، وبالتالي مجرد أسبيرين وليس علاجاً لهذا المرض السياسي والدبلوماسي المغاربي الإفريقي العُضال.

إن بعثة المينورسو، التي تُنفَقُ عليها ميزانية تقارب 60 مليون دولار سنوياً، استمرت بلا أفق لتنظيم استفتاء يُعَدّ منذ عقود من قَبيل المستحيلات، وبلا صلاحيات حتى لمراقبة وقف إطلاق النار، الذي درجت البوليساريو على خرقه بشكل أحادي منذ نوفمبر 2020. وإذا كان المغرب قد تحمّل عبء وجودها كجزء من التزامه بالشرعية الدولية، فإنه لم يكن ليقبل أن يتحوّل يوما إلى رهينة بين يديها. ولذلك فاليوم، بعدما عجز مجلس الأمن عن التمديد لصلاحياتها الرتيبة بسبب مغامرة روسية غير محسوبة العواقب، ها هُوَذا يُسقط القناع عن أصحاب الفيتو وعن المجلس بكامله والهيأة الأممية برمّتها.

والحال أن الفيتو الروسي أقول إنه ارتد على موسكو لثلاثة أسباب:

السبب الأول:
لأنه كشف أن دولة روسيا بكل قدّها وقديدها لا تملك مشروعاً بديلاً. فمشروعها المضاد لم يحصل على أكثر من ثلاثة أصوات من التسعة المطلوبة، مما يعني أن العالم لم يعد مستعدا لمقايضة استقرار شمال إفريقيا بحسابات موسكو المتعلقة بحربها الأوكرانية.

السبب الثاني:
لأن الفيتو الروسي حرر المغرب من قيد إجرائي كان يثقل كاهله. لأنه ما دامت المينورسو موجودة، فإن ملف الصحراء المغربية سيظل رهين رفوف اللجنة الرابعة ومجلس الأمن. وبزوال تلك البعثة الكسيحة، سيسقط المبرر القانوني لبقاء الملف على جدول أعمال المجلس كقضية تتطلب وجود بعثة لحفظ السلام… وهذا من أدبيات الأمم المتحدة.

السبب الثالث:
لأن الفيتو الروسي منح للديوان الملكي الشرعية القانونية الكاملة للقول “إن الأمم المتحدة هي التي فشلت في تجديد ولايتها”، و بالتالي ليس المغرب هو الذي قام بطَرْدِها… وفي هذا كامل التخفيف عن كاهل الدبلوماسيا المغربية.

إن ما يطرحه الديوان الملكي، اليوم، ليس فراغاً، بل خارطةَ طريقٍ مختزَلَةً لطيّ هذا الملف الثقيل والممل إلى درجة القرف. والمنطق هنا بسيط، إذِ السيادة المغربية على الصحراء لم تعد موضوع تفاوض. كما أن اعتراف الولايات المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا، وأكثر من 115 دولة بمغربية الصحراء، وبمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد، جعل من المينورسو جسماً غريباً وضيفاً ثقيلاً لم يعد لوجوده بعين المكان ما يبرره. وحتى مهمتها الأصلية التي كانت منحصرة في تنظيم الاستفتاء، فقد فقدت مبرر وجودها منذ ولادتها لأن الاستفتاء مات ودُفِن منذ مخطط بيكر الثاني… فلماذا الإبقاء إذَنْ على بعثة بلا أدنى مهمة، ما عدا كتابة التقارير المتكررة والمتشابهة عن خرق اتفاق إطلاق النار من جانب واحد لا سلطة لها عليه؟

والآن، بعد هذا البيان الصريح للديوان الملكي، فإن الخطوة المقبلة التي فتحها بلاغ هذا الأخير واضحة، وهي الدفع نحو سحب ملف الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن، واللجنة الرابعة لهيأة الأمم، ونقله إلى مساره الطبيعي كقضية تنمية واستثمار جهويَّيْن في إطار السيادة المغربية.

وبعبارة أخرى، فإنّ الانتقال سيكون من الآن فصاعداً من منطق “النزاع” إلى منطق “حل النزاع”، والحل هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما كرسته قرارات مجلس الأمن نفسه منذ 2007 إلى غاية يومه.

إن الذين يتباكون اليوم على المينورسو في الجزائر وتيندوف، هم أنفسهم الذين عرقلوا عمل المينورسو لسنوات. وإن الجزائر التي توسّلت يوم أمس إلى موسكو كي تستعمل حق الفيتو، هي التي ترفض دائماً الإحصاء، وترفض الحل السياسي، وترفض العودة إلى مفاوضات الموائد المستديرة. وها هي اليوم تدفع ثمن مقامرتها، إذ لم تعد هناك مينورسو لتتذرع بها، ولم يعد هناك ملف في مجلس الأمن لتستعمله كورقة ضغط، ولم تبقَ هناك شرعية دولية لمشروع انفصالي انتهى سياسياً وميدانياً خارج وعي وإرادة نظام عاجز عن فهم ما يجري حوله، مما كسبته يداه، وخططت له أدمغةُ قادته العجزة.

الرسالة الملكية واضحة إلى الداخل والخارج معاً، مفادُها أن المغرب لا يخاف الفراغ. ففي أقاليمه الجنوبية توجد دولة عريقة، ومؤسسات منتخبة، واستثمارات بمليارات الدولارات في ميناء الداخلة الأطلسي، وطريق تيزنيت الداخلة، ومشاريع الهيدروجين الأخضر. وهناك واقع يتحرك، بينما هناك في نيويورك فيتو يتعثر ويتعطّل من تلقاء ذاته وبفضل غباء الداعين إلى استعماله.

لقد قلب الديوان الملكي المعادلة: فمَن كان يعتقد أن عدم التمديد للمينورسو يشكّل أزمةً للمغرب، اكتشف اليوم أنه بداية النهاية لابتزاز دام لأكثر من أربعٍ وثلاثين سنة.

نهايته… أنّ الكرة الآن في ملعب الأمين العام للأمم المتحدة. فإما الإقرار بأن مهمة المينورسو قد انتهت بانتهاء مبرر وجودها، وإما تحمل مسؤولية فشل مجلس الأمن الذي تسببت فيه موسكو بنقضٍ لم يَبْلُغْ مَحِلَّه.

وفي جميع الأحوال، سيسجل التاريخ أن يوم 30 أكتوبر 2026 لم يكن يومَ فشل أمَميّ، بقدرما كان يومَ تحرُّرٍ مغربيٍّ من عبءٍ وعجزٍ أُمَمِيَّيْن… و… عجبي!!!
____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى