مطرح بني يخلف يخنق سكان المحمدية وبنسليمان.. من ينصف الإنسان والأرض من الأدخنة والروائح الكريهة؟
من بني يخلف إلى الفضالات وأولاد بوجمعة والدبابج والقواسمة.. عشرات التجمعات السكنية تشتكي من التلوث، ومطالب بتدخل عاجل يحمي صحة المواطنين وينهي سنوات المعاناة البيئية

مطرح بني يخلف يخنق سكان المحمدية وبنسليمان.. من ينصف الإنسان والأرض من الأدخنة والروائح الكريهة؟
من بني يخلف إلى الفضالات وأولاد بوجمعة والدبابج والقواسمة.. عشرات التجمعات السكنية تشتكي من التلوث، ومطالب بتدخل عاجل يحمي صحة المواطنين وينهي سنوات المعاناة البيئية
بقلم: بوشعيب حمراوي
لم يعد مقبولاً أن تتحول حياة آلاف المواطنين بالمناطق القروية الواقعة بين إقليمي بنسليمان والمحمدية إلى معاناة يومية مع الأدخنة والروائح الكريهة، وأن يجد السكان أنفسهم مضطرين إلى إغلاق نوافذ منازلهم، وتجنب الجلوس أمام بيوتهم، والخوف على أطفالهم ومسنّيهم، بسبب ما يتصاعد من مطرح النفايات ببني يخلف.
فالمرفق الذي أُحدث في الأصل من أجل تدبير النفايات المنزلية وحماية البيئة، أصبح، وفق الشكايات المتواصلة للسكان والتقارير الصحفية المنشورة، مصدر قلق بيئي وصحي متزايد، بعدما تجاوزت معاناة محيطه المباشر لتشمل دواوير ومناطق واسعة، بعضها تابع لعمالة المحمدية وبعضها الآخر لإقليم بنسليمان.

والقضية اليوم لم تعد مجرد روائح عابرة، ولا مشكلة تقنية يمكن تأجيل معالجتها، بل أصبحت قضية كرامة إنسانية، وحق دستوري في الصحة والعيش داخل بيئة سليمة، ومسؤولية مؤسساتية تستوجب التدخل الفوري بدل استمرار الصمت وانتظار تفاقم الأضرار.

من بني يخلف إلى الفضالات.. التلوث لا يعترف بالحدود الإدارية
إن الحديث عن مطرح بني يخلف لا ينبغي أن يحصر معاناة السكان في جماعة واحدة أو دوار بعينه. فالروائح والأدخنة التي يشتكي منها المواطنون لا تتوقف عند الحدود الفاصلة بين عمالة المحمدية وإقليم بنسليمان، ولا تحتاج إلى ترخيص إداري حتى تنتقل مع الرياح من منطقة إلى أخرى.
وتشمل شكايات السكان مناطق أولاد بوجمعة الساحل، وأولاد بوجمعة التيرس، وأولاد بوريس، والخميس أهل لوطة، وأولاد الشطان، والكواسم والقواسمة، ولغيميين، وأولاد الرامي، وأولاد يوسف، ولعمور، والدبابج، وبنابت، ورنيدة، وجمعة فضالات المركز، والحجبة، ومحيط المدرسة الفلاحية، فضلاً عن بني يخلف ودواويرها والجماعات المجاورة.
وهي مناطق تضم أسرًا وفلاحين ومستخدمين وعمالاً وأطفالاً يتابعون دراستهم، ومواطنين لا يطالبون بامتيازات استثنائية، وإنما بأبسط شروط الحياة الطبيعية: هواء نظيف، وبيئة صحية، ومنازل لا تقتحمها الروائح، وحقول لا يهددها التلوث.
وحتى مستعملو الطرق المجاورة لا يسلمون، بحسب الشهادات المحلية، من الروائح النفاذة والأدخنة التي قد تؤثر في الراحة والرؤية وسلامة التنقل.
إن ما يجعل هذه الأزمة أكثر خطورة هو اتساع نطاقها الجغرافي، بما يفرض التعامل معها باعتبارها قضية مشتركة بين الإقليمين، لا مجرد نزاع محلي محدود.

السكان يشتكون من أمراض العيون والحساسية والجلد
لا يمكن الحديث عن معاناة السكان دون التوقف عند الجانب الصحي، الذي يظل الأكثر إثارة للقلق.
فقد باتت شكايات المواطنين تتحدث عن حالات من تهيج العيون واحمرارها، والحساسية، ومشكلات جلدية وتنفسية، يربط أصحابها ظهورها أو تفاقمها بفترات انتشار الأدخنة والروائح الصادرة من المطرح.
وبطبيعة الحال، فإن تحديد العلاقة الطبية المباشرة بين هذه الحالات والتلوث يستوجب فحوصاً وتحاليل علمية، لكن غياب تلك التحاليل لا يبرر تجاهل الشكايات أو التقليل من خطورتها.
فحين يشتكي سكان دواوير متعددة من أعراض متشابهة، ويتحدثون عن أدخنة وروائح متكررة، فإن المسؤولية تفرض على السلطات الصحية والبيئية الانتقال إلى عين المكان، وإجراء قياسات لجودة الهواء، والبحث عن مصادر الملوثات، وإعداد تقرير صحي وبيئي معلن للعموم.
لا يمكن مطالبة المواطنين بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا اشتراط أن تتحول معاناتهم إلى كارثة صحية مثبتة حتى تتحرك الجهات المعنية.
فالوقاية ليست امتيازاً تمنحه الإدارة متى شاءت، وإنما واجب يدخل في صميم حماية الصحة العامة.
مطرح يعود إلى سنة 2012.. وأسئلة مشروعة حول المراقبة والتدبير
تعود بداية استغلال مطرح بني يخلف المشترك بين المحمدية وبنسليمان إلى سنة 2012، حين قدم باعتباره منشأة مخصصة للطمر المراقب للنفايات، على مساحة تناهز 47 هكتاراً، وبطاقة استيعابية تصميمية تقارب 3.5 ملايين طن خلال عشرين سنة.
لكن مرور السنوات يفرض اليوم طرح أسئلة حول مدى احترام شروط الاستغلال، وقدرة المنشأة على استيعاب النفايات، وفعالية تجهيزات معالجة العصارة والغازات، والإجراءات المعتمدة لمنع الحرائق والانبعاثات.

وقد سبق لوسائل إعلام أن تناولت اختلالات تدبير هذا المرفق، كما نشرت هسبريس، في ماي 2026، معطيات بشأن مراسلات المفتشية العامة للإدارة الترابية المرتبطة بملاحظات إدارية ومالية تتعلق بتدبير المطرح.
وهي معطيات تستوجب توضيحات رسمية، مع التأكيد أن وجود ملاحظات أو تحقيقات لا يعني ثبوت المخالفات أو تحديد المسؤوليات قبل استكمال المساطر القانونية.
كما عادت الصحافة المحلية، خلال أكتوبر 2026، إلى الحديث عن الأدخنة التي تغطي بعض دواوير بني يخلف، وعن اضطرابات مرتبطة باستقبال النفايات داخل المطرح.
كل ذلك يؤكد ضرورة الانتقال من التشخيص المتكرر إلى المعالجة الفعلية.
لماذا يتحرك ملف المطرح عند الحديث عن الملعب الكبير؟
من بين الأسئلة التي يحق للسكان طرحها تلك المرتبطة بما نشر عن إمكانية نقل مطرح بني يخلف بسبب قربه من محيط مشروع الملعب الكبير الحسن الثاني بالمنصورية.
فإذا كانت حماية محيط المنشآت الرياضية والتجهيزات الكبرى من التلوث ضرورة مشروعة، فإن حماية السكان الذين يعيشون في الدواوير المحيطة بالمطرح أولى بأن تكون أولوية مستمرة، لا قراراً ظرفياً يرتبط بظهور مشروع جديد.
لا أحد يعارض تشييد الملاعب الكبرى أو إنجاز البنيات التحتية الحديثة، بل إن المنطقة تحتاج إلى المزيد من المشاريع التي تعزز التنمية وتوفر فرص الشغل وتحسن جاذبيتها الاقتصادية.
لكن التنمية الحقيقية لا تكتمل بالملاعب والطرقات والمنشآت الضخمة وحدها، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الإنسان، وبقدرة المؤسسات على حماية صحته وكرامته وبيئته.
فما قيمة المشاريع الكبرى إذا ظل المواطن المجاور لها عاجزاً عن فتح نافذة منزله دون أن تستقبله روائح النفايات؟
وما معنى الحديث عن التأهيل المجالي إذا كانت دواوير بأكملها لا تزال تشكو من الأدخنة وتنتظر تدخلاً يضمن لها شروط العيش الكريم؟
الأرض الفلاحية أيضاً تحتاج إلى الإنصاف
لا يقتصر الضرر المحتمل على صحة الإنسان، بل يمتد القلق إلى المجال الفلاحي الذي يشكل مصدر عيش لعدد مهم من الأسر بالمنطقة.
فأراضي الفضالات وبني يخلف والمناطق المجاورة ليست مجرد فضاءات فارغة يمكن إغفالها عند اتخاذ القرارات المتعلقة بتدبير النفايات، بل هي أراضٍ فلاحية ومجالات سكنية لها تاريخها وخصوصياتها وأهميتها الاقتصادية والاجتماعية.
وقد سبق أن أثيرت منذ سنوات شكايات فلاحين بشأن احتمال تأثير عصارة النفايات في المياه والماشية والأراضي الزراعية، وهي ادعاءات ينبغي إخضاعها للتحقق العلمي بدل تركها معلقة دون أجوبة.
إن حماية الأرض الفلاحية تتطلب مراقبة المياه السطحية والجوفية، وتحليل التربة عند الضرورة، والتحقق من سلامة تدبير السوائل الناتجة عن النفايات، خصوصاً في فترات التساقطات المطرية.
فالمنطقة تحتاج إلى تنمية فلاحية مستدامة، لا إلى مخاوف دائمة من تلوث الماء والهواء والتربة.
من يتحمل مسؤولية حماية السكان؟
إن تدبير مطرح للنفايات لا ينتهي بمجرد استقبال الشاحنات وتفريغ حمولاتها، بل يستوجب منظومة متكاملة من الرقابة والتتبع والمعالجة والوقاية.
ولهذا فإن المسؤولية تهم الجهات القائمة على تدبير المطرح واستغلاله، والسلطات الترابية المختصة، والمصالح المكلفة بالبيئة والصحة، كل حسب اختصاصاته القانونية والتعاقدية.
والمطلوب اليوم ليس توزيع الاتهامات دون دليل، وإنما تحديد المسؤوليات بشفافية، والكشف عن الوضع التقني الحالي للمرفق، وطبيعة الإجراءات التي اتخذت لمعالجة الأدخنة والروائح، ومآل التقارير والملاحظات المتعلقة بتدبيره.
كما ينبغي إحداث لجنة مشتركة بين عمالتي المحمدية وبنسليمان، تضم ممثلين عن المصالح البيئية والصحية والمنتخبين والجهات المسؤولة عن المرفق، مع الاستماع المباشر إلى ممثلي الدواوير المتضررة.
ويتعين أن تسفر هذه الخطوة عن إجراءات استعجالية للحد من الانبعاثات، وقياسات مستقلة وعلنية لجودة الهواء، ومراقبة المياه والتربة، وبرنامج محدد زمنياً لتأهيل المطرح أو إغلاقه وتعويضه بمنشأة تستجيب للمعايير البيئية.
كفى من جعل سكان العالم القروي يتحملون ثمن اختلالات تدبير النفايات
إن سكان الفضالات وبني يخلف والدواوير المجاورة ليسوا مواطنين من درجة ثانية، ولا ينبغي أن يتحول بعدهم النسبي عن المراكز الحضرية إلى مبرر للتساهل مع معاناتهم.
فمن حق الطفل أن يصل إلى مدرسته دون المرور بأجواء خانقة، ومن حق الفلاح أن يعمل في أرضه دون خوف من تلوثها، ومن حق المرأة والمسن والعامل والموظف أن يعيشوا في منازلهم دون أن يتحول الهواء إلى مصدر إزعاج وقلق صحي.
وليس من العدالة البيئية أن تستفيد المدن من خدمات جمع النفايات، بينما تتحمل بعض المناطق القروية المجاورة النصيب الأكبر من الأعباء المرتبطة بالتخلص منها.
إن تدبير النفايات خدمة عمومية ضرورية، لكن نجاح هذه الخدمة لا يقاس فقط بنظافة شوارع المدن، بل أيضاً بمدى احترام حقوق السكان الذين يعيشون قرب منشآت المعالجة والطمر.
والرسالة اليوم واضحة: سكان المنطقة لا يطالبون بإغلاق مطرح دون بديل، ولا بنقل التلوث إلى منطقة أخرى، وإنما بحل بيئي مستدام ينصف الجميع، وينهي مصادر الضرر، ويضع صحة الإنسان فوق كل اعتبار.
لقد حان الوقت لكي تستعيد مناطق بني يخلف والفضالات وأولاد بوجمعة ولعمور والدبابج والقواسمة وباقي الدواوير حقها في هواء نظيف وبيئة سليمة، ولكي تصبح شكايات السكان منطلقاً لقرارات عملية بدل أن تظل مجرد أصوات تتردد دون استجابة.
فالأرض التي تحتضن السكان وتوفر الغذاء والعمل تستحق الحماية، والإنسان الذي يسكنها يستحق الإنصاف.
وإذا كان من حق المدن أن تكون نظيفة، فمن حق القرى ألا تدفع صحتها وبيئتها ثمناً لتلك النظافة.



