كتاب البديل

مفهوم السيادة والتحول الاستراتيجي ( قراءة في خلفيات تضخيم النفقات الدفاعية في قانون المالية الجديد)

مفهوم السيادة والتحول الاستراتيجي
( قراءة في خلفيات تضخيم النفقات الدفاعية في قانون المالية الجديد)

محمد عزيز الوكيلي

تثير القفزة الرقمية التي شهدها مشروع قانون المالية الجديد (برسم سنة 2027) بالمغرب، من خلال رفع سقف الالتزامات المالية، التوقعية والاستباقية، المخصصة لاقتناء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية ودعم تطوير صناعة الدفاع، إلى ما يقارب مائتي مليار درهم (ما يناهز 19.4 مليار دولار)… تثير نقاشاً واسعاً بين المراقبين والمهتمين بالشأن الجيوسياسي في منطقة شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.

إن هذا التحول الرقمي البارز، الذي يمثل زيادة تتجاوز 21% مقارنة بـميزانية 2026، (المتمثلة في 157.17 مليار درهم)، يطرح تساؤلات جوهرية تتأرجح بين فرضيات ثلاث:

الأولى: توحي بالاستمرار في تكريس سباق محتدم نحو التسلح لمواجهة الجوار الإقليمي، شمالاً حيث الجارة الإيبيرية إسبانيا، وشرقاً حيث نظام العسكر بالجزائر، ثم جنوباً باتجاه الساحل الإفريقي المضطرب؛

والثانية: تتلخص في الرغبة في تعزيز موقع ريادي إقليمي وجهوي، يكون فاعلا ومؤثراً، وصانعا للأحداث وليس متلقياً لآثارها فحسب؛

ثم الثالثة: وتنم عن الرغبة في الانخراط في حسابات استراتيجية كبرى لم يحن بَعدُ أوان الكشف عن كامل تفاصيلها.

من منظور مبدئي، يرى العديد من المحللين أن هذا التوجه يمثل استجابة طبيعية، واستمراراً بيّناً، للدينامية الأمنية التي تفرضها معادلة المحيط الإقليمي المباشر، وتحديداً مع الجزائر وإسبانيا.

والواقع أنه لا يمكن عزل هذه الأرقام عن أجواء التوتر البنيوي والهيكلي، والتدافع المحتدّ والصامت، المقترنَيْن بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، والتحركات الميدانية المستمرة في المنطقة، مما يجعل رفع الجاهزية العسكرية ضرورة ملحة لحماية الوحدة الترابية وتأمين الحدود الوطنية… هذا من جهة.

من جهة أخرى، يظل التوازن مع الجار الشمالي إسبانيا، رغم الشراكة الاستراتيجية الحالية، دافعاً متأصِّلاً للحفاظ على حد أدنى من “توازن الرعب”، ومن امتلاك قوة الردع العسكري الذي يضمن التوازن والندية في إدارة الملفات المشتركة، كالهجرة، والأمن البحري، وحماية المجالات السيادية.

ويبدو هذا الارتفاع المستمر في الإنفاق العسكري والحربي بناءً على هذا الطرح، خطوةً دفاعيةً مَحضاً، فرضتها التحولات الأمنية المتسارعة في البيئة الإقليمية.

بيد أن أي قراءة عميقة لأبعاد هذا التمويل، ينبغي أن تتجاوز الدخول في “مجرد سباقٍ تقليديٍّ للتسلح” مبنيٍّ على ردود الأفعال، إلى التدقيق في بنود مشروع القانون، ولاسيما الشق المتعلق منه بـ”دعم تطوير الصناعات الدفاعية”، حيث يتضح من هذا الشق أن المغرب يسعى، بصريح العبارة، إلى الاستفراد بموقع إقليمي وجهوي ريادي في شمال إفريقيا والمتوسط. فالمملكة لا تكتفي بوضع سقوف مالية للتسلّح شديدة الارتفاع، وبوتيرة عالية، لمجرد إشباع رغبتها في اقتناء العتاد، بل تؤسس لاستقلالية استراتيجية وتكنولوجية بعيدة المدى، عبر توطين التكنولوجيا الحربية، بمختلف وسائطها الأكثر حداثة، ونقل المعرفة إلى أرض الوطن عبر تكوين المهندسين المتخصصين، والتقنيين المؤهَّلين، وعقد شراكات صناعية طويلة الأمد.

هذا التوجه، هو الذي يكفل نقل المغرب من دور المستهلك والمستورد للمعدات العسكرية المتطورة، إلى فاعل صناعي قادر على الإنتاج والتطوير والصيانة محلياً، وهو ما يمنحه تفوقاً نوعياً ونفوذاً جيو-اقتصادياً وجيو-سياسياً يكرس مكانته الإقليمية والجهوية، كقوة موثوقة قادرة على ضمان الاستقرار في جنوب المتوسط والمنطقة الأطلسية ومنطقة الساحل.

وبالرغم من هذا الأفق الواعد، تظل هناك “حسابات أخرى” وحلقات مفقودة في التفسيرات المباشرة، ترتبط بالتحولات الكبرى في العقيدة العسكرية والأمنية المغربية، التي من الظاهر أن معالمها بالكامل لم تتضح بعد.

إن هذا السقف المالي المرتفع، إذَنْ، يمنح لإدارة الدفاع الوطني مرونةً قانونية وزمنية لإبرام التزامات عملياتية ضخمة، ممتدة على مدى السنوات المقبلة، مما قد يؤشر على قيام الإعداد والتجهيز لصفقات كبرى ونوعية تتوافق مع التحديات التكنولوجية الجديدة، كالحروب السيبرانية، وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، والطيران غير المأهول والمسيّر، وتكنولوجيا الذكاء الرقمي العسكري…

كما أن هذا التموقع العسكري القوي للمملكة، يتكامل مع الرؤية الملكية الأطلسية الرامية إلى ربط بلدان الساحل بالمحيط الأطلسي. هذا المشروع الاقتصادي الضخم، الذي يستوجب تأمين مظلة أمنية وعسكرية مغربية قوية، وقادرة على حماية خطوط التجارة الحيوية، وتأمين الملاحة الدولية في هذا الشريان الجديد.

خلاصة القول، إن انتقال سقف الالتزامات الدفاعية للمغرب لعام 2027، إلى مشارف 20 مليار دولار، ليس مجرد استعراضٍ للقوة، أو محضَ انجرارٍ وراء سباق تسلح إقليمي ضيق الأفق؛ بل هو مزيج استراتيجي يجمع بين الاستجابة لمتطلبات حماية الوحدة الترابية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة، وبين التأسيس لسيادة تصنيعية تعزز الريادة الجهوية للمملكة، وتضمن استقلالية قراراتها بين شركائها المتعددين والمتنوّعين. وإنها لَخطوة مدروسة تضع المغرب في مصاف القوى الإقليمية الناشئة، التي لا تحمي حدودها فحسب، بل تصوغ معالم التوازنات الجيوسياسية المستقبلية في الفضاء الإفريقي، والفضائَيْن المتوسطي والأطلسي معاً.

أمّا كيف يرى الجيران المباشرون في الشمال والشرق والجنوب هذا التحول الوازن والحثيث في موازين القوى بالمنطقة؟.. فذاك موضوع آخر ربما يحتاج منا لوقفة مُغايرة.
_____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى