قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة السابعة بعنوان (بين منطق الديمقراطية والمنطق الإسلاموي) مع صلاح الوديع

أشكر الصديق المعطي منجب على هذه الاستضافة كما أشكر مجلس السلام الهولندي ومنتدى المواطنين.
بدءا لست باحثا سياسيا ولا متخصصا في ظاهرة الإسلام السياسي. وقد قبلت شاكرا المشاركة في هذا اليوم الدراسي على أمل الإسهام، بنظرتي وتجربتي، في إنضاج اقتراب جماعي رصين من موضوع الدمقرطة وتأثرها ب/وتأثيرها في بعض التصورات الإديوليوجية البارزة في مغرب اليوم، كما صنفها المنظمون: الإسلاميون واليسار.
قبل محاولة الإجابة على أسئلة الملتقى أسطر على ثلاث أفكار أساسية كمنطلق:
الفكرة الأولى
حين نتحدث عن الحركات الإسلامية، نعني بالضبط الحركات التي تجهر بأن لها مرجعية إسلامية وترفض العنف بشكل واضح وجلي. وفي هذا الموضوع هناك غموض يجب إجلاؤه: فبداهة ادعاء الاعتماد على المرجعية الإسلامية يجب ألا تحجب عنا نسبيته. وعلى من يدعي هذه المرجعية أن يقر بذلك، وأن يقر بأن ما يمكن أن يعتبره الإسلام الصحيح هو تأويل من بين تأويلات. لقد عرف الإسلام حتى قبل انقضاء فترة الخلفاء الراشدين انقسامات في تأويل الإسلام، فظهرت الفرق والشيع مما لا زال يعتمل في صفوف شعوب المسلمين إلى اليوم. وحتى “تعدد” الفرق الإسلامية اليوم دليل آخر على وجود اجتهادات ودليل إضافي متجدد على نسبيتها ومسوغ لمجادلتها، ليس في حق التأويل، وليس حتى في نتيجة التأويل، ولكن أساسا في نسبية المقاربة الدينية للوجود نفسها، وفي ارتباطها بشروط إنتاجها التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
إن إقرارا كهذا من شأنه أن يعفينا من الجدل حول من هو أكثر تمثيلا لصحيح الدين ويسمح لنا بملامسة المشاكل الكبرى للمجتمع اليوم، على قدم المساواة في اجتهادنا لحلها. لقد كان موقف نبي الإسلام نفسه واضحا في هذا الموضوع حين حث على الاجتهاد باستمرار في مواجهة المسائل الدنيوية شريطة التقيد بمبادئ العدل والإنصاف والمساواة. وقد سبقنا إلى ذلك الصحابي الجليل علي بن أبي طالب حين وقف، وهو يلاحظ ما انتهى إليه الإسلام في خلافته من تناحر بين الصحابة والصحابيات، على حقيقة أن الكلمات حمالة أوجه، يعني منتجة لتأويلات.
الفكرة الثانية
لا تنحصر الديمقراطية في مجرد نمط اقتراع واحتساب أصوات. الديمقراطية، كما نعلم، اختيار فكري يؤصل لقيمة الفرد والعقل والاختيار الحر والتعاقد ويعتمد مساهمة الأفراد في صنع تاريخهم عبر ممارسة حقوقهم وابتداع المؤسسات التي تفي بهذا الغرض. وتتأسس كل فلسفة الحكم وبناء المؤسسات السياسية على هذا المبدأ. من هذا المنطلق لا يمكن ادعاء الديمقراطية إذا كان البرنامج السياسي لحزب ما يعادي هذه المبادئ. ولا يمكن ادعاء نجاح الديمقراطية حتى ولو فاز البرنامج بأغلبية الأصوات. فإذا كان فكر ما يفاضل بين حزب وآخر لمجرد إعلان الحزب ولاءه لدين من الأديان نكون قد أخللنا بأس الديمقراطية. لذلك كان على هذه الأخيرة أن تتحصن ضد استعمالها لإرساء أضدادها. ولذلك كان على القانون أن يفرض عدم استعمال الدين في السياسة.
الفكرة الثالثة
يفرض منطق الديمقراطية وحقوق الإنسان الإقرار بحرية العقيدة وحرية الممارسة الدينية أو عدمها أي حرية اللاتدين. إن الإيمان مسألة شخصية وموقف فردي بين الإنسان الفرد انطلاقا من نظرة جوانية إلى الوجود، وهي لا يمكن بصفتها كذلك أن تخضع لإلزام خارجي. وحتى الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإنسان مسئولا شخصيا ومحاسبا أمام الله عن ذلك، وبذلك ينتفي ترامي أي شخص أو سلطة بين الإنسان الفرد وربه. وحتى لو افترضنا إلقاء السؤال على شخص ما حول حقيقة إيمانه، فإن مجرد تصريحه ليس حجة. ولا يقف الأمر عند اعتبارات كهذه، بل إن الأمر يتعلق بحرية الضمير التي لا يكون لحرية التعبير معنى بدونها. فعمَّ سنعبِّرُ بحرية إن لم يكن هناك إقرار بحرية الفكر وحرية المعتقد أصلا؟
إن الاستقواء بالمقدس الديني بحسب تأويلنا، في حل المسائل الدنيوية، هو تهميش للحجة العقلية وكبح للديمقراطية، بل ونقيض لها.
لكل ذلك، فهذه منطلقات ضرورية للخوض في النقاش.
من هذه المنطلقات سأحاول في هذه المداخلة أن أتقدم بأفكار في المحاور التالية: منطق حقوق الإنسان والمنطق الديني الاسلاموي، ومدى توافق الديمقراطية وحقوق الإنسان والإيديولوجيات السياسية-الدينية من جهة وحقوق الإنسان والأديولوجيات اليسارية من جهة أخرى، والتذكير بالإسلام كلحمة حضارية للمغاربة، لكي أنتهي بشروط تحصين الجدال القائم.
منطق حقوق الإنسان والمنطق الديني الاسلاموي
أستسمح إن عمدت إلى التذكير ببعض البديهيات بشأن حقوق الإنسان.
إن حقوق الإنسان – ومن ضمنها الديمقراطية، وقد أصبحت مرجعا للإسلاميين كما لليساريين، ليست مجرد صكوك ومطالب في هذا الميدان أو ذاك. إنها حقوق متأصلة لا تقبل التجزئة ولا تقبل الانتقاء وهي تعني جميع الناس الذين يسكنون أو سيسكنون المعمور. إذ إن جوهرها الأول، كما هو معلوم، هو مساواة البشر، جميع البشر، بصفتهم كذلك، في الكرامة المتأصلة فيهم منذ لحظة الولادة وهي ليست مشروطة بالانتماء لدين أو ملة أو ثقافة أو لغة أو لون أو فئة اجتماعية. على الحركة الإسلامية أن تعيد النظر، من هذا المنطلق في دعاواها.
لا يتمثل العيب، من هذه الزاوية، في اعتبار الأسس الدينية مرجعية أخلاقية قابلة لتأصيل نظام سياسي ما. المشكل هو في حصر تلك الأسس في دين واحد، بل وفي تأويل معين لذلك الدين. إن السؤال يتحدد في معرفة هل يتأسس المشروع المجتمعي على أقانيم التفوق الديني والحضاري لدين من الأديان أم على أسس التعدد الديني والمساواة والتعايش بينها. إذ ليس هناك مدلول آخر لحقوق الإنسان غير هذا: لا يتوقف حق التمتع بكل حقوق الإنسان بشرط، بل إنه يتحقق فعلا بعدم اشتراط أي انتماء وبمساواة الجميع – كما سبق – في التمتع بالحقوق إياها.
على الحركة الإسلامية أن تحدد ماذا تريد: أن ترسخ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كخيار غايته تحقيق التنمية البشرية للوطن، أو الدفع بالعمل الدعوي من أجل “استرجاع عظمة الإسلام”؟ هل هدفها رفع تحدي الخروج من التخلف أم المساهمة في إعادة بناء الخلافة الإسلامية على رقعة انتشار الإسلام؟ هل هدفها بناء الدولة الديمقراطية القوية في المغرب حيث يتعايش المغاربة مع أديان مختلفة سبق بعضُها الإسلامَ بقرون، أم صياغة وفرض تأويل وحيد للإسلام، ليس فقط كثقافة ولحمة، بل كمذهب وشعائر؟
في حالة الاختيار الأول تكون الحركة الإسلامية قد أقرت بأن الوطن هو المرجع. وإذا أقرت بأن الوطن هو المرجع، فسيكون عليها أن تقر بالتعدد داخل الوطن الواحد. وسيكون عليها أن تقر بأن المغرب قبل وصول الإسلام قد عرف ديانات أخرى، لا زالت قائمة. وستقر بأن حق المتدينين في المغرب سواء، وستناقض منطق الاستعلاء الديني بنفسها، وسيكون لعملها السياسي معنى ولاندماجها في البناء الديمقراطي مصداقية لأنها ستكون قد خلقت الانسجام في موقفها، فالديمقراطية كنظام سياسي ترتبط بوجود الدولة-الوطن لا بالدعوة الدينية. أما في حالة الاختيار الثاني، فهو موقف آخر لا يرى في الديمقراطية أكثر من آلية مرحلية من أجل “أسلمة” المجتمع الناشز والعودة إلى تقليد السلف الصالح وإعادة بناء دولة الخلافة.
هل تتوافق الإيديولوجيات السياسية-الدينية والديمقراطية وحقوق الإنسان؟
لم تخلق الديمقراطية مع البشرية كما نعلم، بل لقد ابتدعتها هذه الأخيرة في سياقات تطورها. لن نعود إلى منشأ المفهوم وتطوره. ما يهمنا هنا هو الجواب على سؤال الأرضية: هل تتوافق الإيديولوجيات السياسية-الدينية والديمقراطية وحقوق الإنسان؟ هنا لا بد من بعض التدقيق: إن الإديوليوجيا السياسية الدينية لا تتوافق مع الديموقراطية وحقوق الإنسان، نصيبها في ذلك نصيب كل الكليانيات في التاريخ. والسؤال الأقرب إلى روح مقولة شومبتير، يمكن صياغته بالشكل التالي: هل تستطيع الحركات السياسية ذات المرجعية الدينية – والحالة هذه – أن تتوافق مع الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ الجواب في نظري على هذا السؤال مفتوح: هذه الإمكانية موجودة كما هو موجود احتمال النكوص والتشدد.
أتصور حقيقة الأمر على الشكل التالي. إن التعبيرات السياسية هي انعكاس للبنية الاقتصادية والاجتماعية والعمق الثقافي في المجتمع، منظور إليها كحركيات متفاعلة لا تتوقف. هذه الحركية، حيث تتواجه وتتقاطع الإرادات الفئوية والطبقية والفردية نفسها، تسفر عن حصيلة هي جُماع كل هذه الإرادات – كما يقول مفكرو المادية التاريخية – حيث يقف المتبارون على أن نتيجة “تدافع” إراداتهم لا تعكس بالضبط طموحاتهم كما تصوروها لحظة التخطيط والانطلاق. وهذا في اعتقادي ما يرمي إليه شومبتير باستعماله صيغة “عتبة الديمقراطية” التي هي بهذا المعنى لحظة وعي مختلف جماعات المصالح بضرورة عقد تسويات، تجسدها صكوك ومؤسسات وغيرها، لتحقيق توازن بفضل ما يسميه “الردع المتبادل”. لكن الأمر في نظري لا يقف عند الوعي بهذه الضرورة في لحظة ما، إذ أن فكرة الديمقراطية نفسها خاضعة للتطوير والاغتناء الدائمين. فمن يلقي نظرة على تطور الديمقراطيات المؤسسة في القرن 19 و20 يقف على وصفات ناقصة بالمقارنة مع ما نراه اليوم (المشاركة المشروطة في الاقتراع، حقوق المرأة في أوروبا وحقوق السود في أمريكا…). وإذا كانت الديمقراطية لا تقتضي دائما أن يتبنى جميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين فكرة الحرية، فذلك معناه أن الديمقراطية قناعة تكتسب بالألم الناتج عن ضرورة التعايش وقبول الآخرين المختلفين عنا. ولا شك أن هذه الدينامية تلعب دورا محددا في تشكل وعي الناس بضرورة الديمقراطية وبحدودها بالنسبة لمصالحهم. ومن هنا تتشكل التسويات وتنبع المؤسسات في كل فترة حسب درجة النضج التاريخي للمجتمع. من هذه الزاوية يمكن الخلوص إلى نسبية الإيديولوجيا، بما فيها الإديولوجيا الدينية، كمحدد وحيد للاختيارات في كل لحظة من اللحظات المفصلية للتاريخ. بل ربما أمكن القول أن المنطق والوضع السياسيين يؤثران في إعادة صياغة الإديولوجيا نفسها في اتجاه ما، بما فيها الإديولوجيا الدينية المفترض فيها أن تعكس الحقيقة المطلقة الصالحة لكل مكان وزمان.
من هنا يمكن الإدعاء بأن الحركات السياسية ذات المرجعية الدينية، شأنها في ذلك شأن الحركات السياسية الأخرى، مرشحة لأقلمة وتليين إديولوجيتها مع تطور المجتمع، ليس لأنها حربائية بالضرورة، بل لأن وقائع التاريخ لا ترتفع. يبقى أن نتيجة ودرجة هذه الأقلمة وذلك التليين مرهونتان بالتأصيل الثقافي للفكرة الديمقراطية وللنجاح في رفع تحدي التنمية (بالمعنى الشامل) في بلد مثل المغرب. إن تأصيل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بالمعنى الكوني المشار إليه أعلاه هي ضمانة خفوت وتلاشي كل الإديولوجيات الكليانية بما فيها الإديولويجيا الدينية. ولهذا قلت قبل قليل بأن إمكانية التطور الإيجابي موجودة كما هو موجود احتمال النكوص والتشدد.
اليسار وحقوق الأنسان
كما تعرض اليسار لامتحان في قناعاته الديمقراطية، فلا بد للإسلاميين من المرور على نفس الصراط.
لقد اعتبر اليسار الجديد – أو فرق كثيرة منه على الأقل في بداية تشكلها – أن الديمقراطية وحقوق الإنسان هي موضوعة مرفوضة في الأصل لأنها تعبير عن خدعة “بورجوازية”، وأن الأصل في قراءة الإشكالية الاجتماعية هو عدم الفصل بين السياسي والقانوني من جهة وبين الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى، وأن الأصل في حلها هو ممارسة العنف الثوري من طرف الطبقات المسحوقة ضد الطبقات المالكة وصولا إلى بناء دولة ديكتاتورية البروليتاريا. وقد تطورت أغلب فصائل هذا اليسار إلى تبني موقف مغاير تماما لموقف سياقات ولاداته إزاء أطروحة الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل لقد لعبت زعاماته التاريخية والمخضرمة، انطلاقا من نهاية السبعينات، وخاصة نهاية الثمانينات، أدوارا كبرى في الحركية الحقيقية المستندة إلى منظومة حقوق الإنسان الكونية، بتأويلات متفاوتة، لكنها تمتح كلها من معين المنظومة إياها. وهناك أمثلة متعددة
غير أن ما طبع هذا التبني، على أهمية حركيته، هو الصمت عن مواقف التأسيس، وعدم الانكباب على دلالات هذا التحول وتفسيره في تطور الحركات اليسارية، وعدم الإقدام على التصحيح والنقد الذاتي. وإذا كان مثل هذه الإيغال مفهوما في فترات فورة التأسيس، فإنه غير مبرر وغير مقبول أخلاقيا، لأنه يحجم عن التواضح الإيديولوجي.
الديمقراطية والإسلام كلحمة حضارية للمغاربة
إلى حدود مرحلة السبعينات، عاش المغاربة في انسجام مع دينهم الرئيسي الإسلام، وفي وئام مع معتنقي الدين اليهودي من المغاربة.
ويمكن أن نسجل في هذا المجال أن الانقسام داخل المجتمع المغربي على أساس تأويل الدين لم يعرف له وجود، كما أن التربية الأسرية التي اعتمدت التعليم القرآني، لم تفعل ذلك من وجهة تعصب ديني أو مذهبي، بل من وجهة تشبث بثابت من ثوابت تاريخ الشعب المغربي على مدى قرون.
لقد استعصى المغرب على الدخول تحت الخلافة العثمانية، على الرغم من استنادها إلى شرعية إسلامية، وصمد في وجهها وهي الرابضة على تخومه منذ القرن السادس عشر وطيلة ثلاثة قرون.
وحتى حين لعبت الزوايا دورا سياسيا في القرن السادس عشر، فإن أيا من المؤرخين لم يسجل عليها توجها تكفيريا ما، بل إن جُماع حركيتها السياسية اتجه نحو محاربة الاستعمارين الاسباني والبرتغالي المستأسدين بعد سقوط الأندلس وضعف الدولة السعدية.
إن هذا المكون الذي أفضل تسميته بالإسلام الثقافي المتداخل في النسيج المجتمعي كمؤطر أخلاقي للمعاملات والمسلكيات والمعتمد على قيم التآزر والتضامن، يشكل إحدى المكونات الأساسية للكيان المغربي. وهو بصفته كذلك غير قابل للتصرف والاستئثار والاحتكار. وباعتباره عنصرا من عناصر السيادة فإن تمثيليته لا يمكن أن تكون إلا على مستوى تمثيلية الأمة، أي المؤسسة الملكية وهذا هو المعنى الذي تكتسيه إمارة المؤمنين، يضاف إليه ضمان حرية المعتقد والعبادات للديانات الأخرى. وبهذا المعنى تكون إمارة المؤمنين عنصرا في ترسيخ البناء الديمقراطي.
هل هذه عناصر دعوة علمانية؟
أوضح بدءا أن هناك علمانيتان إن جاز التعبير: العلمانية المبنية على التسامح والعلمانية المعادية للأديان.
تختلف العلمانية المبنية على التسامح عن العلمانية المعادية للأديان. فالأولى تنطلق من الحق المتأصل للإنسان في أن تكون له الحياة الروحية، بما فيها الدينية، التي يرتضيها لنفسه، وتعتبر أن له الحق في عبادة الخالق بالطريقة التي يرتضيها، كما ترى أن ممارسة هذا الحق لا تخول للمرء أن يرغم آخرين على إتباعه بالعنف والإكراه. وإذ ترى هذه العلمانية أن مسألة الإيمان من عدمه مسألة تدخل في النطاق الخاص باعتبارها مسألة اختيار فردي، فإنها ترى بالمقابل أن الدولة يجب أن توفر شروط ممارسة الطقوس الدينية للمؤمنين. إن الأديان في بدئها بمثابة صرخة مظلوم وانطلاقة نحو الخير أو ما نعتبره كذلك. غير أن الاعتقاد بامتلاك السلوك الأقرب للخير لا يعطي لأحد الحق في إخضاع المجال العمومي لما يعتبره خيرا. إن الإيمان الحق ينطلق من فرادة التجربة الإيمانية ويقر بحق الآخرين في خوضها وبقدرتهم على بلوغ غاياتها بمحض تجربتهم الخاصة. وفي هذا التصور لا ترفض العلمانية المتسامحة اعتبار الدين مرجعية لتنظيم المجال العمومي. إنها ترفض أن يتم فرض المرجعية الدينية من موقع الحقيقة المطلقة وموقع الحجة التي لا يعلى عليها، والتأويل الذي لا راد له. إنها تقول بضرورة وضع النص المدني الذي يجب أن يكون المرجعية الأولى حياة المجتمع.
إن اعتقادي يذهب إلى عدم وجود أي تناقض بين الإسلام كما عاشه المغاربة، كلحمة ثقافية وبين مبادئ العلمانية المبنية على التسامح.
شروط التحصين
إن أولى الشروط ليس فقط لتحصين السلم المدني بين الفرقاء بل ومن أجل خلق دينامية مخصبة بينهم هو الكف عن ادعاء امتلاك الحقيقة من أي طرف كان واعتبار السياسة مجالا لتباري البرامج واعتماد الحجة العقلية وتقديم مصلحة الوطن على كل اعتبار حتى في سياسات التضامن الخارجية. لأننا بذلك سنكون بصدد تحصين البيت الذي بدونه لا معنى لوجود فأحرى لتبادل أو إخصاب متبادل.

